مفهوم الحكمة في المسرح واليات توظيفها لخدمة المشهد.

الحكمة في المسرحية
لا غرابة وقد نشأ المسرح قديمًا عند الفراعنة والإغريق وغيرهما من الأمم في كنف الدين أن نجد كثيرًا من المسرحيات القديمة ممتلئة بالحكم والمواعظ والعبر. وبعض هذه الحكم والمواعظ تحث على الخضوع للمعبود وتقديم القرابين له، وبعضها كان يحث على الفضيلة، وبعضها كان مواعظ نتيجة خبرات كثيرة في الحياة.
وفي المسرح الإغريقي القديم نرى المسرحيات التراجيدية ممتلئة بهذه الحكم خاصة على لسان الجوقة التي كانت تعلق على الأحداث، وتستخرج العبر منها. ويبدو سوفوكليس هو أكثر كتاب التراجيديا – الذين وصلتنا أعمالهم – حرصًا على تضمين الحكم والأمثال في مسرحياته، وبالنظر لمسرحية أوديب ملكًا له نرى بها كثيرًا من الحكم سواء منها ما يدعو لتمجيد الآلهة الوثنية – حسب اعتقاد الإغريق قديمًا –، أو ما هو متصل بالحث على الفضيلة، أو ما هو تعليق يحمل خبرات كبيرة بالحياة.
ونرى الجوقة من شيوخ طيبة تكثر من الدعوة للخضوع للآلهة وتمجيدها، ونراها أيضًا تعلق على ما انتهى إليه أوديب من مصير مأساوي بقولها: لا ينبغي أن نقول عن إنسان: إنه سعيد حتى نرى اللحظات الأخيرة من حياته. هذا أوديب الذي كان ملكًا عظيمًا قد انحدر إلى هوة من الشقاء. وخلال المشهد الذي ظهر فيه تريزياس نرى الحكم تنثال على لسانه، وبعضها فيها غموض للمستمع؛ لأنها تتعلق بتنبوءات ستحدث في المستقبل.
ثم نرى كريون في هذه المسرحية شخصًا مفوهًا يخشى أوديب محاورته بعد أن اتهمه مع تريزياس بعمل حيلة لسلب ملك طيبة منه، ومما يقوله كريون لأوديب حين غضب أوديب منه: إن نفسًا كنفسك مصدر ألم لأصحابها. ويقول له أيضًا وقد شعر أنه تناسى صداقتهما بسرعة اتهامه له : إن من يفقد صديقًا عزيزًا عليه فَقَدَ فقد جانبًا مهمًّا من حياته.
أما أوديب وجوكاستا فقلما نرى لهما تعبيرات تأتي فيها حكم، فجوكاستا أظهرها سوفوكليس في المسرحية ضعيفة الإيمان، وتكذب بنبوءات الآلهة الوثنية، وهي لا خبرات لها
أو تأملات؛ ولذلك قلت أو انعدمت الحكم على لسانها. وأوديب ظهر في المسرحية بطلاً مندفعًا معتزًّا بنفسه، ولم يكن بعد قد عانى متاعب الحياة ليدلي بتعليقاته عليها في هذه المسرحية، بخلاف مسرحية أوديب في كولونا التي يكثر أوديب من قول الحكم والتنبوءات فيها حتى لقد صارت شخصيته في هذه المسرحية قريبة من شخصية الكاهن تريزياس في مسرحية أوديب ملكًا.
وفي المسرحيات الكوميدية بشكل عام يقل وجود هذه الحكم، فالأشخاص الذين بها ليسوا – في الغالب – حكماء، وجو الفكاهة الذي بها لا يسمح بوجود الحكم فيها إلا القليل جدًّا منها.
ولهذا تقل العبارات ذات المدلول الحكمي في مسرحيات أرسطوفان، ونرى القليل منها في مسرحية الثروة – أو المال – على لسان إله المال الوثني، والشخصية النسائية التي جسدت الفاقة.
