💥 مراجعة | «مكان للوجود» .. موندروتشو يداوي الوحدة.. ايلين بورستين تمنح الرحلة قلبها النابض
فينيسيا ـ خاص «سينماتوغراف» في مهرجان فينيسيا السينمائي، حيث تتنافس الأفلام عادة على ثقل الفكرة وقوة الرؤية، يأتي «مكان للوجود ـ Place to Be» ليقترح شيئاً مختلفاً، أن تكون السينما، أحياناً، مجرد فرصة للابتعاد قليلاً عن الحزن، والجلوس إلى جوار شخص غريب، ثم اكتشاف أن الحياة لم تنته بعد.الفيلم، المعروض ضمن قسم «فينيسيا المفتوحة» خارج المسابقة، هو التجربة الأكثر خفة في مسيرة المخرج الهنغاري كورنيل موندروتشو، الذي اشتهر بأعمال مشحونة بالألم الجسدي والنفسي، من «كلب أبيض» إلى «قطع من امرأة». ويستعيد هنا تعاونه مع الكاتبة كاتا ويبر وإيلين بورستين، لكنه يبدّل تماماً درجة الإضاءة والمزاج.الفيلم أسترالي الإنتاج، ومدته 104 دقائق، وتشارك في بطولته بورستين إلى جانب تايكا وايتيتي، وباميلا أندرسون، وموراي بارتليت، وديفيد وينهام.** أرملة تبحث عن نفسهافي قلب الحكاية تقف بروك غراهام، أرملة مسنة تعيش في شيكاغو بعدما أمضت سنوات طويلة في الدور الذي رسمته لها الأسرة والحياة. أبناؤها يرون أنها أصبحت بحاجة إلى رعاية أكثر، وربما إلى الانتقال إلى دار للمسنين، بينما ترى هي في ذلك محاولة لإبعادها عن حياتها وماضيها، بل وربما استعجالاً للحصول على ما ستتركه وراءها.هنا لا يقدم موندروتشو الشيخوخة باعتبارها انتظاراً للموت، بل باعتبارها مرحلة يمكن أن تحمل مفاجأة جديدة.والمفاجأة تأتي على أربع أرجل وجناحين.حمامة زاجلة تظهر أمام منزل بروك، فتقرر المرأة، بدلاً من التخلص منها، أن تبحث عن صاحبها. تطلق عليها اسم «المتطفل»، ومن هذه العلاقة الغريبة تبدأ الرحلة التي تقودها إلى الساحل الشرقي بحثاً عن مالك الطائر. وهنا تحديداً يجد الفيلم فكرته الأجمل.** ثلاثة تائهين في الطريقليست الحمامة هي الضائعة الوحيدة.عندما تلتقي بروك بـنيلسون غرين، الذي يؤديه تايكا وايتيتي، يبدو الرجل وكأنه يعيش انهياراً موازياً لحياة المرأة. علاقته الأسرية تتفكك، وحياته المهنية لا تمنحه ما كان ينتظره، وحتى رحلته نفسها تبدأ في لحظة اضطراب.يلتقي الاثنان أولاً خلال رحلة طويلة بالقطار، قبل أن تستمر مغامرتهما بوسائل نقل مختلفة. ومع الوقت، تتحول المصادفة إلى علاقة إنسانية هادئة، لا تحتاج إلى قصة حب تقليدية كي تصبح مؤثرة.وهذا أحد أكثر قرارات الفيلم ذكاءً.فموندروتشو لا يحاول تحويل العلاقة إلى رومانسية متوقعة بين رجل وامرأة في منتصف العمر والشيخوخة، بل يتركها في المنطقة الأكثر صدقاً، صداقة تنشأ بين شخصين لم يكونا يبحثان عن أحد.كأن كل واحد منهما وجد في الآخر دليلاً على أن العزلة ليست قدراً نهائياً.** بورستين.. الفيلم لهاإذا كان هناك سبب واحد يجعل التجربة تتجاوز حدود الفيلم الخفيف، فهو إيلين بورستين.الممثلة، التي تبلغ 93 عاماً وتسلّمت في فينيسيا هذا العام الأسد الذهبي لإنجاز العمر، لا تظهر هنا باعتبارها نجمة مخضرمة تؤدي دوراً مناسباً لسنها، بل كامرأة ما زالت تمتلك فضولاً تجاه العالم. وقد ارتبط حضور الفيلم في المهرجان بصورة بورستين نفسها، امرأة تصل إلى هذه المرحلة من عمرها، وتحصل في الوقت نفسه على تكريم لمسيرة استثنائية وتتصدر بطولة فيلم جديد.وهذه المفارقة تمنح الشخصية قوة إضافية.بروك لا تريد أن يُنظر إليها بوصفها «العجوز التي تحتاج إلى الرعاية»، ولذلك يصبح إصرارها على مواصلة الرحلة نوعاً من التمرد الصغير على الصورة التي يريد الآخرون حبسها داخلها.بورستين تلعب ذلك من دون استعراض. نظراتها، صمتها، توقيتها الكوميدي، وطريقتها في التعامل مع الأشياء الصغيرة تمنح الشخصية تاريخاً لا يحتاج الفيلم إلى شرحه بالكامل.وفي هذا الجانب تحديداً، يبدو اختيار موندروتشو موفقاً للغاية؛ فهو لا يحاول أن يجعل بورستين شابة أمام الكاميرا، بل يسمح للكاميرا بأن ترى جمال امرأة تعرف عمرها ولا تعتذر عنه.** وايتيتي خارج منطقة الأمانأما تايكا وايتيتي، فيقدم أداءً مختلفاً عن الصورة الكوميدية الصاخبة التي ارتبطت به في كثير من أعماله.نيلسون ليس مهرج الفيلم، رغم أن الممثل يستفيد من حضوره الكوميدي. هناك قدر من الفوضى في الشخصية، لكنه لا يتحول إلى مجرد أداة لإطلاق النكات. وفي أفضل لحظاته، ينجح وايتيتي في موازنة اضطرابه الداخلي مع هدوء بورستين.** حين يعلو الضحك قليلاًليس كل شيء منسجماً بالدرجة نفسها.فحين يحاول السيناريو الانتقال من الدراما الهادئة إلى الكوميديا الصريحة، يبدو أحياناً وكأنه يخرج من الفيلم الذي بناه في نصفه الأول. بعض المواقف الأكثر فوضوية، خصوصاً المرتبطة بعالم الحمام، تبدو أقرب إلى كوميديا مواقف تقليدية، بينما يكون الفيلم أكثر قوة عندما يثق في الصمت والنظرات والعلاقة بين الشخصيتين.وهذه ملاحظة مهمة؛ لأن أفضل ما في الفيلم ليس الحمامة نفسها، وإنما ما تكشفه الحمامة عن الإنسان.** الطريق بوصفه علاجاًموندروتشو لا يتخلى تماماً عن لغته البصرية السابقة.فحتى داخل هذا العالم الأكثر دفئاً، تظهر إشارات إلى اهتمامه بالحيوانات والحرية والأشخاص الذين يجدون أنفسهم خارج المكان الذي يفترض أن يكون وطنهم. وهذه الثيمة كانت حاضرة بقوة في «كلب أبيض»، لكنها هنا تصبح أكثر بساطة وأقل قتامة.حتى الحمامة يمكن قراءتها بوصفها استعارة عن بروك ونيلسون معاً، كلاهما خرج من مكانه، وكلاهما يبحث عن عنوان جديد، وكلاهما لا يعرف إن كان ما ينتظره في نهاية الطريق هو العودة أم بداية أخرى.ومن أجمل اختيارات الفيلم أن الرحلة لا تُعامل باعتبارها انتقالاً جغرافياً فقط، بل باعتبارها حركة داخلية.بروك تبدأ الرحلة وهي تريد إعادة الحمامة إلى صاحبها.لكنها كلما اقتربت من النهاية، تصبح أقل رغبة في التخلي عنها.وهنا ينقلب السؤال.. هل كانت تبحث عن صاحب الحمامة، أم عن شيء تستعيده هي؟.** سينما لا تخجل من الأملقد لا يكون «مكان للوجود» الفيلم الأكثر عمقاً في مسيرة موندروتشو، ولا الأكثر طموحاً بصرياً، كما أنه لا يخفي انتماءه إلى تقاليد أفلام الطريق ذات البنية المألوفة.لكن قوته تأتي من مكان آخر.إنه فيلم يعرف تماماً أنه لا يريد إنقاذ العالم.يريد فقط أن يقول إن الإنسان قد يصل إلى لحظة يعتقد فيها أن كل شيء انتهى، ثم تأتي مصادفة سخيفة، أو حمامة ضالة، أو شخص غريب في قطار، لتفتح باباً لم يكن موجوداً في الخطة.وهذا ما يجعل الفيلم أكثر من مجرد استراحة كوميدية في مسيرة موندروتشو.إنه فيلم عن حق الإنسان في بداية متأخرة.وقد لا تمنح الرحلة بروك حياة جديدة بالمعنى الحرفي، لكنها تمنحها شيئاً أكثر أهمية.. سبباً للنظر إلى اليوم التالي بفضول.في النهاية، لا ينتصر الفيلم لأنه يملك قصة مدهشة أو حبكة مليئة بالمفاجآت، بل لأنه يعرف أين يضع قلبه. ذلك القلب هو إيلين بورستين، التي تحمل الفيلم بخبرة ممثلة عاشت عقوداً أمام الكاميرا، وتمنحه في سن الثالثة والتسعين واحدة من أجمل مفارقاته، أن تكون في نهاية العمر، ومع ذلك تبدو الشخصية وكأنها بدأت للتو في اكتشاف الحياة. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.


