نحتُ الجوهرِ وإيقاعُ البرونز .. قراءةٌ في منحوتات الفنان الفرنسي إتيان

فيء ناصر

قاعات وغالريهات الفن في لندن ليست دائما بحاجة إلى تخطيط أو موعدٍ مسبق كي تُفصح عن أسرارها؛ ففي إحدى جولات المشي العابرة وسط العاصمة اللندنية، وتحديدا عند الانعطاف نحو شارع بوند ستريت العريق، قادتني المصادفةُ المحضة أثناء المرور في الشارع إلى الدخول لصالون (غاليري بارتو، (Galerie Bartoux).. هناك وسط ضوء الصالة الهادئ، تستوقف الزائر تكويناتٌ برونزيةٌ ذات حضورٍ سحري غريب، تنبثق منها خطوطٌ واثقة تختزل الجسد البشري وتجرّده من التفاصيل الزائدة لتصل به إلى كينونته الخالصة. كانت تلك الكتَل المعدنية التي تنبض بالحياة والدفء هي التوقيع الفني للنحّات الفرنسي جان- إتيان بيرو، الشهير بإتيان (Étienne) . ينتمي إتيان إلى نخبة من الفنانين المعاصرين الذين لم يُفرّغوا النحت من شحنته الإنسانية الوجدانية، ولم يضحّوا بالوقت نفسه بلغة الشكل ورصانة البناء المعماري، حيث ظل طوال مسيرته متمسكا بالبرونز كمادة أثيرية يعيد عبرها التعبير عن لحظات اللقاء، والأمومة، والإيمان، والحوار الإنساني الممتد.

ولد إتيان في مدينة غرونوبل المحاطة بسلاسل جبال الألب الفرنسية، ونشأ في بيئة تشكيلية مبكرة كابن للفنان الفرنسي آرشاباس (Arcabas)، ما صقل ذائقته البصرية قبل أن يتعمق في دراسة الفنون التشكيلية في مدينة مارسيليا ثم في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس. تتكئ المعمارية الشكلية في منحوتاته على معادلة فنية دقيقة تجمع بين التجسيد والتجريد الإيحائي؛ إذ لا ينشغل الفنان بالنقل التوضيحي للشكل البشري، بل يعمد إلى اقتطاع الموضوع وتنقيته وشطره حتى يبلغ جوهره الصافي في نظرة، أو انحناءة كتف أو حركة يد. وتلعب المادة عنده دورا حواريا مزدوجا، حيث يزاوج في القطعة الواحدة بين الخشونة المعتقة للطلاء (الباتينا؛ وهي الطبقة السطحية المتكونة على المعادن خصوصا البرونز والنحاس، نتيجة تفاعل خامات المعدن مع العوامل الكيميائية والجوية عبر الزمن، أو من خلال معالجات فنية مقصودة في المحترف) بألوانه الداكنة، وبين المساحات الصقيلة الملساء التي تعكس الضوء كالمرآة، ليُشرِك الفراغ والضوء كعنصرين أساسيين في تكوين المجسّم النحتي.

محاورة البرونز في ساحات المدن

تتجاوز تجربة إتيان حدود الصالات المغلقة والاقتناء الخاص، لتقتحم الفضاء العام وتتحاور مع البيئة والنسيج العمراني اليومي لعدة مدن حول العالم. وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح في منحوتته الشهيرة «الحوار» (La Conversación) المنصوبة في ساحة سان فرانسيسكو في قلب هافانا القديمة في كوبا، حيث تُجسد المنحوتة شكلين برونزيين متقابلين ينبثقان من كتلة واحدة في تواصل صامت، وقد تعمّد الفنان وضعها مباشرة على أرضية الساحة، من دون قاعدة مرتفعة، ليتداخل المشاة يوميا مع حيز العمل النحتي. ويمتد هذا الحضور إلى العديد من الساحات والمنشآت والمؤسسات في فرنسا، مثل أعماله التذكارية للشخصيات الأدبية في (مونتيني- لو- بريتونو) وهي مدينة تقع في منطقة إيل دو فرانس قرب باريس، أنجز فيها إتيان منحوتة برونزية تكريمية للكاتب والشاعر الفرنسي بول كلوديل عام 1996. وكذلك في مدن فرنسية اخرى مثل (روي- مالميزون) التي تضم إحدى ساحاتها منحوتة نصبية ضخمة من البرونز لإتيان تحمل اسم (أوروبا) والتي يبلغ ارتفاعها نحو 7.5 أمتار، وتم نصبها عام 1994 وصمم لصالح أحد مؤسسات مدينة (شالون سور سون) التعليمية مجسما برونزيا للمصور الفرنسي الشهير روبير دوانو عام 2003، إلى جانب أعماله النحتية في الفضاءات الدينية، فضلا عن انتشار أعماله في مجموعات وصالات عرض كبرى في بلجيكا وهولندا والولايات المتحدة والصين.

تفرز منحوتات إتيان نمطا سيكولوجيا خاصا في تعاطي الجمهور معها (وهذا ما يستند إلى تجربة شخصية)؛ فالسطح البرونزي المتباين بين الخشن والمصقول يغوي كف المتلقي بلمس العمل واستكشاف ملمسه، حتى أضحت الأجزاء المصقولة في مجسماته النصبية تزداد بريقا وتألقا من كثرة أيدي المارين التي تطالها عبر السنين، مما يحول الجمهور من مجرد مشاهدين محايدين إلى مشاركين في ديمومة القطعة الفنية. لقد نجح إتيان في تقديم طروحات حميمية كالحب والصداقة والسكينة في مقاييس نصبية، من دون أن تفقد رقتها أو تتحول إلى مجرد كتل صماء، متخذا من مبدئه الأثير، وهو بيت شعر للشاعر الإنكليزي جون كيتس، بأن «كل هنة من جمال هي فرحٌ أبدي» بوصلة تُخلّد اللحظة الإنسانية في سكون البرونز.

حلم الشوارع العربية وغياب الإزميل الأخير

وأمام هذا الانغماس الحسي في لغة البرونز وفلسفة الفضاء المفتوح، يتملكُ الناظرَ خاطرٌ يفيض بالأمنيات؛ ماذا لو أن أحد هذه التكوينات النحتية الباذخة حظي بمكانٍ له في ساحات بغداد العريقة، أو في الميادين العامة لمدننا العربية التي تملك شغفا فطريا بالفن والجمال. إن زرع أعمالٍ تتنفس بهذه الروحية التجريدية الحميمية وسط الفضاء العربي، سيخلق حيزا بصريا وثقافيا بديعا يتصل مباشرة بالناس في حياتهم اليومية، ويمنح المشاة والعابرين فرصة التماس اللمسي والوجداني مع الكتلة وانعكاسات الضوء عليها، لتتحول الساحات العامة إلى مدنٍ مفتوحة للتذوق الجمالي والتأمل التلقائي.

ومع رحيل إتيان عام 2025، أُسدِل الستارُ على تجربةٍ نحتيةٍ كانت شائقة وممتدة، ليتوقف الإزميل الذي روّض البرونز لعقود في محترفه الأخير في مدينة (سان مارتن دي ري). غير أن غياب الجسد لم يزد أعماله إلا ثباتا وحضورا؛ إذ تحوّلت تلك الإبداعات المنتشرة في معارض بوند ستريت في لندن، إلى ساحات هافانا وفرنسا، إلى شواهد حيّة على رؤية فنانٍ غادر العالم وترك كتله المعدنية تتنفس نيابة عنه. تتنافس الأوساط التشكيلية اليوم لاستعادة تجربة إتيان بوصفها إرثا إنسانيا بصريا، حيث تظل تلك المنحوتات الباقية في الفضاءات المغلقة والمفتوحة تعيد صياغة الموت والغياب، لتؤكد أن الروح التي سُكبت في ثنايا الباتينا والبرونز المصقول ستبقى حية تخاطب عابري السبيل وشغوفي الفن إلى الأبد.

كاتبة عراقية

******
المصادر
القدس العربي
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم