مقاربة الأسلوبيةد سهام علي طالبمقاربة الأسلوبيّةأنّ الأسلوبيّة نظريّة وتطبيق، والهدف منها هو البحث عمّا يميّز النصّ أسلوبيًّا، ويخصّصه فنّيّا وجماليًّا. بمعنى أنّ لأسلوبيّة تهتمّ باستكشاف خصائص النصّ الأسلوبيّة، وتبيان طبيعة الأساليب الموظفة في النصّ، وتحديد مكوّنات هذه الأساليب فهمًا، وتفسيرًا، وتأويلاً. أي: ربط الأسلوب بآثاره في المتلقّي نفسيًّا، وفكريًّا، وجماليًّا، مع تحديد رؤية الكاتب إلى العالم في ضوء أسلوبه. ويضاف إلى هذا أنّ المقاربة الأسلوبيّة تسعى إلى دراسة مكوّنات الكلام من: أصوات، ومقاطع، وكلمات، وجمل، وعبارات، وربطها بمجموعة من المقصديات المباكرة وغير المباكرة. كما أنّ الهدف منها هو ربط أسلوب النصّ بالكاتب نفسه طبق مقولة بوفون: “الأسلوب هو الكاتب نفسه”. وفي هذا الصدد، يمكن الاستعانة باللسانيّات، والبلاغة، والشعريّة، والسيميائيّات، والتداوليّات، وجماليّة التلقّي، في مقاربة النصّ الأدبيّ أسلوبيًّا.
ويعني هذا كلّه أنّ النصّ الأدبيّ يمتلك أساليبه الخاصّة، وآليّاته التقنيّة المتميّزة التي تخصّصه عن النصوص الأخرى. ومن ثَمَّ، فهناك حاجة ماسة إلى تبيان تلك الأساليب الموظفة، وتحديد خصوصياتها، واستكشاف جماليّاتها الفنّيّة. علاوة على ذلك، يمكن دراسة المكوّنات الاستبداليّة في النصّ كما يرى ذلك رومان جاكبسون، ولا يقتصر الأمر على دراسة المكوّنات التركيبيّة كما يرى ريفاتير دراسة المكوّنات الدلاليّة والتركيبيّة فقط، بل لا بدّ من دراسة البعد الوجدانيّ الذي يحمله الأسلوب، أو استخلاص الآثار الأسلوبيّة التي يحدثها النصّ في المتلقّي أو القارئ.
وعليه، تعتمد الأسلوبيّة على مجموعة من الخطوات المنهجيّة التي تتمثّل في قراءة النصّ بنية، ودلالة، وسياقًا، مع استكشاف الوظيفة الجماليّة، أو الشعريّة التي تنبني على محوري الاستبدال )الدلالة)، والمجاورة )التركيب، أو النحو(، وجرد العديد من الأساليب التي يوظّفها المبدع، أو الكاتب بنية، وتركيبًا، ودلالة، ومقصديّة، والبحث عن الأساليب الخاصّة التي ميّز الكاتب عن باقي الكتّاب الآخرين، مع الاستعانة باللسانيّات تارة، والإحصاء تارة أخرى، ثمّ وصف النصّ، أو المؤلّف الأدبيّ في كشف خصوصياته الأسلوبيّة، والبحث عن بنياته الاستبدالية والتركيبيّة، وتبيان مختلف وظائفها اللسانيّة والدلاليّة والتداوليّة. كما تتخطى الأسلوبيّة الاستقراء البنيويّ الداخلي للنص أو المؤلف الأدبيّ إلى استكشاف النفس، والحياة، والعالم، والإيديولوجيا. بمعنى أنّ الأسلوبيّة قد تنتقل من الداخل البنيويّ، واللسانيّ إلى الخارج النفسيّ، والاجتماعيّ، ضمن ما يسمّى بالأسلوبيّة السيكولوجيّة، أو الاجتماعيّة.
