نبذة عن حياة ابن المقفع ونهايته المرعبة
ابن المقفع (724–759م) هو أحد أعظم كتّاب العصر العباسي وأشهر المترجمين في تاريخ الأدب العربي. اسمه الأصلي روزبه بن دادويه، وُلِد في فارس واعتنق الإسلام لاحقاً. امتلك ثقافة واسعة في الفارسية والسريانية واليونانية، وقدّم للأدب العربي روائع خالدة أهمها كتاب “كليلة ودمنة” الذي ترجمه من الفهلوية وأضاف إليه من حكمه وأسلوبه الرفيع، فأصبح من أعمدة الأدب العالمي.
كان ابن المقفع معروفاً بشجاعته الفكرية وصراحته السياسية، ووقف في كثير من رسائله ومؤلفاته ضد الظلم والاستبداد، مما جعله على خلاف حاد مع بعض حكام عصره.
نهايته القاسية
أخطر ما فعله ابن المقفع أنّه كتب “رسالة الأمان” للخليفة المنصور، وفيها انتقد بجرأة تصرفات بعض الولاة، وخاصة الوالي سفيان بن معاوية. شعر الوالي أن الرسالة تهدده وتفضحه، فحقد على ابن المقفع حقداً شديداً.
وفي النهاية، استدرجه سفيان بحيلة إلى قصره، ثم أمر بقتله بطريقة قاسية تهدف إلى أن تكون عبرة لكل من يجرؤ على انتقاد السلطة. مات ابن المقفع شاباً، لكن صيته الفكري ظل خالدًا، وأصبح رمزاً للشجاعة والكلمة الحرة التي لا تخاف السلطان.
الليلة التي انطفأت فيها الكلمات
لم يكن القصر في ذلك اليوم يشبه أي منشأة بشرية. بدا وكأنه كيان ضخم يتنفس الظلمة، وكل ممر فيه يصرّ على إغلاق نفسه خلف الداخلين إليه، كأن الجدران تريد أن تحبس الأصوات والأسرار إلى الأبد.
في قلب هذا المتاهة الباردة، سُحب ابن المقفع مقيداً، والرجال حوله يمشون بصمت يثير الرعب أكثر من الضجيج نفسه.
كانت يداه معقودتين خلف ظهره، وكتفاه يسقطان من ثقل القيود، لكن وجهه ظل ثابتاً، مزيجاً من التعب والهدوء العميق، كأن الرجل استسلم لشيء لم يُخلق بعد.
سأله أحد الحراس بصوت مرتجف:
“ألا تخاف؟”
لم يجب ابن المقفع.
لم تكن هناك كلمات تكفي لوصف ما يشعر به.
وصلوا إلى الغرفة المعروفة بين الحراس باسم “غرفة النار”.
باب عريض، أسود، محفور عليه أثر أيدٍ كثيرة عَبَرَت من هنا ولم تخرج بعدها أبداً.
عندما فتح الباب، خرج منه نفسٌ حار، مختلط برائحة شيء محروق لا يشبه الخشب… ولا يشبه أي مادة يودّ الإنسان التفكير فيها.
في الداخل، كانت النار تضيء المكان بضوء منخفض، يرقص على الجدران كأن الظلال نفسها تتلوى من الألم.
رفع سفيان بن معاوية رأسه عندما دخل ابن المقفع.
ابتسم ابتسامة بطيئة، طويلة، ابتسامة رجل وجد أخيراً فرصة للانتقام من ظلّ كان يطارده في كتبه ورسائله.
قال بصوت هادئ، لا يشبه أصوات البشر:
“أتعرف لماذا أنت هنا؟”
رفع ابن المقفع نظره إليه، وعلى الرغم من هزاله، كان في عينيه شيء من نور لا يعرف الخوف.
“لأنك تخاف ممّا أكتب… لا ممّا أفعل.”
ارتجف أحد الحراس.
لكن سفيان لم يرتجف.
بل اقترب منه، ورفع وجهه بأطراف أصابعه كأنه يمسك بكلماتٍ لا بجسد.
“كلماتك؟”
ضحك ضحكة قصيرة.
“سنرى إن كانت تحميك حين يبدأ الجسد بالتفكك.”
ثم أعطى الإشارة.
عُلّق ابن المقفع من يديه في منتصف الغرفة.
كانت السلاسل تصدر صريراً طويلاً، أشبه بأنينٍ يخفي أنيناً آخر.
وفي تحت قدميه، كانت النار تشتعل، تزداد قوة كلما اقتربت منه.
بدأ الرجال عملهم ببطء مرعب، كأن الهدف ليس قتله، بل انتزاع روحه وهو واعٍ بكل لحظة.
كان يسمعهم…
يسمع حفيف الأدوات…
يصغي إلى النار وهي تهمس في الأرض:
“اقترب… اقترب… اقترب.”
لم يكن الألم وحده ما يغرس أنيابه فيه، بل الخوف من أن يرى جسده وهو يتفكك أمام عينيه…
أجزاء منه تُقتلع وتُرمى في النار، وكأنه يشاهد نفسه يُمحى قطعة بعد قطعة.
كلما سمع صوت سقوط شيء في اللهب، كان قلبه يضرب صدره كطبول حرب.
هو يعرف ما الذي سقط…
يعرفه جيداً.
لكن صوته لم يخرج إلا همساً متقطّعاً، وصدى أنفاسه كان يرتدّ على الجدران كصفير روحٍ تُنتزع من جذورها.
في لحظةٍ ما…
رفع رأسه، بصعوبة تكاد تكون معجزة.
كانت عيناه نصف مغلقتين، لكنهما تحملان نوراً مخيفاً… نور رجل يرى ما وراء الألم، يرى معنى آخر للموت لا يستطيع جلادوه فهمه.
نظر إلى سفيان وقال:
“لن تتذكر جسدي… ستتذكر خزيك.”
لم يقل سفيان شيئاً.
لكن وجهه تغيّر، وارتعشت يده للحظة قصيرة جداً… قصيرة لدرجة لا يلاحظها سوى رجل على حافة الموت.
واستمر كل شيء.
بعد ساعات، عندما خفتت النار، وعمّ صمت أسود في الغرفة، بقي ابن المقفع معلقاً، جسده لم يعد جسداً، وصوته لم يعد صوتاً.
لكن شيئاً واحداً ظلّ واضحاً:
عيناه…
مفتوحتان…
تحدّقان في مكان ما فوق رؤوس الجميع…
كأنها تقول إن الكلمة التي حملها طوال حياته لم تمت، وإن الجسد ليس أكثر من صدفة تُحرق، لكن الفكر… يخرج من بين اللهب أكثر حدّة.
خرج الحراس واحداً واحداً، بوجوه شاحبة، وبعضهم أقسم أنه سمع في الجدران همساً يشبه صوت ابن المقفع يردد جملته الأخيرة.
أما سفيان…
فقيل إنه لم ينم نومًا هادئاً بعدها، وأن كلما أغمض عينيه سمع صوت شيء يُرمى في النار…
ثم صوتاً آخر…
ثم آخر…
حتى ظن أن النار انتقلت من الغرفة… إلى داخله.


