شعراء وأدباء عرب تحت النار: ذكريات من حصار بيروت 1982
شعراء وأدباء عرب تحت النار: ذكريات من حصار بيروت 1982 في ثقافة جريدة الأخبار البيروتية اليوم السبت 18 نيسان 2026 حيث اختار المحرر محمد ناصر الدين، خمسة مقتطفات فيها لكل من رشاد أبو شاور، شاعر وأديب فلسطيني، من كتاب «آه يا بيروت»، دار الثقافة الجديدة، 1989، ورؤوف مسعد، كاتب وروائي مصري، من كتاب «صباح الخير يا وطن: شهادة من بيروت المحاصرة»، مطبوعات القاهرة، 1983، وأدونيس، شاعر سوري، من «كتاب الحصار»، 1985، وشاكر لعيبي، شاعر ومعني بالفن التشكيلي عراقي، «حسرة الياقوت في حصار بيروت»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003, ومحجوب عمر، شاعر وطبيب مصري، «الناس والحصار، بيروت 1982، العربي للنشر والتوزيع ، 1983.
هنا المقتطف االمنشور من كتابي “حسرة الياقوت في حصار بيروت”:
“كانت البوارجُ مرئيةً للعين المجرَّدة وهي تنافس دلفينات المتوسط في ارتياد مكان الغروب الجميل. كانت الشمس تختفي الآن خلف تلك البوارج السود بالضبط. عقدة الإسرائيليين تكمن في طاقة الكهرباء على توليد النور. إنهم يريدون أن يطفئوا ضوء العالم العربي عبر أقنومه الفلسطيني. كانت المحركات المشتغلة بالزيت تعمل بأقصى طاقاتها في غالبية البنايات المعمورة بالسكان. ثم إنهم قطعوا الماء عن بيروت الغربية.. كنتُ أخرج بصفيحتين بلاستيكيتين وأقف بالدور أمام مضخة يدوية. لا أتذكر ما إذا كان هناك نبع قديم أم كان هناك مصدر آخر للماء. كنتُ أقف مع صبايا وشبان ونساء وشيوخ من أجل الماء الصالح للشرب. لم يكن ما سأسميه النبع يبعد كثيراً عن بنايتي. كنت أحمل الصفيحتين بصعوبة وعندما أصل الاستوديو أستحم ويستحم كذلك هاشم. ثم إننا كنا نُعِدُّ شاياً ساخناً ونقعد بانتظار المعجزة. كانت فظاظة القصف تتغلغل، في نهاية المطاف، في المكامن الأكثر سرية من الجسد البشري. كان القصف يصير يومياً بعد الشهر الثاني من الحصار، يتحول إلى غولة فظيعة، مزرَّدة بالرصاص ومسننة بالموت. غولةٌ يمكن أن تطلع عليك في أي لحظة وتغتالك. ففي بعد ظهيرة صيفية كسولة وأثناء المفاوضات كنتُ أشرب شاياً مع هاشم شفيق عندما ابتدأ القصف. بعيداً أول الأمر، ثم بدأت الحيطان الأقرب تهتز. أسرعتُ لكي أضع جوربي، وضعت جورباً واحداً ثم (بُم) قذيفة ظننتها في قلبي. ركضنا سوياً، هو عاري القدمين وأنا بجورب واحد لكي نلحق جماهير البناية في الملجأ الرطب. لهاث عال، ثم عندما أبصرنا بالقدمين وبالجورب اليتيم، انفجرنا بضحك قوي، نادر، صاف. يتعلم المرء أثناء حصار تاريخي مثل حصار بيروت أن الكائنات الآدمية غير متشابهة إطلاقاً في انفعالها إزاء الجوهري مثل الموت. إنها غير متشابهة، مخيِّبةٌ أحياناً وبطوليةٌ مرات. البعض من سكان بيروت ومقاتليها العرب قد قرروا الخروج من المدينة إلى الجبل، إلى الشام أو إلى أرض آمنة أخرى. البعض الآخر قرّر البقاء متنقلاً بين الملاجئ والشرفات في ذهاب وإياب متأرجحاً بين الأمل والغضب، بين الغيبوبة في الأفق والصعود إلى الحافات (أو الهبوط إلى الأعماق، لا أدري اليوم) المحفوفة بالنار من كل صوب. البعض السائر بين اليقظة الصحيحة والحلم العميق هو من يصنع الأشياء الباقية، متأملاً في البدء في حقل متخيّل من الرزّ، ثم قابضاً على حفنة من الرزّ سينثرها لاحقاً في رحابة الهواء الأخير المهفهف فوق الرؤوس السود ذات البيريات المدعوكة، المطرودة من بيروت. بالنسبة إلى شاعر مثلي فإن السؤال الساذج الذي ما فتئت أطرحه على نفسي أثناء رشيش النار أيام الحصار هو: ماذا يريد الإسرائيليون بالضبط من الفلسطينيين؟ ماذا يريد ابن العم الضائع بين تراب الكتب العتيقة والمنافي والدم، الذي تعلم القتل من جديد في بيروت بعد أن كان قد نسيه طويلاً في منافيه ودموعه المتحجّرة. ماذا يريد هذا الذئب المجروح الذي ما يزال يعوي في الوادي؟ الصباحُ دامٍ في اليوم التالي وأعمدة الدخان تتصاعد من أنقاض قرطاجة. قررت الذهاب إذن لأشتري فاكهة النار من الفاكهاني. كان الخواء مطبقاً هذه المرة، لأن القصف على أشده. ظللتُ أتصبب عرقاً وأنا أجري مختاراً الزوغان بين جدران البنايات السالمة والشوارع التي كنتُ أحسب أن الطيارين لن يعيروها بالًا. ما انفك المقاتلون يطلقون الرصاص والقذائف التي لا تصل مدياتها، كما كان السوفييت وحلفاؤهم يرغبون، إلى مستويات الطيران المغير. كانت الطائرات تحرث الهواء وتفسده بِحُرّية”.#شاكر لعيبي#مجلة ايليت فوتو ارت…