وفي مسرحيات شكسبير التراجيدية تكثر الحكم خاصة على ألسنة أبطالها بعد أن تعصرهم مآسيهم، ويعانوا في هوة الشقاء التي وصلوا لها، كما نرى في الحكم الكثيرة التي يقولها لير بعد أن تخلى عن ملكه لبنتيه، وتجرع المعاناة من سوء معاملتهما له. وكذلك نرى ماكبث بعد أن أغواه الطمع، وقتل العديد ممن كانوا أصدقاء وحلفاء له يتحول شخصًا حكيمًا وهو ينتظر مصيره المأساوي جزاء لما اقترفه من آثام.
وفي مسرحيات شكسبير التراجيدية نرى بعض المهرجين يطلقون الحكم بشكل يثير الفكاهة والعبرة في الوقت نفسه، كمهرج الملك لير في مسرحية الملك لير.
وهناك شخصيات في مسرحيات شكسبير مهيئة لقول الحكمة نتيجة خبرتها الكبيرة بالحياة، كشخصية بولينيس مستشار الملك ووالد أوفيليا الذي كان لا يتوقف عن قول النصائح لابنه لايرتس ولابنته أوفيليا حتى قتل خطأ من قبل هاملت.
وكتاب المسرح الكلاسيكي خاصة كورني وراسين نرى الحكم لديهم في مسرحياتهم التراجيدية بصورة أقل من وجودها في مسرحيات شكسبير، ولعل من أسباب هذا أن الموضوعات التي عالجها كتاب المسرح الكلاسيكي تنحصر في العلاقات العاطفية إلا القليل منها، ولم تكن هذه الموضوعات العاطفية تستدعي الكثير من الحكم.
وموليير تقل الحكم في كوميدياته، فجو الفكاهة – كما قلنا من قبل – يتعارض وبث هذه الحكم، ومع ذلك فنرى في بعض مسرحياته شخصيات تعلق على سلوكيات الشخصيات المنحرفة – كالبخيل والمتحذلق والمدعي – بحثها على ترك التطرف في السلوك، كما نرى في مسرحية طرطيف.
وفي المسرح الحديث مع تيار الواقعية على يد إبسن واسترندبرج لم يعد للحكم المباشرة أهمية، بل تعد عيبًا في المسرح الواقعي، فأبطال المسرح الواقعي أناس عاديون، ويتكلمون بشكل طبيعي؛ ولهذا ليس مستساغًا أن يتفوهوا بالحكم كأبطال التراجيديا قديمًا. وتعد الحكم المباشرة في المسرح الواقعي نوعًا من الخطابة وخروجًا عن الواقع المعقول، والمشاهد يستنتج بنفسه ما يمكن أن توحي به المسرحية الواقعية من أهداف، كما نرى في مسرحية بيت الدمية ومسرحية الأشباح لإبسن.
وكتاب المسرح الرمزي لا يهتمون بالتفاصيل الواقعية، ويمعنون في الغموض، وتمتلئ مسرحياتهم بالتعبيرات التي تحمل حكمًا لها دلالات متعددة، كما نرى في مسرحيات الكاتب البلجيكي موريس مترلينك، مثل مسرحية في داخل البيت ومسرحية أجلافين وسيليزيت.
والمسرح الملحمي كما أرسى قواعده بريخت يهتم بالوعظ المباشر خاصة على لسان الجوقة؛ ولهذا يكثر النصح والوعظ به، كما نرى في مسرحية القاعدة والاستثناء ومسرحية محاكمة لوكولوس ومسرحية القائل نعم والقائل لا. ولكننا في مسرحيات بريخت الملحمية لا نرى أشخاصًا حكماء أو أبطالاً تراجيديين تنثال الحكم على ألسنتهم، بل تقتصر الحكم في مسرحياته على ألسنة الجوقة، وغالبًا ما تكون في نهايات مسرحياته.
ولا نتوقع من كتاب العبث أن يهتموا بالحكم والوعظ في مسرحياتهم، فهم يرون الحياة تخلو من المعنى، ويرون العبث هو القانون المسيطر على حياة الناس، ويعكسون هذا في مسرحهم، ومع ذلك يمكن أن نستشف من بعض مسرحياتهم بعض الحكم، كمسرحية الخرتيت التي يتخيل فيها يونسكو البشر يتحولون لخراتيت، ليس بالمعنى المجازي، ولكن بالمعنى الحقيقي، ويحاول بطل المسرحية أن يتمسك بإنسانية، ولا يسير مع القطيع حتى نهاية المسرحية.

#علي خليفة#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم