نشرت مجلة الأحرار الصادرة عن قسم الإعلام في العتبة الحسينية المقدسة، في عددها (1464)، مقالتنا الموسومة: «الهوية الثقافية بين التحول والثبات ».
تناولت فيها جملة اشكاليات التحولات المعاصرة التي طرأت على سياق الهويات الثقافية في ظل مفردات الواقع الجديد، وما أفرزته من أنماط وخطابات مستحدثة في فهم المتغيرات المتسارعة والتفاعل معها، فضلاً عن تأثيراتها الضاغطة على الهويات الوطنية، وما يترتب على ذلك من حاجة ملحة إلى إعمال التفكير الرشيد من قبل النخب الثقافية والفكرية لاستثمار فرص التحول والتجديد، من دون التفريط بالثوابت الهويات الثقافية الوطنية وقيمها المبدئية .
وإذ أتقدم بالشكر والتقدير إلى رئاسة تحرير المجلة وكادرها الكريم على جهودهم المتميزة، فإني أتمنى لهم دوام التوفيق ومزيداً من العطاء في دعم هذا الرافد الثقافي المهم، الذي يسهم بفاعلية في إثراء المشهد الثقافي الحسيني وتعزيز حضوره الفكري والمعرف
الهوية الثقافية بين الثبات والتحول
د خليل الطيار
مستشار العلاقات الخارجية والشؤون العامة
أضحت مسألة الحفاظ على الهوية الثقافية، بوصفها تمثيلًا ناظمًا لمنظومة القيم والثوابت المؤسسة لبنية المجتمع، من أكثر الإشكاليات الفكرية والثقافية إلحاحًا في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر. فهي لم تعد مجرد معطى ثابت، بل باتت مجالًا تفاعليا يتأرجح بين مقتضيات الثبات على الأسس واستحقاقات التجدد ضمن فضاء عالمي متحول.
إن الهوية الثقافية، في أفقها المعرفي، لا تُختزل في ماضٍ منغلق ولا تُستوعب ضمن حاضر منفلت من مرجعياته، بل تتحدد بوصفها بناءً تراكميًا يتشكل عبر تداخل منظومات القيم واللغة والأعراف والذاكرة الجمعية، في سياق تفاعلي مستمر مع البنى الاجتماعية والثقافية والفكرية. ومن ثم، فإن الدعوة إلى تجذير الهوية لا تنصرف إلى تكريس الجمود أو الانغلاق، بقدر ما تنأى عن أشكال التحديث الشكلي المنفلت من الضوابط، لتغدو فعلًا بنائيًا تواصليًا يروم ترسيخ الهوية في عمق البنية المجتمعية، بما يضمن استمراريتها عبر الأجيال وقدرتها على التطور.
غير أن التحولات العالمية الراهنة، ولا سيما ما أفرزته الثورة الرقمية وتكثيفات العولمة الثقافية، وتزايد محاولات هيمنة القوى العدائية على الشعوب، قد أفضت إلى إنتاج سياقات ضاغطة أسهمت في زعزعة البنى التقليدية للهوية الثقافية الوطنية، وأعادت طرح سؤالها ضمن أطر أكثر تركيبًا وتعقيدًا. إذ لم تعد آليات تجذير الهوية حبيسة قنواتها التقليدية، بل انتقلت إلى فضاءات مفتوحة تُعاد فيها صياغة أنماط المعاني والعيش والانتماء، بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة.
وفي ضوء ذلك، لم يعد التساؤل مقتصرًا على ما إذا كانت الهويات الثقافية المحلية عرضة للتغير، بل انصرف إلى الكيفيات التي يتحدد بها هذا التغير، وإلى طبيعة العناصر التي ينبغي أن تظل ثابتة بوصفها مرتكزات تأسيسية لا يجوز التفريط بها.
إن التحدي الحقيقي لهوياتنا الثقافية لا يكمن في مبدأ التغير ذاته، بل في أنماط تمثله والتعاطي معه. فالهويات الثقافية المنغلقة على ذاتها، بدافع هاجس الحفْظ والصًونْ، تنتهي إلى أشكال من الجمود والانفصال عن سياقاتها الحية، كما أن الهويات المنخرطة في ديناميات التحول دون سند نقدي أو مرجعية راسخة، تغدو عرضة للذوبان وفقدان الخصوصية.
وعليه، فإن الرهان الثقافي والمعرفي المعاصر يتمثل في بلورة مقاربة توازنية واعية، تُحسن الجمع بين صيانة الثوابت القيمية الكبرى بوصفها محددات بنيوية للهوية، وبين الانفتاح الرشيد على تحولات العصر، بما يتيح تجديد الهوية دون تفريغها من مضامينها أو الإخلال بمرتكزاتها. ومن هنا، يغدو لزامًا على المجتمع، بمختلف مؤسساته الدينية والثقافية والفكرية، أن يتجاوز منطق الأحكام النهائية على الهوية، وأن ينفتح على أفق تفكير تداولي يعيد بناءها بوصفها مشروعًا حيًا، قادرًا على التفاعل مع التحولات دون فقدان جذوره أو تعطيل أفقه المستقبلي.
وفي هذا السياق، تتأكد الحاجة إلى استنهاض دور المؤسسات المعنية، ولا سيما في العالمين الإسلامي والعربي، لتحمل مسؤولياتها في صياغة رؤى استراتيجية لتمكين الهوية الثقافية، بما يحفظ ثوابتها الجوهرية، ويؤسس في الوقت لمعايير منهجية في التعاطي مع تحولات العصر، بعيدًا عن ثنائية الجمود والانفلات.
كما يقتضي ذلك تعميق النظر في إمكانات استثمار التحولات الرقمية المتسارعة والعولمة الثقافية، ليس بوصفها تهديدًا صرفًا، بل كفرص لإعادة تشكيل وإنعاش الهوية ضمن مسارات تحول متوازن، يحفظ مرجعياتها ويجدد آليات حضورها. ويستدعي هذا الطرح مساءلة نقدية جادة حول مكامن الإشكال: أهي في الضغوط الخارجية، أم في قصور الخطاب الثقافي المحلي عن تجديد أدواته في فهم جدلية الثابت والمتغير؟ وهي أسئلة تؤسس لمسؤولية فكرية جسيمة، تستدعي الاشتغال الواعي عليها بوصفها شرطًا من شروط حصانة المجتمع واستمراريته.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى الهوية الثقافية بوصفها إرثًا ساكنًا، بل هي كينونة حية تتغذى بالوعي وتستمر بالتجدد. وإن صيانة جوهرها، مقرونة بالانفتاح العقلاني على معطيات العصر،
تمثل السبيل الأنجع لضمان فاعلية المجتمعات واستمرار تأثيرها. فالهويات الراسخة ليست تلك التي تكتفي بالحفاظ على ذاتها، بل التي تمتلك القدرة على إعادة إنتاج نفسها، انطلاقًا من ثوابتها، نحو آفاق أكثر رحابة وامتدادًا.


