.فاروق حسني: فرشاة الفنان وتوقيعه في أروقة السلطة.
د. عصام عسيري
قراءة في بوح عقود من الثقافة والسياسة. في تقاطع نادر بين ضجيج مكاتب السياسة والجمهور العام وسكينة استديوهات ومعارض الفن والنخبة، يقف فاروق حسني Farouk Hosny فاروق حسني كواحد من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل من الإعجاب للرفض في تاريخ مصر الحديث. طوال ما يقارب ربع قرن، جلس الفنان التشكيلي على مقعد وزير الثقافة وقبلها رئيساً لمركز مصر بفرنسا، ممزوجاً بين بياض اللوحة وتجريدها، وبين تعقيدات الدولة وحساباتها وتنمية القطاعات ورعاية وتشغيل البرامج والمهرجانات والاحتفالات والمعارض و… الخ من مهام يومية لا تعرف معنى الإجازة ولا المرض، عملٌ بلا كلل ولا ملل؛ لرفع مستوى الثقافة والإبداع للأعلى وللتقدم بهما للأمام.
وفي إطلالة حديثة استثنائية عبر الشرق بودكاست في برنامج رؤية أخرى مع الإعلامي المميز عبداللطيف المناوي، فتح حسني خزانة أسراره، ليعيد رسم ملامح مرحلة شكلت الوجدان الثقافي المصري، ويبوح بتفاصيل قصصه ومعاركه، أحلامه، ومسيرته التي بدأت من أزقة الإسكندرية وقاعاتها الأكاديمية والثقافية حتى وصلت إلى كبريات عواصم الفن في العالم.
في هذا المقال النقدي التحليلي، نستقرئ عبر هذا اللقاء الشامل أبعاد شخصية الفنان الوزير، ونغوص في عمق رؤيته التي صاغت مشهداً ثقافياً لا يزال صداه يتردد حتى اليوم.
من الإسكندرية إلى روما: تشكيل وعي الفنان
لم يكن طريق فاروق حسني إلى الوزارة سياسياً بقدر ما كان فنياً خالصاً. ابن حي الأنفوشي بالإسكندرية، الذي أدرك كينونته كفنان وهو في الخامسة عشرة من عمره، امتلك منذ صباه نزعة للتمرد المعرفي؛ فبينما كانت والدته تدفعه نحو دراسة الفنون الجميلة إيماناً بموهبته، كان عقله يتوق لدراسة الطب أو الحقوق لولعه الشديد بالفلسفة والمنطق.
كانت الإسكندرية برحابتها الكوزموبوليتانية هي الملهم الأول، قبل أن ينطلق في سن الثانية والعشرين إلى أوروبا. وفي باريس وروما، لم يكن حسني مجرد دبلوماسي ثقافي تقليدي، بل كان مشروعاً جباراً في الفن كما وصفه كبار النقاد في إيطاليا. في روما تحديداً، حول الأكاديمية المصرية إلى صالون ثقافي عالمي يرتاده كبار المثقفين والفنانين مثل ألبرتو مورافيا، دامجاً بين الشرق والغرب، ليصنع لنفسه اسماً عالمياً قبل أن تطأ قدماه سلم الوزارة.
صدمة البدايات: المثقف والمُثَقِّف
جاء اختيار فاروق حسني لوزارة الثقافة مفاجئاً خارج كل الحسابات والتوقعات. في لقائه الأول مع كبار الكتاب والمثقفين المصريين الذين لم يكونوا يعرفونه جيداً، لم يأتِ حسني خائفاً، بل جاء متسلحاً بفلسفة جديدة تماماً. فرّق بشجاعة بين الثقافة كحالة فكرية، وبين العمل الثقافي كآلية للتوزيع والتأثير. كما طرح تفرقة عميقة بين المثقف المبدع والمفكر وبين المُثَقِّف الإداري الذي يمتلك الوعي لإدارة العمل الثقافي، وهو ما شكل صدمة إيجابية للحضور وأسس لأسلوبه الإداري الفريد.
العلاقة مع مؤسسة الرئاسة: الدهشة والمشروع
تكشف المقابلة عن طبيعة العلاقة المعقدة والفريدة التي جمعت فاروق حسني بالرئيس الأسبق حسني مبارك. منذ اليوم الأول، وبمظهر غير تقليدي شعر طويل وملابس إيطالية، لفت حسني انتباه مبارك. لكن ما أبقى الوزير في منصبه لم يكن المظهر، بل قدرته على إثارة الدهشة الإيجابية لدى الرئيس.
يروي حسني كيف كان الرئيس مبارك يمنحه مساحة واسعة للعمل ولم يفرض عليه شيئاً طوال عهده، بل دعم مشروعات طموحة وتاريخية بدت مستحيلة مالياً، مثل المتحف المصري الكبير ومتحف الحضارة.