وعلى العموم، حينما نريد تحليل النصّ أسلوبيًّا نقوم بجرد المعجم اللغويّ، وتحديد حقوله الأسلوبيّة، واستكشاف كلماته الموضوعاتيّة المتواترة عبر عمليّات الإحصاء، ثمّ دراسة أنواع الأساليب المستخدمة )أسلوب شاعريّ – أسلوب سرديّ – أسلوب دراميّ – أسلوب حواريّ – المنولوج – الأسلوب غير المباشر الحرّ – البوليفونيّة – السخريّة – التهجين – التنضيد)، ثمّ تبيان طبيعة اللغة ومستوياتها) الفصحى – الدارجة – اللغة الثالثة – اللهجات الشعبيّة)، وجرد أنواع الصور البلاغيّة ) صورة المشابهة – صورة المجاورة – صورة الرؤيا – صورة العلامة – صورة التآلف – صورة الاختلاف)، مع رصد الانزياحات، والانحرافات الصوتيّة، والصرفيّة، والدلاليّة، والتركيبيّة ،والإيقاعيّة، ثمّ دراسة الوصف بكلّ مكوّناته، وأنواعه، ووظائفه، وبنياته الزمنيّة، والصرفيّة، والنحويّة، والتركيبيّة… وبعد عمليّة التحليل الأسلوبيّ، نصل إلى مرحلة استخلاص النتائج المتعلّقة بخصوصيّات الأسلوب، وفرادته، وأبعاده الدلاليّة والمرجعيّة. أي: نحلل الأسلوب في ضوء محطات ثلاث: البنية، والدلالة، والمقصديّة.هذا، وقبل ذلك، نوزّع النصّ، أو العمل الأدبيّ إلى فقرات، أو مقاطع، أو متواليات، أو محاور للقراءة، فندرسها بشكل كلّيّ، من خلال التوقّف عند مستويات معيّنة. فحينما ندرس الشعر، مثلاً، نركّز على الصوت، والإيقاع، والتنغيم، فالمقاطع الصرفيّة، ثمّ التركيب النحويّ، والبلاغيّ، والتداوليّ، ثمّ الدلالة المعجميّة، ويمكن التوقّف أيضًا عند عمليّات التلفّظ، والبناء المعماريّ للنصّ، أو العمل. وحينما ندرس السرد، فلا بدّ من الإشارة إلى تعدّد الأساليب السرديّة الموظفة، مثل :الأسلوب المباشر، والأسلوب غير المباشر، والأسلوب غير المباشر الحرّ. وبعد ذلك، ننتقل إلى تحديد طبيعة اللغة، لرصد أنواع سجلاّتها، وتعداد وظائفها.ويمكن دراسة بنية الزمن ترتيبًا، ومدّة، وتواترًا. ونرصد أيضًا وجهات النظر المتعدّدة في علاقتها بوظائف الراوي، مع تحديد مكوّنات الوصف من خلال التوقّف عند مجموعة من الصور السرديّة.وعلى مستوى المسرح، ندرس الأساليب المتعدّدة الموظّفة في النصّ، أو العمل الدراميّ، مع تحديد طبيعة اللغة، وذكر أنواع سجلاّتها تنضيدًا، وتهجينًا، وأسلبة، دون أن ننسى عمليّات التلفّظ، والإشارات الإخراجيّة، أو الرشحيّة، والبنية العامليّة، والنظام التواصليّ، وطبيعة التركيب المسرحيّ، والصور البلاغيّة والحجاجيّة…ويتبيّن لنا من هذا كلّه أنّ الأسلوبيّة هي دراسة كلّيّة من جهة، ودراسة هيرومنطقيّة )الشرح، والتفسير، والتأويل) من جهة أخرى، تبحث عن المعنى. أي: إنّ الأسلوبيّة مقاربة شكليّة، ودلاليّة.
وبصفة عامّة، تستثمر الأسلوبيّة مفاهيم مجموعة من التخصّصات، كمفاهيم اللسانيّات )الصوت – الصرف – المعجم _ التركيب(، ومفاهيم الشعريّة )أدبيّة النصّ – التجنيس)، ومفاهيم التداوليّات) نظريّة أفعال الكلام(، ومفاهيم النصّ الموازي )عتبات الداخل والخارج(، ومفاهيم البلاغة )الصور البلاغيّة، والمحسّنات البديعيّة(….وفي هذا السياق المنهجيّ، يقول صلاح فضل: “أحسب أنّ أهمّ مجال للدراسة الأسلوبيّة، عندما تنصب على تحليل خواص اللغة الأدبيّة، لا بدّ من أن يتعلّق ببناء شبكة المتخيّل الأدبيّ، عبر تحليل أشكال المجاز، وأنساق الصور، وتكوينهما للبنى التخييليّة المستغرقة للنصوص بأكملها، فمثل هذا التحليل النوعيّ لتَقنيّات التعبير، وتوليدها للأبنية التصوّريّة الكلّيّة للأعمال الأدبيّة، هو الكفيل بتجاوز الخواص الجزئيّة في النصوص الأدبيّة، ومحاولة الإمساك بالطوابع المميّزة لأساليبها الكلّيّة، وعندئذٍ تصبح عمليّات التقاط الظواهر الأسلوبيّة المتعدّدة مجرّد خطوة إجرائيّة، لا تكتمل إلاّ بالتحليل النقديّ الكفيل بالربط بين مستويات التعبير المتعدّدة، وسنرى فيما بعد أنّ الدراسة النصّيّة التداوليّة التي وضعت تصوّرًا كلّيًّا لما يطلق عليه بمكعب البنية النصّيّة، تفسح مجالاً واضحًا للبحوث الأسلوبيّة في نسق التحليل الكلّيّ للنصوص الأدبيّة.”[ 37]. وعليه، تستند المقاربة الأسلوبيّة إلى دراسة النصوص، والخطابات، والأعمال الأدبيّة بالتوقّف عند ثلاث محطّات رئيسة هي: البنية، والدلالة، والمقصديّة، مع استثمار مجموعة من المستويات التحليليّة،
كالمستوى الصوتيّ، والإيقاعيّ،
والمستوى الصرفيّ، والمستوى التركيبيّ، والمستوى الدلاليّ، والمستوى التداوليّ، والمستوى التناصّيّ، والمستوى المناصّيّ، والمستوى الوصفيّ، والمستوى المعماريّ، والمستوى المرجعيّ…


