

يان آرتوس-برتراند
حين جعلت الكاميرا الأرضَ ترى نفسها من السماء
حكاية المصور الفرنسي صاحب مشروع «الأرض من فوق» ورسالة الصورة في حماية الكوكب
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: عندما ارتفعت الكاميرا لتكتشف وجه الأرض
هناك صور تُلتقط لكي تحفظ لحظة، وصور تُلتقط لكي تحكي حكاية، وصور قليلة تتجاوز اللحظة والحكاية لتصبح نوعاً من الشهادة على كوكب بأكمله.
من هنا يمكن الدخول إلى عالم المصور الفرنسي يان آرتوس-برتراند (Yann Arthus-Bertrand)، الذي لم يتعامل مع التصوير الجوي بوصفه مجرد تقنية تمنح المصور زاوية نظر مختلفة، بل حوّله إلى مشروع بصري وفكري وبيئي واسع، جعل من الأرض موضوعاً للصورة، ومن الصورة وسيلة لإعادة النظر في علاقتنا بهذا الكوكب.
في مشروعه الأشهر «الأرض من فوق» – La Terre vue du ciel / Earth from Above، لم تعد المدن والأنهار والجبال والغابات والحقول مجرد مناظر طبيعية؛ أصبحت صفحات في كتاب مفتوح، تكشف جمال الطبيعة من جهة، وآثار النشاط البشري عليها من جهة أخرى.
لقد أراد آرتوس-برتراند أن يجعلنا نرى ما اعتدنا ألا نراه لأننا نعيش داخله.
من باريس إلى إفريقيا… البدايات التي صنعت المصور
وُلد يان آرتوس-برتراند في باريس عام 1946. لكن طريقه إلى التصوير لم يبدأ مباشرة من الكاميرا؛ فقد مرّ عبر الطبيعة والحيوانات والسينما والعمل الصحفي.
وفي سبعينيات القرن العشرين، انتقل مع زوجته آن إلى كينيا، حيث عاش في محمية ماساي مارا وكرّس نحو ثلاث سنوات لدراسة سلوك عائلة من الأسود وتصويرها يوماً بعد يوم.
هناك حدث التحول الحقيقي.
لم تعد الكاميرا بالنسبة إليه مجرد وسيلة لتسجيل الحيوان، بل أصبحت أداة لفهمه ومراقبة علاقته بالبيئة والإنسان والمكان.
وكانت إفريقيا بالنسبة إليه مدرسة بصرية مفتوحة، تعلّم فيها الصبر، والمراقبة، والاقتراب من الطبيعة دون إفساد لحظتها.
وفي عام 1981 صدر كتابه الأول «الأسود – Lions»، لتبدأ بعده مسيرة طويلة في التصوير والصحافة والكتب والمشروعات البصرية.
المنطاد… اللحظة التي اكتشف فيها الأرض من السماء
قد تبدو عبارة «الأرض من فوق» اليوم مألوفة في عصر الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والتصوير الرقمي، لكن تجربة آرتوس-برتراند نشأت في زمن كانت فيه الصورة الجوية تتطلب طائرات ومروحيات ومناطيد، وكانت عملية التصوير من السماء أكثر صعوبة وكلفة ومغامرة.
ولتمويل دراساته عن الأسود، أصبح يان قائد منطاد هوائي. وهناك اكتشف شيئاً غيّر مساره الفني إلى الأبد:
الأرض تبدو مختلفة عندما تراها من السماء.
من الأعلى تتغير العلاقات بين الأشياء.
النهر يتحول إلى خط حيّ.
الطريق يصبح شرياناً.
المدينة تتحول إلى نسيج هندسي.
الحقول تصبح لوحات تجريدية.
والإنسان نفسه يظهر باعتباره جزءاً صغيراً من منظومة أكبر.
ومن هذه الرؤية بدأت ملامح المصور الجوي تتشكل.
وتؤكد سيرته الرسمية أن تجربة المنطاد كانت من اللحظات الأساسية التي قادته إلى اكتشاف التصوير الجوي وتطوير اهتمامه به.
«Altitude»… عندما أصبح السماء أرشيفاً
في عام 1991 أسس آرتوس-برتراند وكالة Altitude المتخصصة في التصوير الجوي، وهي خطوة مهمة في تاريخ مشروعه؛ إذ بدأ التصوير من السماء يأخذ عنده طابعاً منظماً يتجاوز الصورة المنفردة نحو بناء أرشيف بصري واسع للأرض.
لكن التحول الأكبر جاء مع مطلع التسعينيات.
كان العالم يعيش مرحلة متزايدة الاهتمام بقضايا البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، وبعد قمة ريو عام 1992 قرر آرتوس-برتراند أن يشرع في مشروع ضخم لرصد حالة الأرض من الجو.
وفي عام 1994 أصبح المشروع مدعوماً برعاية/رعاية مؤسسية من اليونسكو، وهو ما ساعد على تحويل الفكرة إلى مشروع طويل الأمد.
وهنا وُلد المشروع الذي سيحمل لاحقاً اسمه إلى أنحاء العالم:
La Terre vue du ciel – الأرض من فوق.
الأرض من فوق… مشروع يتجاوز جمال الصورة
كان يمكن لمشروع كهذا أن يتحول بسهولة إلى ألبوم للمناظر الجميلة.
لكن آرتوس-برتراند اختار طريقاً آخر.
لقد أراد أن تكون الصورة جميلة ومقلقة في الوقت نفسه.
جمال الأرض يجذب العين، لكن المعلومات المصاحبة للصورة تدفع العقل إلى السؤال:
ماذا يحدث لهذا المكان؟
كيف يعيش سكانه؟
كيف يستغل الإنسان موارده؟
ماذا فعلت الزراعة والصناعة والتعدين والنفط والمدن بالبيئة؟
وأين يقف الإنسان من هذه المنظومة؟
وهكذا أصبحت الصورة الجوية عند آرتوس-برتراند نوعاً من الوثيقة البيئية، لا مجرد مشهد بصري.
فالصورة لا تقول فقط: «انظروا كم أن الأرض جميلة».
بل تقول أيضاً:
«انظروا جيداً… ماذا نفعل بهذه الأرض؟»
الصورة الجوية بين العلم والفن
في أعمال آرتوس-برتراند تلتقي عدة حقول في صورة واحدة:
التصوير، والجغرافيا، والبيئة، والأنثروبولوجيا، والتاريخ، والاقتصاد، والعلوم الطبيعية، والفن.
وهذا ما يمنح مشروعه خصوصيته.
فالمصور لا ينظر إلى الأرض كرسام يبحث عن لوحة جميلة فحسب، ولا كعالم جغرافيا يبحث عن خريطة، ولا كصحفي يبحث عن خبر.
إنه يجمع هذه النظرات كلها في إطار واحد.
ومن هنا يصبح التصوير الجوي عنده نوعاً من الخرائط البصرية للذاكرة الإنسانية والطبيعية.
قلب فوه… عندما تصبح الطبيعة علامة
من أشهر صور المشروع صورة «قلب فوه – Heart of Voh» في كاليدونيا الجديدة.
وعندما كان آرتوس-برتراند يحلق فوق المنطقة عام 1992، لفت نظره شكل طبيعي يشبه القلب، تشكل بين نباتات المانغروف.
لم يكن القلب مصنوعاً بيد الإنسان.
كان من صنع الطبيعة.
ويصف آرتوس-برتراند هذه اللحظة بأنها كانت مفاجأة بصرية عميقة، ثم أصبحت الصورة لاحقاً إحدى العلامات الرمزية الأشهر في مشروعه.
وهنا تكمن قوة الصورة.
فالإنسان هو الذي يبحث دائماً عن الرموز، لكن الطبيعة أحياناً تصنع رمزها بنفسها.
لقد تحول قلب فوه إلى استعارة بصرية:
الأرض لها قلب.
وإذا كان الإنسان يريد الاستمرار فوقها، فعليه أن يتعلم كيف يصغي إلى هذا القلب.
من الجمال إلى المسؤولية
لا تكمن أهمية «الأرض من فوق» في عدد الصور أو الدول التي شملها المشروع فحسب، وإنما في تغيير طريقة النظر.
فمن مستوى العين يرى الإنسان جزءاً محدوداً من المكان.
أما من السماء، فيرى العلاقات.
يرى كيف يلتقي النهر بالزراعة.
والزراعة بالقرية.
والقرية بالمدينة.
والمدينة بالطريق.
والطريق بالصناعة.
والصناعة بالطبيعة.
وفجأة تصبح الأرض نظاماً واحداً.
هذه النظرة الكلية هي التي منحت المشروع بعده البيئي.
الكتاب الذي خرج من السماء
تحول المشروع إلى كتاب مصور يحمل عنوان «La Terre vue du ciel»، وأصبح من أبرز كتب التصوير البيئي وأكثرها انتشاراً.
وتشير السيرة الرسمية للمصور إلى أن الكتاب حقق انتشاراً دولياً واسعاً، ووصلت مبيعاته إلى أكثر من 4.2 مليون نسخة وفق بيانات موقعه الرسمي المنشورة في 2017، مع ترجمته إلى 27 لغة.
وهكذا لم تبق الصور معلقة في السماء.
نزلت إلى الكتب.
ثم إلى المعارض.
ثم إلى الشاشات.
ثم إلى ذاكرة ملايين المشاهدين.
المعرض الذي خرج من قاعات الفن إلى الشارع
ربما كان من أكثر ابتكارات آرتوس-برتراند تأثيراً تحويل المعرض الفوتوغرافي من فضاء مغلق إلى فضاء عام مفتوح.
في عام 2000 أقيم أول معرض خارجي لمشروع «الأرض من فوق» على أسوار حدائق لوكسمبورغ في باريس. وكان المعرض مجانياً ومفتوحاً للجمهور.
ومن باريس بدأت الصور رحلتها العالمية.
مدن وساحات وحدائق وأماكن عامة أصبحت صالات عرض.
وبحسب الأرشيف الرسمي للمشروع، انتقلت المعارض الخارجية لاحقاً إلى أكثر من 170 مدينة وبلدة في القارات المختلفة وشاهدها ملايين الأشخاص.
وهنا حدث انقلاب مهم في مفهوم المعرض:
لم يعد مطلوباً من الجمهور أن يذهب إلى المتحف كي يرى الفن.
الفن ذهب إلى الجمهور.
وأصبحت الأرض نفسها، في معنى رمزي عميق، هي المتحف.
سورية… حين جاءت «الأرض من فوق» إلى بلاد الشام
تحمل تجربة يان آرتوس-برتراند في سورية أهمية خاصة بالنسبة إلى تاريخ التصوير الجوي والبيئي في المنطقة.
ففي تشرين الأول/أكتوبر 2008 نُفذت مرحلة تصوير سورية من السماء ضمن مشروع «الأرض من فوق»، بدعم من الجهات المشاركة في احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008 وبمساهمة من جهات سورية وفرنسية.
ولم تكن سورية بالنسبة إلى عدسته مجرد منظر طبيعي.
لقد كانت بلداً تتجاور فيه طبقات هائلة من التاريخ:
دمشق.
حلب.
تدمر.
الفرات.
معلولا.
طرطوس.
جبلة.
القلاع.
الحقول.
الزيتون.
المدن القديمة.
والآثار التي تختزن ذاكرة آلاف السنين.
وقد ضم أرشيفه السوري صوراً لمواقع كثيرة، من بينها الجامع الأموي في حلب، ومدينة تدمر، ووادي القبور، وقلعة الحصن، ومناطق زراعية على الفرات، وأشجار الزيتون في طرطوس وغيرها.
كما تظهر في أرشيف المشروع صورة موثقة لعملية جني القطن على ضفاف الفرات قرب دير الزور، وصور أخرى لسورية ضمن مجموعة «الأرض من فوق».
حلب ودمشق… ثم حمص
لم تكن التجربة السورية مجرد عملية تصوير عابرة، بل امتدت إلى سلسلة من المعارض.
فوفق الأرشيف الرسمي لمعارض آرتوس-برتراند، أقيم معرض «الأرض من فوق» في:
دمشق: 15 أيار/مايو – 29 آب/أغسطس 2009
ثم في:
حلب – محيط القلعة: من تشرين الأول/أكتوبر 2009 إلى كانون الثاني/يناير 2010
ثم وصل إلى:
حمص: من 11 شباط/فبراير إلى 10 أيار/مايو 2010.
وهكذا دخل المشروع إلى فضاء المدن السورية، لا باعتباره معرضاً فوتوغرافياً تقليدياً داخل صالة، بل باعتباره امتداداً لفكرة آرتوس-برتراند الأساسية:
الصورة في متناول الناس.
وتشير مادة صحفية سورية معاصرة للحدث إلى أن معرض حمص افتُتح في منطقة الدبلان في 10 شباط/فبراير 2010، وضم 16 صورة ملتقطة من سماء سورية إلى جانب نحو 120 صورة من أنحاء العالم.
وهذه المحطة الحمصية تستحق التوقف عندها؛ لأنها تجعل مشروع «الأرض من فوق» جزءاً من الذاكرة الفوتوغرافية والثقافية للمدينة.
