نزع القداسة عن الكتب المقدّسة …نبدأ بالإنسان، لا ازدراءً له بل اعترافًا به.نبدأ باليد التي كتبت، بالعين التي قرأت، بالعقل الذي رتّب المعنى قبل أن يعلّقه في السماء.نقول إنّ كل نصٍّ وُلد في اللغة، واللغة لم تهبط من المطلق، بل نبتت في الحلق، وتعثّرت في الخوف، وتشكّلت تحت ضغط الحاجة والسلطة والنجاة.نُزيح الهالة أولًا.نسأل قبل أن نؤمن، ونفكّك قبل أن نركع.نقول إنّ القداسة لا تُسكب حبرًا، ولا تُجلّد ورقًا، ولا تُحفظ في فصول مرقّمة.فاللغة تفعل ما تجيده: تُشير، تُلمّح، تُقارب لكنها لا تُمسك.والمطلق، إن وُجد، ينفلت من الجملة كما ينفلت الضوء من القبضة.نُعرّي الفكرة حين ندرك أنّ النصّ لا يتكلّم وحده.يتكلّم معه زمنه، وصراعاته، وأعرافه، وخوف الجماعة من الفوضى.يُعيد الإنسان كتابة المعنى وهو يظنّ أنّه ينقله، ويُقنّع صوته بصوت السماء، ثم ينسى القناع ويقدّس الوجه.نزع القداسة لا يعني الهدم، بل يعني الإرجاع.نُرجع النص إلى شرطه الإنساني، ونُعيد المعنى إلى قابليته للخطأ، ونفتح باب التأويل بعدما أُغلق بالسلاسل.فالنصّ الذي يُمنع من السؤال يتحوّل إلى سلاح، والكتاب الذي يُعفى من النقد يتحوّل إلى محكمة.هنا يبدأ التمرّد: حين نرفض أن يكون الورق إلهًا، وحين نُصرّ على أنّ الإيمان فعلٌ حرّ لا إملاء لغوي، وحين نفهم أنّ قداسة الفكرة لا تُقاس بصمت العقول أمامها، بل بقدرتها على احتمال السؤال دون أن تطلب الدم.يصبح النص سلطة، وتتسلّل اليد من الهامش إلى العنق.فما إن يُعلن الكتاب مقدّسًا، حتى يُطالَب الإنسان بالصمت، وما إن يُحصَّن المعنى، حتى يُجرَّم السؤال.نقولها بلا مواربة: لم تُقدَّس الكتب خوفًا عليها، بل خوفًا منها.خوفًا من أن تُقرأ خارج القطيع، خوفًا من أن تُفهم بلا وسيط، خوفًا من أن يكتشف الإنسان أنّ المعنى لا يعيش إلا بالحركة، وأن النصّ الذي لا يُراجَع يتعفّن.لا تحمي القداسة هنا الإيمان، بل تحمي السلطة التي اختبأت خلفه.تُقفل أبواب التأويل، تُجمِّد اللغة في لحظة تاريخية، وتحوّل المجاز إلى قانون، والسؤال إلى جريمة، والاختلاف إلى خيانة.نتمرّد حين نفهم أنّ النصّ لا يُنتج الطاعة إلا حين يُعزل عن العقل.وحين نرى كيف يُختزل المطلق في أوامر، وكيف يُختصر الوجود في حلال وحرام، وكيف تُستبدل الأخلاق الحيّة بنصوص ميتة تُدار كالمقاصل.إن نزع القداسة فعل تحرير.نحرّر النص من ادّعاء الكمال، ونحرّر الإنسان من وهم العصمة، ونعيد العلاقة إلى حجمها الطبيعي: إنسان يقرأ، لا عبد يتلقّى. عقل يفهم، لا فم يردّد.وحين نسأل: من قال إنّ المعنى نهائي؟نكون قد فتحنا الشقّ الأول في جدار الخوف.وحين نصرّ على أنّ كل قراءة هي احتمال، نكون قد سحبنا السلاح من يد النص، وأعدناه إلى وظيفته الأولى: أن يكون مجالًا للفهم، لا أداة للإخضاع.لا يكفر التمرّد الحقيقي، بل يرفض أن يُدار باسم السماء.لا يحرق الكتب، بل يحرق الأقفال التي وُضعت على العقول.ولا يهدم الإيمان، بل يطالب بأن يكون حرًّا، نقيًّا، غير مسلّح.