وفي شهادة تاريخية هامة، ينفي حسني قناعة الرئيس الشخصية بالتوريث، مؤكداً أن مبارك قال له ذات مرة غاضباً: أودّي ابني للتهلكة بإيدي!.
أما عن السيدة سوزان مبارك، فيؤكد حسني أنها كانت داعمة قوية للثقافة وتمتلك رؤية متحضرة. ورغم أن أفكاراً مثل مكتبة الأسرة ومشروع الترجمة نبعت من الوزارة وبدأت بتمويل من صندوق التنمية الثقافية الذي أسسه حسني، إلا أنه يقر بأن دعمها جلب تمويلات إضافية ضخمة أتاحت للمشروعات التوسع والنجاح. ويصرح بشجاعة أن سوزان مبارك ظُلمت من الرأي العام.
معارك ثقافية: الحظيرة، الحجاب، والمواجهات البرلمانية
لم تكن رحلة ربع قرن مفروشة بالورود؛ بل كانت مليئة بالمعارك الضارية في الوزارة والحكومة والبرلمان والفنانين والنقابات ومع المثقفين، كما روى تفاصيلها في اللقاء.
الاستقالات المتكررة: لم يكن حسني متمسكاً بالكرسي والسلطة، بل اعتبره وسادة هوائية دوّارة أو “كرسي حلّاق” يمكن أن يغادرها في أي لحظة. استقال ثلاث مرات لأسباب مبدئية: احتجاجاً على تهميشه في افتتاح معرض الكتاب لصالح صفوت الشريف، واعتراضاً على الأجواء السياسية، وإثر فاجعة حريق مسرح بني سويف التي تحمل مسؤوليتها الأدبية رغم عدم مسؤوليته المباشرة، قبل أن يرفض مبارك استقالاته.
المتاحف: إرث من حجر وروح
إذا كان هناك إنجاز يخلد اسم فاروق حسني، فهو البنية التحتية الثقافية الهائلة التي أسسها. يقف المتحف المصري الكبير كدرة تاج هذه الإنجازات، وهو الحلم الذي واجه فيه تشكك الرئيس في البداية لضخامة التمويل المطلوب، قبل أن ينتزع موافقته ويبدأ العمل الملحمي. وإلى جانبه المتحف القومي للحضارة المصرية، ومتحف النسيج الذي وُلد من فكرة بسيطة عند رؤية قطع نسيج نادرة مكدسة في أدراج متحف التحرير. ويبقى مشروعه الأخير الذي لم يكتمل، باب العزب، غصة في قلبه، حيث كان يطمح لتحويله إلى مركز ثقافي وتراثي عالمي. يُشهد له في العموم مساعيه لإنجاح كافة القطاعات داخل وزارة الثقافة الغنية بالكفاءات والعناصر الناجحة، وحسن رعايته للنقابات والبرامج القومية.
مؤسسة فاروق حسني: رد الجميل للمستقبل
بعد مغادرته السلطة، لم يركن الفنان إلى العزلة، بل عاد إلى لوحته ليؤسس Farouk Hosny Foundation for Culture & Arts مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون . تبرع بأمواله الخاصة ومقتنياته النادرة ليخلق كياناً مستقلاً يرعى آلاف الشباب المصريين سنوياً في مجالات التصوير، النقد، النحت، والعماره. هذا المشروع، كما يصفه، هو غذاء روحي له، يعكس إيمانه العميق بأن الثقافة عطاء مستمر لا ينتهي بانتهاء المنصب الرسمي، مؤخراً تم افتتاح متحف فاروق حسني ليثري الحاضر ويقدم الكثير للمستقبل.
في ختام المقابلة، ينظر فاروق حسني إلى المشهد الثقافي العربي الحديث بعين متفائلة وحذرة في آن واحد. يرى أن الارهاصات الثقافية في السعودية، الإمارات، قطر، والبحرين مبشرة، وخطوة أولى ضرورية ستصل حتماً للعمق الحضاري المطلوب.
خلاصة القول: يقدم هذا الحوار المطول مع فاروق حسني وثيقة بصرية وفكرية نادرة. إنه يثبت أن الرجل لم يكن يوماً مجرد موظف بدرجة وزير، بل كان فناناً تسلل إلى دهاليز السلطة، حاملاً معه ألوانه وتجريده، ومحاولاً طوال خمسة وعشرين عاماً أن يرسم لمصر لوحة ثقافية تليق بتاريخها، ليترك خلفه إرثاً لا يمكن تجاوزه في ذاكرة الوطن المعاصرة.
اللقاء كاملا هنا، مشاهدة ماتعة
💐 🌹 🌺 🌹 💐
https://youtu.be/qNCYsDk1xZI?si=pVYVBEkP03FopjkP


