ذاكرة الطين في ألوان الحداثة: قراءة في رسالة “استعارة الأشكال التاريخية في الرسم العراقي المعاصر”.
د. عصام عسيري
في مشهد التشكيل العراقي، لا يبدو “التاريخ” مجرد زمن مضى، بل هو مخزن حي للرموز والعلامات التي لا تفتأ تتسلل إلى قماش اللوحة المعاصرة. وتأتي رسالة الماجستير التي قدمها الباحث والفنان مؤيد محسن محمد Muayad Muhsin Muhsin بعنوان “استعارة الأشكال التاريخية عام 2011م، لتضع هذا التداخل بين “إزميل السومري” و”فرشاة المعاصر” تحت مجهر البحث الأكاديمي الرصين.
هذه الدراسة، التي نوقشت في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد تحت إشراف الأستاذ الدكتور بلاسم محمد جسام Balasim Mohammed ، لا تكتفي برصد الظاهرة، بل تغوص في “كيفية” حدوثها، مقدمةً وثيقة علمية وثقافية بالغة الأهمية.
الأهمية العلمية: تأصيل مفهوم “الاستعارة” لا “النقل”
تكمن القيمة العلمية لهذه الرسالة في تحريرها لمصطلح “الاستعارة” (Metaphor) في الفن التشكيلي. فالباحث لم يتعامل مع حضور الثور المجنح أو الزقورة في اللوحات الحديثة كعملية “نسخ” أو “تأثر” عابر، بل صنفها ضمن منهجية علمية دقيقة بوصفها عملية “إزاحة” (Displacement) وإعادة إنتاج للدلالة.
لقد قام الباحث بجهد توثيقي وتحليلي ضخم، حيث:
- صنّف الأشكال التاريخية: بدءاً من عصر القرى الزراعية، مروراً بسومر وأكد وبابل، وصولاً إلى الآشوريين، محدداً سماتها الشكلية (العيون الواسعة، الأيدي المضمومة، الأشكال المركبة).
- حلل عينات معاصرة: شملت الدراسة تحليل 16 عملاً فنياً لـ 16 فناناً عراقياً بارزاً، منهم: هناء مال الله، كريم رسن، فاخر محمد، قاسم سبتي، بلاسم محمد، وعلاء بشير.
هذا المنهج المقارن يجعل الرسالة مرجعاً “موسوعياً” للباحثين، حيث تضع العمل المعاصر جنباً إلى جنب مع مرجعيته المتحفية، وتكشف الخيوط الخفية التي تربط بينهما.
الأهمية الفنية: من “المتحف” إلى “اللوحة”
فنيا، تكشف الرسالة كيف تحول “الطين” (الخامة الرئيسية في وادي الرافدين) إلى “لون” و”ملمس” في اللوحة المعاصرة. يوضح الباحث أن الفنان العراقي لم يستعد “الحكاية” فحسب، بل استعاد “الملمس” (Texture) وتقنيات الحفر والتحزيز.
تبرز الدراسة أنماطاً فنية مدهشة للاستعارة:
- الاستعارة الوصفية: حيث يتم استدعاء الشكل (مثل رأس الثور أو المثلث) للتعبير عن الشبه، كما في أعمال فاخر محمد.
- الاستعارة الأسلوبية: حيث لا يُنقل الشكل كما هو، بل تُنقل “روحه” أو أسلوبه (كالصرامة في الخطوط أو التكرار)، كما يظهر في تجريدات هناء مال الله التي تحيل إلى “الرقم الطينية” المتهشمة.
- الاستعارة التأويلية: وهي الأعقد، حيث يعيد الفنان تركيب الرمز لإنتاج معنى جديد، كما فعل علاء بشير في استخدامه للأقنعة والوجوه السومرية للتعبير عن عزلة الإنسان المعاصر.
الأهمية الثقافية: الهوية في مواجهة المحو
لعل البعد الثقافي هو الأكثر سطوعاً في هذه الرسالة. فهي تأتي لتؤكد أن لجوء الرسام العراقي إلى “المخزن الرافديني” ليس ترفاً جمالياً، بل هو فعل مقاومة وإثبات للهوية.
تشير الرسالة إلى أن استدعاء هذه الأشكال هو محاولة لترميم الذاكرة الجمعية، خاصة في الفترات التي تعرضت فيها الهوية العراقية لاهتزازات عنيفة. إن تحويل “الزقورة” من مبنى ديني قديم إلى رمز للشموخ أو الخراب في لوحة معاصرة (كما عند كريم رسن)، يعكس قدرة الثقافة العراقية على تجديد نفسها من داخلها.
ختامًا، إن رسالة الأستاذ مؤيد محسن ليست مجرد متطلب أكاديمي، بل هي “حفريات معرفية” تثبت أن الحداثة في الفن العراقي لم تكن قطيعة مع الماضي، بل كانت حواراً ذكياً ومستمراً معه. إنها دعوة لقراءة اللوحة العراقية لا كسطح ملون فحسب، بل كطبقات من الذاكرة تمتد لسبعة آلاف عام.


