من أقبية المخابرات السرية الجنرال:عبد السلام المحجوب .. لعرش قلوب الإسكندرانية.- بقلم: شعبان مصطفى قزامل.

** عبد السلام المحجوب
الجنرال ذو الألف وجه ابن “محلة دمنة”.. من أقبية المخابرات السرية لعرش قلوب الإسكندرانية
* – تقديم حسام موسى- عشاق مصر ايام زمان
– لغز الريس زكريا صائد الجواسيس ومفكك شفرات الموساد
– مهندس العمليات المستحيلة.. وخفايا الأسطورة ضابط العمليات السرية
– على رمال سيناء وأمواج الإسكندرية.. حكاية إخلاصٍ بدأت بكلمة سر وانتهت بإرثٍ لا يموت

بقلم/ شعبان مصطفى قزامل
عاش ألف حياة في حياة واحدة، فكان “الريس زكريا” الذي روض عقول الموساد في قلب اليونان، وهو نفسه “المحبوب” الذي هتفت باسمه حناجر الإسكندرانية عشقاً وامتناناً.. كان مهندس عملياتٍ مستحيلة، من مطاردة حفار في مجاهل أفريقيا إلى إنقاذ رؤساء وزعماء من قلب الحصار والموت المحقق.
اللواء محمد عبد السلام المحجوب صائد الجواسيس الذي نزع رداء السرية ليصبح بطلاً شعبياً، محولاً دهاء المخابرات إلى طاقة بناء، وراسمًا بذكائه ملامح وطنٍ لم ينسَ يوماً من أخلصوا له خلف الستار أو فوق المنصة.. بدأ رحلته بكلمة سر في أثينا، وانتهت بجدارية عشق على شواطئ المتوسط.

الميلاد والنشأة
وُلد اللواء محمد عبد السلام المحجوب إبراهيم عام 1935 في قرية “محلة دمنة” مركز المنصورة محافظة الدقهلية، والتي تحولت رسمياً من قرية إلى مدينة عام 2009، نشأ في أسرة ريفية بسيطة وتلقى تعليمه الأولي حتى التحق بالكلية الحربية، وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية عام 1955، ليتخرج ضابطاً في دفعة استثنائية واكبت بدايات عصر الجمهورية.

الريس زكريا
أسطورة الساعة وخديعة أثينا.. تبدأ ملحمة المحجوب عقب نكسة يونيو 1967، حين كان الجرح المصري نازفاً، وكانت المخابرات العامة تبحث عن “صيادين” مهرة. أُرسل المحجوب إلى اليونان بهوية مستعارة: بحار دمياطي يُدعى “الريس زكريا” يبحث عن رزقه في موانئ أثينا. هناك التقى بالبطل أحمد الهوان (جمعة الشوان). كان المحجوب يراقب الهوان بدقة “ضابط الحالة” الخبير، يختبر صبره وقدرته على تحمل مرارة الغربة. عاشا معاً في شقة واحدة لمدة شهر كامل، يتقاسمان الخبز والهموم. وحين ضاقت الدنيا بالهوان وعرض بيع ساعته الشخصية ليشتري طعاماً، اشتراها المحجوب بضعف ثمنها، محافظاً على كرامة رفيقه، ودون أن يثير ريبته لحظة واحدة.
أدار المحجوب عملية تجنيد الهوان من خلف ستار كثيف، مراوغاً أجهزة الموساد التي كانت تملأ اليونان بمحطات تجسسها. وحين عاد الهوان لمصر، وجد نفسه أمام مفاجأة حياته؛ “الريس زكريا” يجلس في مبنى المخابرات بالقبة، مرتدياً بدلة أنيقة، ويخرج “الساعة” من درج مكتبه. لقد كان المحجوب هو العقل الذي زرع الهوان في قلب إسرائيل ليعود بأحدث أجهزة التجسس. وعن هذا النجاح قال المحجوب: “لقد تسببت هذه العملية في إرباك الموساد لسنوات، وأرغمتهم على إعادة النظر في كل أساليبهم وتقنيات الكشف عن الكذب”.

“كنتينج”.. الجحيم في أبيدجان
في عام 1968، كانت إسرائيل تخطط لنهب ثروات مصر النفطية في سيناء عبر حفار بترولي ضخم يُدعى “كنتينج”، كانت تديره شركة “إيني” الإيطالية. كُلّف المحجوب بمهمة تدميره قبل وصوله للهدف. سافر إلى السنغال وباريس لتأمين الغطاء اللوجستي. وفي مشهد يشبه أفلام السينما، وضع المحجوب “أقلام التفجير” في جيب سترة بذلته الشخصية ومر بها عبر المطارات الدولية، بينما شحن المتفجرات في حقائب مغلفة بمواد تمنع كشفها. وبإشرافه الميداني المباشر، نجحت الضفادع البشرية المصرية في تفجير الحفار بعاصمة ساحل العاج “أبيدجان” في 28 مارس 1968، لتغرق معه أحلام إسرائيل في رمال سيناء المحتلة. ومن المثير أن العملية تضمنت سفر فنانة شهيرة لتصوير فيلم في أفريقيا كجزء من خطة الخداع الاستراتيجي التي أشرف عليها المحجوب.

حارس الزعماء ومهندس أيلول الأسود
كان المحجوب رجل الميدان في أصعب اللحظات لا ضابطاً مكتبياً. إبان أحداث “أيلول الأسود” في الأردن عام 1970، دخل المملكة الأردنية قبل العملية بشهور، ليكون هو ضابط الميدان المسؤول عن تأمين وخروج الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بسلام وسط نيران الاقتتال. كما قاد عملية مماثلة في الثمانينيات لإخراج عرفات من بيروت المحاصرة.
وفي عام 1996، حين كان نائباً لمدير المخابرات العامة، أنقذ حياة الرئيس مبارك في أديس أبابا بإصراره القاطع على شحن “السيارة المصفحة” في تلك الرحلة، وهو القرار الذي كان حائط الصد ضد رصاص الاغتيال. كما عُرف بدوره في تهريب أسر معارضين ليبيين من طرابلس كان القذافي يحتجزهم كرهائن، وهي العملية التي ظلت لغزاً للقذافي حتى سأل المحجوب عنها لاحقاً، فاعتذر المحجوب بلباقة عن كشف أسرار مهنته.

خبايا الجواسيس وحرب أكتوبر
ارتبط اسم المحجوب بتفكيك أشهر خلايا التجسس؛ فهو من أدار ملف خلية “بئر سبع” (إبراهيم شاهين وانشراح وأبنائهم عادل ومحمد وزينب)، وهي الملحمة التي جُسدت في مسلسل “السقوط في بئر سبع”. كما كان الرئيس المباشر لسامح سيف اليزل وعبد العزيز الطودي في إغلاق ملف “رأفت الهجان” (رفعت الجمال). وفي حرب أكتوبر 1973، تركزت مهامه الاستخباراتية على “تعطيل إمدادات العدو الإسرائيلي” إلى عمق الجبهة، وهو دور حيوي ساهم في تثبيت النصر.

الإسكندرية.. ثورة “المحبوب” الذهبية
في 9 يوليو 1997، دخل المحجوب الإسكندرية محافظاً، ليحولها إلى ورشة بناء لم تهدأ حتى أغسطس 2006. لقبوه بـ “المحبوب” لأنهم وجدوا فيه المسؤول الذي يتحدث لغتهم.
– ثورة الكورنيش وستانلي: قاد أضخم مشروع لتوسعة الكورنيش وأنشأ “كوبري ستانلي” الأيقوني، ليعيد للمدينة طابعها السياحي العالمي.
– معركة العشوائيات: أزال مساكن الصفيح بمنطقة “الحضرة” وطور شارع “محمد نجيب” محولاً إياه من مأوى للخارجين عن القانون إلى شريان حضاري بفتحات جانبية خففت الضغط المروري.
– تجميل الروح: جدد 71 ميداناً (برج العرب، الشهداء، المنشية) وزين المدينة بجداريات الشاطبي ومحطة الرمل، مستعيناً بكبار الفنانين.
– الموقف والنظافة: أنشأ موقف محرم بك العملاق ونقل حركة النقل الثقيل خارج قلب المدينة، وكان أول محافظ يجلب شركات أجنبية لجمع القمامة وتدويرها.
كان يقول عن عمله: “الذي يريد شيئاً يطلبه من صاحبه.. أنا لا أملك حكاية خاصة بي، أنا جزء من منظومة وطن”.

الوزير الذي اكتسح “الرمل”
في 2006 صار المحجوب وزيراً للتنمية المحلية. وبسبب شعبيته، خاض انتخابات 2010 في دائرة الرمل ضد القيادي الإخواني صبحي صالح، واكتسح النتيجة بنسبة 88%. استخدم “مؤسسة الإسكندرية للتنمية” في دعايته ودعا الداعية عمرو خالد لإلقاء محاضرة بها. وقد وثّق الكاتب سمير شحاته هذه المسيرة في كتاب “محبوب الإسكندرية” الذي كشف وقائع إنسانية تنشر لأول مرة.

لقاء الأسانسير و”مكافأة الخدمة”
يروي أحد الصحفيين كواليس لقائه الأول بالمحجوب عام 2008، حيث انتظره أمام الأسانسير 20 دقيقة، وحين خرج بادره الصحفي: “تفتكر ربنا استجاب لدعوة أمي ولا أرجع أقولها تدعي تاني؟”، فضحك المحجوب ومنحه رقمه الخاص، لتبدأ رحلة كشف أسرار “الريس زكريا”.
في حياته الخاصة، كانت ابنته “إيمان” تراه أباً مثالياً. يرى في أحفاده الذين عاصرهم “مكافأة نهاية الخدمة” التي منحها الله له. فضل لقب “جدو” على “سيادة اللواء”. كان متديناً معتدلاً، يواجه المرض بكلمة: “كل ما هو آتٍ من الله رضا.. والحمد لله”.

رحيل الجسد وبقاء الأثر
توفي اللواء محمد عبد السلام المحجوب المحجوب في 31 يناير 2022 (الموافق 28 جمادى الآخرة 1443هـ)، عن عمر ناهز 86 عاماً. شُيعت جنازته من مسجد آل رشدان، مدينة نصر بجوار أرض المعارض في القاهرة، بحضور قيادات الدولة والمخابرات. رحل “الريس زكريا” لكن الإسكندرية خلدت اسمه بإطلاقه على “شارع النقل والهندسة” بسموحة. سيظل المحجوب نموذجاً للكفاءة المهنية والتواضع، الرجل الذي زرع الإخلاص في الظل، فحصده حباً تحت ضوء الشمس.
العظماء لا يرحلون، بل يقيمون في ذاكرة الأوطان إلى الأبد.

*****************
المصادر:
– موقع: https://www.bbc.com
– موقع : سبق
– موقع الشرق الأوسط
— موقع:اليوم السابع
– مواقع: العربية .نت
– موقع : مدارات الثقافية
– موقع: صحيفة النهار
– إتحاد المصورين العرب فرع مصر
المصدر: مواقع إلكترونية
– مواقع: الجزيرة .نت
– موقع: عكاظ
– موقع : المصرى اليوم
– مواقع :تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– موقع: مجلة فن التصوير
-موقع:  إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
************

أخر المقالات

منكم وإليكم