سورية في عين المصور الفرنسي
ما يلفت النظر في الصور السورية لآرتوس-برتراند هو ذلك التداخل بين الحضارة والطبيعة والإنسان.
من الأعلى تبدو تدمر مثل أثر مرسوم على صفحة الصحراء.
ويظهر الفرات كخط أزرق يقطع اليابسة.
وتتحول حقول القطن إلى أنماط هندسية.
وتبدو المدن القديمة كنسيج عمراني يحمل طبقات الزمن.
أما حلب، فتظهر في بعض أعماله من خلال تفاصيل معاصرة أيضاً؛ ومن بينها صورة شهيرة لأسطح المدينة التي تغطيها أطباق استقبال الأقمار الصناعية، في مفارقة بصرية بين مدينة تاريخية عريقة وتقنية الاتصالات الحديثة.
إنها صورة تختصر سؤالاً كبيراً:
كيف تدخل الحداثة إلى مدينة تحمل آلاف السنين من الذاكرة؟
حمص… ذاكرة معرض في الهواء الطلق
بالنسبة إلى المتلقي السوري، وخصوصاً في حمص، لم يكن معرض آرتوس-برتراند مجرد عرض لصور عالمية.
لقد كان تجربة مختلفة في رؤية العالم.
صور ضخمة في فضاء المدينة.
صور للأنهار والصحارى والغابات والحقول والجبال والمدن.
وصور لسورية نفسها وهي تُرى من زاوية لا يراها الإنسان عادة إلا من الطائرة.
لقد منحت الصورة الجوية الحمصي والسوري فرصة لأن يرى وطنه من خارج المألوف.
أن يرى سورية لا باعتبارها مجموعة مدن منفصلة، وإنما باعتبارها بنية واحدة من الطبيعة والتاريخ والإنسان.
وهذه، في جوهرها، واحدة من أهم وظائف التصوير:
أن يجعل المألوف غريباً بما يكفي لكي نراه من جديد.
من «الأرض من فوق» إلى السينما
لم يتوقف آرتوس-برتراند عند التصوير الفوتوغرافي.
فبعد نجاح مشروعه الجوي، انتقل بقوة إلى الصورة المتحركة.
وجاء فيلمه الشهير HOME – دارنا عام 2009، وهو عمل سينمائي بيئي اعتمد بصورة أساسية على التصوير الجوي، وجاب عشرات البلدان ليقدم صورة بصرية شاملة عن جمال الأرض والمخاطر التي تواجهها.
ثم واصل إنتاج أعمال تجمع بين الصورة والإنسان والبيئة، من بينها Human وWoman وLegacy، كما أسس عام 2005 مؤسسة GoodPlanet التي ارتبط نشاطها بالتوعية البيئية والتنمية المستدامة.
وبذلك انتقل مشروعه من:
الصورة الثابتة → الكتاب → المعرض → الفيلم → العمل البيئي والتوعوي.
«الصورة ليست زينة… إنها رسالة»
يمكن قراءة تجربة آرتوس-برتراند باعتبارها نموذجاً لمصور تجاوز حدود المهنة التقليدية.
فهو لم يسأل فقط:
كيف أصنع صورة جميلة؟
بل سأل:
ماذا تستطيع الصورة أن تفعل؟
هل تستطيع أن تغير نظرتنا إلى البيئة؟
هل تستطيع أن تجعل الإنسان يشعر بأنه مسؤول عن المكان الذي يعيش فيه؟
هل يمكن للصورة أن تكون وثيقة علمية وجمالية في آن؟
هل تستطيع أن تجمع بين العين والعقل؟
هذه الأسئلة هي التي أعطت تجربته بعداً يتجاوز جماليات التصوير الجوي.
المصور بوصفه شاهداً
في جوهر مشروع آرتوس-برتراند فكرة بسيطة وعميقة:
الأرض موجودة قبل المصور.
المصور لا يصنع جمالها.
إنه يكشفه.
لا يخترع النهر.
ولا يرسم الغابة.
ولا يبني الجبل.
ولا يؤلف الصحراء.
إنما يختار لحظة وزاوية وارتفاعاً وضوءاً، ثم يضع أمام أعيننا مشهداً كان موجوداً قبل أن نراه.
ومن هنا تأتي فلسفة «الأرض من فوق»:
المصور شاهد، والأرض هي العمل الفني الأكبر.
