من الذاكرة السومرية الى الجسد المعاصر ،جزء ١

تحت المجهر 6الجزء الأول من الذاكرة السومرية إلى الجسد المعاصر… وسؤال المؤسسة الثقافيةفي عام 2024 وبمناسبة مشاركتي في مهرجان الواسطي الخامس عشر في بغداد أنجزت عملين يبدوان مختلفين من حيث الشكل لكنهما ينطلقان من سؤال فلسفي واحد كيف يمكن للفن أن يقيم جسرا بين الذاكرة والحاضر بين ما شيدته الحضارات وما يعيشه الإنسان اليوم؟العمل الأول وهو واحد من ستة أعمال أنجزتها لاحقا بعد عودتي إلى مدريد نفذ بتقنيات مختلطة على ورق Michael بوزن 260 غم بقياس 103 × 66 سم بينما تبلغ مساحة الرسم 87 × 57 سم. لا يستحضر هذا العمل الحضارة السومرية بوصفها ماضيا أثريا بل بوصفها زمنا ما زال فاعلا في وعينا الجمعي. كما يمثل هذا العمل البذرة الأولى لمشروعي الفني الحالي الذي أسعى من خلاله إلى إعادة تأويل حضارات وادي الرافدين وموروثها الأسطوري والفلسفي بوصفهما ذاكرة إنسانية مستمرة لا تنتمي إلى الماضي وحده وإنما تمتدان إلى الحاضر إذ يعالجان الأسئلة المؤسسة للوجود الإنساني الخلق, والموت, والخلود, والصراع, والبحث عن المعنى.ومن هذا المنطلق قسمت العمل إلى ثلاثة مستويات لكل منها وظيفة فلسفية تتكامل مع الأخرى.في المستوى العلوي تظهر أطلال الزقورة السومرية تعلوها ثلاثة أجنة شفافة. قد تبدو المفارقة غريبة لكن الأجنة هنا لا ترمز إلى الولادة البيولوجية بل إلى إمكان الولادة الحضارية. فالخراب لا يمثل النهاية وإنما الأرض التي تبدأ منها دورة جديدة للحياة. إن الماضي في هذا التصور ليس زمنا منقضيا بل جنينا ينتظر أن يولد من جديد داخل وعينا. وهذا ما شهدته أرض وادي الرافدين عبر تاريخها فبعد الحضارة السومرية توالت ولادات حضارية متعاقبة من الأكدية والبابلية والآشورية وصولا إلى الحضارة الإسلامية في العصر العباسي، التي أعادت للعراق دوره بوصفه أحد أهم مراكز المعرفة الإنسانية.أما المستوى الأوسط المؤلف من جذوع أشجار عارية فيحيل إلى فلسفة الخريف أكثر مما يحيل إلى الموت. فالخريف ليس نهاية الحياة بل المرحلة التي تتخلى فيها الأشجار عن أوراقها لتعيد ترتيب علاقتها مع الزمن استعدادا لولادة جديدة في الربيع. إن فقدان الأوراق ليس خسارة بل شرط من شروط التجدد. ولهذا لا تمثل هذه الأشجار غابة ميتة وإنما حضارة دخلت خريفها محتفظة بجذورها العميقة رغم انحسار مظاهر ازدهارها. إنها استعارة لدورات التاريخ نفسها حيث لا يكون الأفول سوى مرحلة انتقالية تسبق انبثاق دورة حضارية أخرى.وفي المستوى السفلي يظهر المخطط الهندسي الكامل للزقورة لكنه مقلوب فوق أوراق رسم الخرائط. ولم يكن قلب الزقورة قرارا شكليا بل محاولة لإعادة مساءلة يقيننا بالتاريخ. فالزقورة التي كانت تمثل الصعود نحو السماء تبدو هنا وكأنها فقدت مركز ثقلها لتصبح معلقة بين الأرض والفراغ. أما أوراق الخرائط فتحيل إلى فعل التوثيق والقياس وكأن الحضارة تحولت من واقع حي إلى موضوع للأرشفة والدراسة. وتتوزع لطخات اللون الأحمر لتذكرنا بأن كل حضارة مهما بلغت من المجد لم تكتب تاريخها بالمعرفة وحدها بل حملت أيضا آثار الألم والصراع والتضحية.أما العمل الثاني الذي أنجزته خلال السيمبوزيوم المصاحب للمهرجان بألوان الأكريليك على قماش بقياس 100 × 100 سم فقد تخليت عن المرجعية التاريخية المباشرة لينتقل إلى الإنسان بوصفه مركز التجربة الوجودية.يتوسط اللوحة جسد ممدد تغمره طبقات الأحمر الداكن المنهمرة من أعلى ثم تواصل انسيابها إلى أسفل. غير أن هذا الأحمر لا يمثل الدم بمعناه التشخيصي بل الزمن وقد تحول إلى مادة بصرية. فالإنسان هنا لا ينزف من جرح بعينه وإنما يغمره تاريخ طويل من العنف حتى يغدو الجسد ذاته حاملا لذاكرة الألم. إنه ليس جسد ضحية بعينها بل جسد الإنسانية عندما تتحول إلى سجل مفتوح للخسارات.في هذا العمل لم أكن أرسم الموت بل كنت أرسم اللحظة التي يفقد فيها الألم خصوصيته الفردية ليصبح حالة إنسانية عامة ويتحول اللون إلى شاهد أكثر بلاغة من أي وصف.بعد انتهاء المهرجان أهديت العمل الأول إلى دائرة الفنون بحضور مديرها العام انذاك الأستاذ علي عويد وبحضور عدد من الفنانين المشاركين وكتبت على العمل إهداء بخط يدي إيمانا مني بأن مكانه الطبيعي هو ضمن مقتنيات مؤسسة تمثل الذاكرة البصرية للفن العراقي. وفي تلك اللحظة استوقفني مشهد رمزي أكثر من كونه شخصيا فقد كان بين الحضور أحد الأكاديميين المعروفين في الوسط الفني العراقي وقد آثر أن يطأطئ رأسه متجنبا النظر إلى العمل. أتحفظ عن ذكر اسمه لأن القضية لا تتعلق بشخص بعينه وإنما بما قد تعكسه بعض المواقف من انغلاق يحول أحيانا دون أن يكون الحوار مع العمل الفني سابقا على المواقف المسبقة منه.يتبع

#منير حنون#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايلت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم