مقدمة: تُعَدُّ نشأةُ النحو العربي من أهمّ المحطات في تاريخ الفكر اللغوي عند العرب، إذ ارتبطت بالحاجة إلى صون اللسان العربي من اللحن، وحفظ نصوص الوحي والشعر من التحريف. وقد تضافرت عوامل دينية وسياسية وثقافية في تأسيس هذا العلم، حتى غدا نسقًا علميًا متكاملًا.
ولًا: الدوافع التاريخية لنشأة النحو
1. اتساع الفتوحات الإسلاميةبعد انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية، دخل في الإسلام أقوام غير عرب، فاختلطت الألسنة، وظهر اللحن في الكلام، حتى في قراءة القرآن الكريم.
2. الخوف على القرآن الكريمكان القرآن العامل الأبرز في نشأة النحو، إذ استدعى ضبط أواخر الكلمات، وتمييز المعاني بالإعراب، حفاظًا على سلامة النص.
3. الحاجة إلى تقعيد العربيةمع ازدهار الحركة العلمية في مدن مثل البصرة والكوفة، ظهرت الحاجة إلى قواعد تضبط الاستعمال اللغوي وتؤسس لعلم منظم.
ثانيًا: البدايات الأولىتجمع المصادر التراثية على أن أول من وضع أصول النحو هو:أبو الأسود الدؤلي ويُنسب إليه وضع اللبنات الأولى للنحو، بأمر من علي بن أبي طالب، حين لاحظ انتشار اللحن. فوضع قواعد أولية تتعلق بالكلام وأقسامه (اسم، فعل، حرف)، وضبط أواخر الكلمات.وقد كانت هذه المرحلة مرحلة تقعيد أولي يهدف إلى الحماية أكثر من التحليل النظري العميق
ثالثًا: مرحلة النضج والتأصيلبلغ النحو العربي ذروته العلمية في القرن الثاني والثالث الهجريين، خاصة في مدرستي:
1. مدرسة البصرةمن أعلامها:الخليل بن أحمد الفراهيدي: واضع علم العروض وصاحب منهج دقيق في القياس.سيبويه: صاحب كتاب الكتاب، الذي يُعدّ أول موسوعة نحوية متكاملة.امتازت هذه المدرسة بالاعتماد على القياس، والاستشهاد بالقرآن والشعر الجاهلي.
2. مدرسة الكوفةمن أعلامها:الكسائي ،الفراء وقد عُرفت هذه المدرسة بسعة الرواية، والاهتمام بالسماع من القبائل المختلفة، والتوسع في قبول الشواهد.
رابعًا: خصائص النحو العربي في نشأتهالارتباط الوثيق بالقرآن الكريم.الاعتماد على السماع من العرب الفصحاء.المزج بين الوصف والتقعيد المعياري.توظيف المنطق في بناء القواعد (خاصة في المراحل اللاحقة).
خامسًا: تطور النحو بعد مرحلة التأسيسفي القرون اللاحقة، تطور النحو نحو مزيد من التفريع والتعقيد، وظهر اتجاهان:اتجاه تعليمي تبسيطي.اتجاه فلسفي منطقي (كما عند المتأخرين).
خاتمة إن نشأة النحو العربي لم تكن حدثًا فجائيًا، بل كانت استجابة حضارية لحاجة ملحّة، فرضها انتشار الإسلام واختلاط الألسنة. وقد استطاع علماء العربية أن يؤسسوا علمًا راسخًا سبق كثيرًا من النظريات اللغوية الحديثة في دقته ومنهجيته.
…….
المصدر : صفحة عن اللسانيات واللغة العربية، مدارس ومناهج


