مقالي اليوم في جريده القاهرة العريقه عن الفن والحرب
الفن هل هو مراه للواقع ام رؤيه وانتظار للمستقبل
“الحرب لا تظهر الشجاعه بقدر ما تكشف هشاشة الانسان “
ليو تولستوي
في الحروب لا يموت الانسان مرة واحده بل تموت بداخله مئات المبادئ والاحلام قبل ان يموت الجسد ،وان حالفه الحظ يحيا حاملا بداخله شظايا كل الصراعات والاحلام هنا تعجز اللغه عن وصف حالة الانسان ما بعد الحرب ويتعظم دور الفن لترميم ما احدثته الحروب من خراب للبشر والكون باكمله وكاننا نحاول انقاذ ما تبقي من صورتنا كبشر عن انفسنا بالفن .
ان الفن هو اعادة خلق للواقع من جديد للهروب من ذلك الخراب الذي تتركه صراعات الحروب والاطماع داخل الانسان .
مع انتهاء الحرب العالمية الاولي و الثانية تغير الفن من اداة لتصوير الجمال والكمال في الشكل الي اداة للتعبير عن الرفض والاحتجاج وتصوير ما احدثته الحرب من دمار فقد ظهرت التعبيريه والاعتماد على تجسيد المشاعر والانفاعلات الذاتيه بدلا من نقل الواقع حيث انتقل التركيز من تسجيل الضوء الي تسجيل الاحساس اشهر فناني التعبيريه ادوارد مونك ولوحته الاشهر الصرخه خير مثال على تلك المدرسه ارنست كيرشنر وايجون شيلي اذ ظهرت في المانيا والنمسا كأول منفذ لظهور التعبيريه وتكون مجموعة الجسر من ايجون شيلي واوسكار كوكوكشا و ماكس بيكمان و جورج غروس و وظهور الداديه ومارسيل دي شامب النافورة والعجلة وظهور الفن المفاهيمي وما احدثه من صدمة ،والمدرسه السرياليه والفنان سلفادور دالي والهروب الى اللاوعي والاحلام التي تدين بالولاء للعالم النفسي سيجموند فرويد، ثم ما بعد الحرب العالمية الثانيه وظهورالمدرسة التعبيريه التجريديه في نيورك ومن ابرز فنانيها جاكسون بلوك رائد الرسم بالتنقيط اعماله اقرب الي تسجيل لحركة الجسد والزمن ومارك روثكو ومساحاته اللونيه التي تبعث على التامل والروحانيه وكذلك وليام دي كونينج واعماله ما بين التشخيص والتجريد.
ساتناول اقرب الفنانين بالنسبه لي تعبيرا عن اثر الحروب على الفن وما احدثته من تغير وثورة في عالم الفن وهم جورج غروس وماكس بيكمان و مارسيل دو شامب ووليام دي كونج
George Grosz جورج غروس 1893:1959
ولد في المانيا وعاش فترة انهيار الامبراطوريه الالمانيه شا رك في الحرب العالميه الاولي وتركت في نفسه اثرا مؤلما ويعتبر من ابرز فناني المدرسه التعبيريه الالمانيه
اتخذ اسلوبه طابعا كاريكاتيريا ساخر هاجم السلطه البرجوازيه والنفاق الاخلاقي ينتمي الي التعبيريه لكنه اتخذ طابعا كاريكاتيريا وحشيا فقد صور الجنود مبتوري الاطراف كما انه صور انحلال المجتمع وانهياره الاخلاقي والفساد واستغلال الفقراء والعنف السياسي،وجوهه كاريكاتيريه قاسيه وخطوطه حاده رسومه في الصحف والمجلات كانت هجوم على الفساد في المجتمع والسلطه تركت الحرب اثرا مدمرا في رؤيته للمجتمع ورفض البطولة العسكريه وراى الجنود كضحايا للانظمة الفاسده
1887:1968 Marcel Du champ مارسيل دو شامب
ولد في فرنسا وعاش ما بين باريس ونيورك في بداياته تاثر بالمدرسة التكعيبيه كما في العاريه تنزل السلم 1912 الا ان شعر بانها لا تكفي لتعبيرعما يشعر به يرجع الفضل ل دي شامب في ظهور ما يسمي الفكر المفاهيمي للعمل الفني وهل الفن ما نصنع او نري او ما يشكك في امكانية رؤيته ومن اشهر اعماله النافوره وهي عبارة مرحاض عرض كما هو قدم كعمل فني مما احدث صدمة ويعتبر من اهم فناني المدرسة الداديه كرد فعل على عبثيه الحرب العالمي الاولي سخرت الداديه من القيم والجمال والقواعد .
Max Beckmann ماكس بيكمان 1884:1950
ولد في المانيا عمل كمسعف عسكري مما اثر على نفسيته اذا تعامل بيكمان مع الموت كحقيقه وحاوطه الدمار مما ادي الي انهيار عصبي غير مساره الفني ومع صعود النازيه اعتبر فنه منحطا فهجر المانيا الي هولندا ثم الي الولايات المتحده حتى وفاته
من اهم فناني التعبيريه وان كان رفضا الانضمام الي اي حركة فنيه الحرب لم تكن عند بيكمان موضوعا بل جرحا اعماله تعكس تشظي الانسان والدمار وفقدان المعني فقد كان يرسم ما انتهي به العالم من دمار ما بعد الحرب وفقدان لقيمة الانسان
كانت اعماله تبدو كمشاهد مسرحيه وكان العالم اصبح مسرحا مغلقا
وليام دي كونج
1904:1997 Willem de Kooning
ولد في روتردام وانتقل الى الولايات المتحده عام 1926 واصبح مواطنا امريكيا وتزوج من الرسامة الين فرايد بعد الحرب العالميه الثانيه.
يعتبر دي كونج من رواد المدرسة التعبيريه التجريدىه في نيورك نتيجة لانتقال مركز الفن من باريس باوربا بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة للهجرات الي الولايات المتحدة كما ان للحرب البارده ما بين الاتحاد السوفيتي وامريكا اكبر الاثر في صعود التعبيريه التجريديه اذ كانت الحرب البارده حربا ايدلوجيه في الاساس قبل ان تكون عسكريه بل كانت صراعا على الفكر والثقافه فقد ارادت الولايات المتحده تقديم نفسها كرمز للحريه الفرديه في مقابل فرض الاتحاد السوفيتي لفن الواقعيه الاشتراكيه ومن هنا ولدت التعبيريه التجريديه كأول حركة فنيه تقود العالم .
لم يحقق دي كونج انطلاقته الفنيه الكبيره الا في الاربعينات من عمره وكان اول معارضه 1948في معرض تشارلز ايفان في مانهاتن وقد حظى باشاده كبيره واهتمام واسع من النقاد حيث كتب الناقد كليمنت غرينبرغ في معرضه الافتتاحي الذي نشر في مجلة ابلو .
“انا لا ارسم المرأه كما ارها بل كما تحدث لي” وليام دي كونج
في راي تحتل المراه الموضوع الاكثر تركيزا في اعمالة وان كانت حضورها ليس جسديا بقدر ما كان حضورا فكريا اذ تناول المراه في اعماله تفككا وتمزقا مع ضربات فرشاته العنيفه وهوما يعكس حالة التوتر والقلق الواضحه في اعماله بل تكاد تميزه كفعل بناءا وهدما في ان واحد ،احساس بالحركه المتوتره والجسد الغير واضح المعالم ما بين التشخيص والتجريد الكامل،وهو ما يعكس الحالة النفسيه السائده في ذلك الوقت بعد الحرب العالميه الثانية اذ لم يعد الجسد الانساني قادرا على احتواء الحقيقة والواقع المؤلم فتفكك الجسد راجع لتشظي الواقع والذاكرة فيتحول العمل الى ساحة من الصراعات ما بين ما نراه وما نشعر به وما تتركه الذاكره معا
في سلسه اعماله عن المراه لا يرسم المرأه لترى بل للمواجه، الوجه محدد والاسنان بارزه والعينان متسعتان تعكسان قلق او فزع والجسد متفكك كانها انعكاس لحالة المراه او المجتمع متمثلا بالمراه ما بعد الحرب فجمال المراه هنا مشوها ويختفي او يتلاشي فقد يكون مصدر تهديد في الحروب وهي الحلقة الاضعف
بخلاف سلسله اعماله عن المرأه وهي تقريبا 6 اعمال هناك اعمال بارزه اخرى
Excavation 1950-Attic1949-Pink Angels1945-Interchange1955-Woman and Bicycle 1952-1953-Door to the River1960
في رؤيه اعمال وليام دي كونيغ تكتشف تطوره كفنان من صراع داخلي ما بين التشخيص والتجريد في عمل واحد من تفكيك وتشويه احيانا مع ضربات فرشاة عنيفه والوان صارخه ثم ينتهي ذلك الصراع بتلاشي التشخيص كتعبير عن تلاشي الانسان ذاته وتلاشي اهمته اما الصراعات والحروب وبقاء التجريد الصافي في مراحله الاخيره .
وكأن هؤلاء الفنانين كانوا شهودا وتمهيدا لما نعيشه الان فقد بدا الفن منذ الحرب العالمية الاولي في تغير نظرته وتناوله للعالم والانسانيه بدايةمن احداث الصدمه و انهيار القيم والمبادئ والانحلال الخلاقي والفساد والطمع الي انهيار الشكل وتشظي المعني والمضمون فاصبح العالم في صراع مستمر مرة صراعا مسلحا او صراعا باردا تتشكل فيه التحالفات وتتكدس الاسلحه لتحين الفرصه لتخريب ما تبقى من حياة وكاننا لا نتعلم من الامس فقد عمل جورج غروس على فضح المجتمع وسخر من نفاقه وفساده ورسم بيكمان اختناق الانسان ومعاناته اذلم يعد الفساد مجرد ظاهرة اجتماعيه ومعاناة الانسان المحاصر في مسرح خانق ومع مارسيل دو شامب تحدث الصدمة في معني الحياة وجدواها وهذا الانهيار وفقدان المعني لكل شئ حتى الفن وجدواه وتفكيك مفهوم العمل الفني ذاته ثم ياتي وليام دي كونينج في سياق ما بعد الحرب العالميه الثانية وتوترات الحرب البارده ليعرض تشظي البشريه وتفكك الجسد وتلاشي الشكل و يتحول الي اثر كان والعالمالي حلبه من الصراعات ما بين التشظي والتلاش
اذا كنا في رحلة استكشاف للفن وتطوره …. فنحن الان بشكل ما نعيش فترة ما قبل الانفجار في حالة ترقب وقلق وخوف ان نكون ساحة لحرب عالمية اخري امام توترات واطماع جغرافيه وسياسيه مرتبطه بالثروة والطاقة والارض والمياة والعديد من الخيرات ما تتميز به منطقتنا .
فنان الامس كان يرسم صدمه ما بعد الحدث اما ما يمر به فنان اليوم فهو يرسم ما سيحدث ويترقب ويخشاه حضورفكرة الترقب للاسواء يجعلنا نشعر بالصمت خوفا امام هشاشه الانسان وانه اصبح رقما في صراعات الاطماع رقما اما مصابا او مقتولا
هنا يصبح الفن لا انعكاسا للواقع بل استشعارا لزلزال قادم نتمني ونصلي سرا وعلانيه الا يحدث …


