نشأت وتطور الأسلوبية كنقد لساني

الأسلوبية: النشأة والتطور

أولاً: تمهيد في مفهوم الأسلوبيةالأسلوبية (Stylistics) حقلٌ نقدي ولساني يدرس الخصائص التعبيرية للنصوص، ويحلل كيفية تشكّل الأسلوب بوصفه اختيارًا وانتقاءً من الإمكانات اللغوية المتاحة داخل النسق. فهي تشتغل عند تقاطع اللسانيات والنقد الأدبي، وتنتقل من السؤال: ماذا يقول النص؟ إلى السؤال: كيف يقوله؟.وقد ارتبط مفهوم الأسلوب قديمًا بالبلاغة، لكنه في القرن العشرين اكتسب بعدًا علميًا بفضل تطور اللسانيات البنيوية.

ثانياً: الجذور والنشأة

1. الجذور البلاغية الكلاسيكية

تعود البدايات الأولى إلى البلاغة اليونانية عند أرسطو في كتاب الخطابة، حيث جرى الاهتمام بوسائل التأثير والإقناع، ثم تطورت البلاغة في التراث العربي مع عبد القاهر الجرجاني في نظريته في النظم، التي ركزت على العلاقات التركيبية وأثرها في المعنى.

غير أن هذه المقاربات ظلت معيارية تقويمية أكثر من كونها وصفية تحليلية.

2. الأسلوبية التعبيرية (بدايات القرن العشرين)

تُعد أعمال اللساني السويسري شارل بالي، تلميذ فرديناند دي سوسير، الانطلاقة الفعلية للأسلوبية الحديثة.

ركز بالي على البعد الانفعالي في اللغة، ورأى أن الأسلوب يكشف عن القيم الشعورية والاجتماعية للمتكلم، فأسس لما يسمى الأسلوبية التعبيرية.

3. الأسلوبية البنيوية

مع تطور البنيوية في أوروبا، خاصة مع مدرسة براغ، أصبح الأسلوب يُفهم بوصفه انزياحًا عن المعيار اللغوي. ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه رومان ياكبسون الذي ربط الأسلوب بالوظيفة الشعرية للغة، وعدّ الأدبية خاصية ناتجة عن تنظيم خاص للرسالة اللغوية.

وفي السياق نفسه، أسهم ميخائيل باختين في توسيع أفق الأسلوبية من خلال مفهوم الحوارية وتعدد الأصوات.

ثالثاً: تطور الأسلوبية في النصف الثاني من القرن العشرين1

. الأسلوبية الإحصائية

مع تطور المناهج الكمية، ظهرت الأسلوبية الإحصائية التي تعتمد على حساب التكرارات المعجمية والتركيبية للكشف عن السمات الأسلوبية للنصوص.

2. الأسلوبية التوليدية

تأثرت بالنحو التوليدي عند نعوم تشومسكي، فحاولت تفسير الخصائص الأسلوبية انطلاقًا من البنية العميقة والتحويلات التركيبية، معتبرة أن الاختلاف الأسلوبي ناتج عن اختيارات تحويلية.

3. الأسلوبية التداولية

مع بروز التداوليات، خاصة بعد نظرية الأفعال الكلامية عند جون أوستن، أصبح تحليل الأسلوب مرتبطًا بالسياق، والقصد، والمقام التخاطبي، لا بالبنية الشكلية فقط.

4. الأسلوبية النصية

تأثرت بلسانيات النص وتحليل الخطاب، فانتقلت من دراسة الجملة إلى دراسة الترابط النصي والانسجام والدلالات الكلية.

رابعاً: الأسلوبية في النقد العربي الحديثفي النقد العربي المعاصر، استفاد الدارسون من المناهج الغربية وطبقوها على النصوص العربية، مع محاولات للمزاوجة بين التراث البلاغي واللسانيات الحديثة. وقد سعت بعض الدراسات إلى إعادة قراءة البلاغة العربية قراءة أسلوبية علمية.

خامساً: خلاصة تطورية

يمكن تلخيص تطور الأسلوبية في ثلاث مراحل كبرى:

1. مرحلة بلاغية معيارية: تهتم بجمالية التعبير.

2. مرحلة لسانية بنيوية: تدرس الانزياح والتنظيم الشكلي.

3. مرحلة تداولية نصية: تربط الأسلوب بالسياق والوظيفة والتأويل.

وهكذا انتقلت الأسلوبية من كونها دراسة للزينة البلاغية إلى كونها علمًا يدرس آليات إنتاج المعنى وجماليته داخل البنية اللغوية والسياق الثقافي.

المصدر: صفحة اللسانيات واللغة العربية، مدارس ومناهج

أخر المقالات

منكم وإليكم