وظيفة الشعر(اللفظ والمعنى)
لم يكن الشعر في الثقافة العربية تعبيرًا جماليًا خالصًا، بل ارتبط منذ نشأته بسؤال الوظيفة والدور. فقبل أن يظهر مفهوم «الالتزام» بصيغته الحديثة، كان الشعر يؤدي أدوارًا اجتماعية وأخلاقية وسياسية، ويثير جدلًا نقديًا حول علاقته بالفائدة والجمال، وبين المعنى والصنعة. ومن هذا الجدل التاريخي تشكّلت رؤى متعددة لوظيفة الشعر، امتدت من التراث إلى الحداثة، وتحوّلت بتغيّر السياقات الفكرية والواقعية. ولا يهدف هذا المقال إلى ترجيح رؤية أو موقف بعينه، بل عرض مبسط لتلك الرؤى للفائدة العامة.
أولًا: الشعر كوظيفة اجتماعية وسياسيةمثّل الشعر في العصور القديمة وسيلة الإعلام والذاكرة الجماعية، وهو ما جعل الشاعر مرتبطًا بقضايا قبيلته أو دولته ارتباطًا فطريًا. وظهر توصيف «الشعر ديوان العرب» تعبيرًا عن النظر إلى الشعر بوصفه وعاءً للمجتمع، يسجّل الوقائع والأنساب والحِكم، ويُعدّ مصدرًا من مصادر المعرفة.كما كان الشعر لسان القبيلة، وكان الشاعر المدافع السياسي والمنافح عن شرف قومه؛ فقصيدته قد ترفع من شأن جماعة أو تحطّ من قدرها، وهو ما جسّد التزامًا اجتماعيًا متكاملًا بكيان المجتمع. وإلى جانب ذلك، نُظر إلى الشعر بوصفه ذا منفعة أخلاقية، إذ دعا بعض الشعراء – بتأثير لاحق من الفلسفة اليونانية – إلى غاية تربوية خلقية للشعر، تهدف إلى تهذيب النفوس وبناء الإنسان.
ثانيًا: موقف النقاد (بين اللفظ والمعنى)انقسم النقاد في تقييم الشعر وفق جدلية «اللفظ والمعنى»، وهي الصيغة التراثية لجدل «الفن للمتعة» في مقابل «الفن للرسالة». فقد رأى أنصار المعنى ضرورة التزام الشعر بالصدق والفائدة؛ فاهتم نقاد مثل ابن قتيبة والجرجاني (في بعض آرائه) بجودة المعنى وصحته، واعتبروا أن الشعر الذي يخلو من الفائدة أو الحكمة شعرٌ ناقص القيمة.أما أنصار اللفظ، فقد قدّموا الشكل والصنعة الفنية، كما عند قدامة بن جعفر والجاحظ، حيث اعتبروا أن معيار جودة الشعر يكمن في براعة الصياغة والوزن والتشبيه، حتى وإن ضعف المعنى أو أثار إشكالًا أخلاقيًا، إذ نُظر للشعر عندهم على أنه صناعة تهدف إلى الإمتاع الفني أولًا. وقد حاول نقاد آخرون، مثل ابن رشيق القيرواني والجرجاني، الربط بين اللفظ والمعنى لتحقيق نوع من التوازن، مشبّهين اللفظ بالجسد والمعنى بالروح، فلا يكتمل الجمال إلا بتلازمهما.العصر الحديث تحوّل الجدل حول وظيفة الشعر في العصر الحديث إلى صراع فكري أعمق بين مدرستين أساسيتين، ولم يعد الخلاف مجرّد تفضيل فني، بل أصبح انعكاسًا لمواقف سياسية وفلسفية تجاه الواقع.
1. مدرسة الإحياء والبعث (الاتجاه المحافظ)ظهرت هذه المدرسة، بقيادة البارودي وشوقي وحافظ إبراهيم، لتعيد للشعر العربي قوته وجزالته القديمة، دون الاكتفاء بالجانب الجمالي وحده. فقد اعتبرت أن للشعر دورًا وظيفيًا، إذ اعتُبر وسيلة لنهضة الأمة ومواجهة الاستعمار، وتحول إلى التزام وطني وقومي. وصاغ شعراؤها قصائد تحث على الثورة وتناقش قضايا الإصلاح السياسي والاجتماعي، مع الالتزام بالقالب العمودي التقليدي، والتركيز على جعل الشعر مرآة لقضايا المجتمع الكبرى، مع الحفاظ على الأصول اللغوية الرصينة.
2. الحركات التجديدية (سؤال الذات والحرية الفنية)مع مطلع القرن العشرين، ظهرت جماعات أدبية مثل الديوان وأبوللو والرابطة القلمية، رفضت تحويل الشعر إلى مجرد خطابة اجتماعية. فهاجمت مدرسة الديوان، ممثلة بالعقاد وشكري والمازني، شعر المناسبات لدى المحافظين، ورأت أن وظيفة الشعر تكمن في التعبير عن الذات والوجدان والصدق الشعوري، لا في ملاحقة الأحداث السياسية.أما مدرسة أبوللو وشعراء المهجر، فقد ذهبوا أبعد في التحرر الفني، ونادوا – في بعض توجهاتهم – بمبدأ «الفن للفن»، معتبرين القصيدة تجربة إنسانية كونية تهدف إلى كشف خفايا النفس والجمال.
3. الصدام الحداثي (الفن للفن أم الفن للحياة؟)في منتصف القرن العشرين، ولا سيما بعد نكبة عام 1948، بلغ الصراع ذروته. فقد رأى أنصار «الفن للحياة»، ومنهم رواد الشعر الحر، أن الأدب يجب أن يكون أداة للتغيير الثوري، وظهر مفهوم «الالتزام» بمعناه الماركسي والوجودي، حيث اعتُبر الانشغال بالجمال الخالص في زمن الأزمات انفصالًا عن الواقع.في المقابل، رأى أنصار الحداثة الجمالية أن الالتزام المباشر بالقضايا السياسية يقتل روح الشعر ويحوّله إلى دعاية سياسية، ودعوا إلى أن يخدم الشعر المجتمع من خلال الارتقاء باللغة والخيال، لا عبر الشعارات المباشرة.في ضوء هذا العرض، يتضح أن وظيفة الشعر لم تكن مفهومًا ثابتًا عبر العصور، بل تشكّلت تبعًا لتحوّلات المجتمع والفكر والذائقة. فقد تأرجح الشعر بين كونه صوتًا للجماعة وأداة للتعبير عن القيم والقضايا، وبين كونه فعلًا جماليًا حرًّا يسعى إلى الإبداع والمتعة. ولم يكن الخلاف حول وظيفة الشعر صراعًا بين الصواب والخطأ، بقدر ما كان اختلافًا في زوايا النظر إلى دور الفن نفسه. ولعل القيمة الحقيقية للشعر تكمن في قدرته على الجمع، بدرجات متفاوتة، بين الجمال والمعنى، دون أن يُختزل في خطاب مباشر أو يُفصل عن واقعه الإنساني. وسيظل هذا النقاش مفتوحًا ربما، بحكم تغيّر السياقات وتبدّل وجهات
بقلم الشاعر عبد الواسع السقاف