يخاف الإنسان حريته أكثر مما يخاف سجنه.فليست القداسة سوى وعدٍ بالأمان، ولا الطاعة سوى مقايضة خفيّة: تخلَّ عن السؤال، نمنحك الطمأنينة. اصمت، نُنقذك من القلق.هكذا تُصنع القداسة: كضمادٍ نفسيٍّ لجراح الوجود، وكجدارٍ يُقام في وجه الفراغ.يُقال للإنسان: لا تفكّر كثيرًا، فالتفكير يُتعب، والشكّ يُدوّخ، والحرية عبء لا يحتمله الجميع.نتمرّد حين نكشف هذا الوهم.نقول إن الطمأنينة المصنوعة من نصٍّ معصوم ليست طمأنينة، بل تخديرٌ طويل الأمد.فالإنسان لا يهدأ حين يتوقّف عن السؤال، بل حين يتعلّم العيش معه.لا يترك نزع القداسة الإنسان عاريًا، بل يُعيد إليه مسؤوليته.لم يعد في وسعه أن يختبئ خلف جملة، أو أن يعلّق أخطاءه على كتاب، أو أن يستعير صوتًا أعلى ليُسكت ضميره.هنا يبدأ الرعب وهنا تبدأ الأخلاق.حين تسقط العصمة عن النص، ينهض الضمير.وحين يُنزَع المطلق من الصفحة، يُلقى على عاتق الإنسان.لا يعود الشرّ مبرَّرًا، ولا العنف مؤوَّلًا، ولا القسوة واجبًا مقدّسًا.كل شيء يُسأل، وكل فعل يُحاسَب.لا تُخيف الكتب المقدّسة حين تُقرأ، بل حين تُغلَق.ولا تُدمّر حين تُفكَّك، بل حين تُسلَّم للجهلة والمتسلّطين.فليس الخطر في أن يفهم الناس النصوص، بل في أن يُمنَعوا من فهمها.هنا يكتمل التمرّد: حين نختار القلق بدل اليقين الزائف، والمسؤولية بدل الطاعة العمياء، والسؤال بدل الركوع للنص.حين نقول إنّ المعنى لا يسكن الكتب، بل يولد بين الكتاب والقارئ، في تلك المسافة الخطرة التي اسمها: الحرية.لم يُخلق الإنسان ليكون هامشًا في كتاب، ولا ليعيش عمره شارحًا لجملة، ولا ليُختصر مصيره في تفسيرٍ واحدٍ أُغلق عليه إلى الأبد.حين ننزع القداسة عن الكتب، لا نُسقِط السماء، بل نمنعها من أن تُستعمل عصًا.نمنع تحويل الغيب إلى شرطة، والإيمان إلى هوية قاتلة، والنص إلى حدودٍ بين البشر.نكتشف عندها أنّ الأخلاق لم تولد في الورق، بل في الألم المشترك، وفي القدرة على رؤية الآخر إنسانًا لا حالةً عقديّة.نكتشف أنّ الرحمة لا تحتاج إلى فصلٍ يُشرعنها، وأن العدل لا ينتظر آية ليُمارَس.يصبح الكتاب، أيّ كتاب، أخطر ما يكون حين يُنزَع منه طابعه الإنساني ويُرفَع فوق المساءلة.هناك يبدأ القتل باسم الطاعة، والقمع باسم الحق، والصمت باسم النجاة.نتمرّد لأنّنا نرفض أن يُختَصر الله في لغة، وأن يُختَصر المعنى في تأويل، وأن يُختَصر الإنسان في تابع.نتمرّد لأنّ السؤال أقدس من الإجابة الجاهزة، ولأنّ الشكّ الصادق أنبل من يقينٍ مُعلَّب.وفي اللحظة التي نعترف فيها أنّ الكتب لا تُقدَّس، بل تُقرأ، تُفهم، تُناقَش، تُخطِئ وتُصيب نكون قد استعدنا إنسانيتنا كاملة.هنا، فقط هنا، يتحرّر الإيمان من العنف، ويتحرّر النص من الدم، ويتحرّر الإنسان من الخوف.ليس نزع القداسة نهاية الطريق، بل بدايته.بداية أن يكون الإنسان مسؤولًا، حرًّا، واقفًا على قدميه لا راكعًا أمام الورق.# منير عكاشة Mounir Akacha #مجلة ايليت فوتو ارت..