وقد عبّر الموقع الرسمي لعمله عن هذه الرؤية بفكرة أن الأرض هي الفن، وأن المصور ليس إلا شاهداً عليها.
من الهليكوبتر إلى عصر الدرون
من المهم أيضاً وضع تجربة آرتوس-برتراند في سياق تاريخ التصوير الجوي.
فصوره الشهيرة في مشروع «الأرض من فوق» ارتبطت أساساً بالطيران الجوي التقليدي، ولا سيما المروحيات والمناطيد، وليس بتكنولوجيا الدرون التي أصبحت لاحقاً وسيلة واسعة الانتشار.
وهذا يمنح تجربته قيمة تاريخية خاصة.
فقد كان عليه أن يتعامل مع اهتزاز الطيران، والرياح، والارتفاع، والضوء، والوقت، والمسافة، وتكاليف التحليق، والتنسيق مع الطيار، قبل أن تصبح الكاميرا الطائرة جهازاً صغيراً يمكن التحكم به عن بعد.
وفي هذا المعنى يمكن القول إن آرتوس-برتراند ينتمي إلى مرحلة مهمة من تاريخ الصورة الجوية:
مرحلة انتقال العين الفوتوغرافية من الأرض إلى السماء قبل عصر الصورة المسيّرة.
إرث يان آرتوس-برتراند
في عام 2006 انتُخب آرتوس-برتراند، إلى جانب المصور الفرنسي لوسيان كليرغ، من أوائل المصورين الذين انضموا إلى أكاديمية الفنون الجميلة الفرنسية ضمن القسم الجديد المخصص للتصوير.
وفي عام 2009 عُيّن سفيراً للنوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهو تكريم يعكس ارتباط مشروعه الفوتوغرافي بقضايا حماية البيئة والتوعية بها.
وهكذا لم يعد اسمه مرتبطاً فقط بالتصوير الجوي.
لقد أصبح اسمه مرتبطاً بفكرة أوسع:
الصورة بوصفها أداة للوعي البيئي.
ماذا بقي من «الأرض من فوق»؟
بعد أكثر من ثلاثة عقود على بداية المشروع، تغيرت التكنولوجيا.
ظهرت الأقمار الصناعية عالية الدقة.
وانتشرت الطائرات المسيّرة.
وأصبحت الهواتف المحمولة قادرة على تصوير الأرض من زوايا كان الوصول إليها يحتاج في الماضي إلى طائرة ومصور وطاقم كامل.
لكن السؤال الذي طرحه آرتوس-برتراند لم يتغير:
ماذا يحدث عندما ننظر إلى الأرض من خارج موقعنا المعتاد؟
إن القيمة الحقيقية لمشروع «الأرض من فوق» ليست في ارتفاع الكاميرا، وإنما في تغيير زاوية الوعي.
فالصورة الجوية لا ترفع الكاميرا فقط.
إنها ترفع السؤال.
خاتمة: الأرض التي تنظر إلينا
ربما تكمن عظمة تجربة يان آرتوس-برتراند في أنه لم يجعل الإنسان ينظر إلى الأرض من السماء فقط، بل جعلنا نشعر، للحظة، بأن الأرض نفسها تنظر إلينا.
من قلب فوه إلى حقول القطن على الفرات، ومن تدمر إلى حلب، ومن الغابات إلى الصحارى، ومن المدن المكتظة إلى المحيطات، بنى المصور الفرنسي أرشيفاً بصرياً جعل كوكبنا يبدو مرة أخرى مثل كائن حي واحد.
لقد أخذ الكاميرا إلى السماء، لكنه في الحقيقة كان يعيدها إلى الإنسان.
فكل صورة من صوره تحمل سؤالاً خفياً:
ماذا سنفعل بما رأيناه؟
وهنا تتجاوز الصورة حدود الفن لتصبح شهادة وذاكرة ورسالة ومسؤولية.
أما مشروع «الأرض من فوق»، فيبقى واحداً من التجارب التي أثبتت أن التصوير الفوتوغرافي يستطيع أن يفعل أكثر من تجميد الزمن؛ يستطيع أن يغير زاوية النظر إلى العالم.
فحين ننظر إلى الأرض من فوق، نكتشف شيئاً ربما كنا نعرفه دائماً، لكننا لم نره بهذه الوضوح:
أن الأرض واحدة، وأن صورتها أيضاً يمكن أن تكون واحدة، وأن حماية جمالها تبدأ أولاً من أن نتعلم كيف نراها.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


