مسيرة فنية امتدت لأكثر من 5 عقود، رسخ المخرج المصري يوسف شاهين مكانته كأحد أبرز المساهمين في تشكيل ملامح السينما المصرية والعربية.- مشاركة: إيمان كمال.

في مئوية يوسف شاهين.. 5 عقود من التمرد السينمائي

المخرج المصري يوسف شاهين (غيتي إيميجز)
إيمان كمال

على مدار مسيرة فنية امتدت لأكثر من 5 عقود، رسخ المخرج المصري الراحل يوسف شاهين مكانته كأحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح السينما المصرية والعربية، عبر هوية خاصة ورؤية فنية خرجت عن القوالب السائدة.
بدأ شاهين مشواره بأعمال اقتربت من الشكل الكلاسيكي، لكنها حملت منذ البداية ملامح فكرية واضحة، قبل أن تتجه أفلامه تدريجيا نحو السينما الذاتية، وطرح الأسئلة الفلسفية والوجودية المرتبطة بالإنسان والمجتمع.
ولم تقتصر تجربته على التعبير عن الذات، بل ارتبطت بتحولات المجتمع المصري وتغيراته السياسية والثقافية عبر عقود متتالية. ومع حلول الذكرى المئوية لميلاده في 25 يناير/كانون الثاني، يُنظر إلى تجربة يوسف شاهين بوصفها أحد المسارات السينمائية المؤسسة، التي مهدت الطريق أمام أجيال لاحقة من المخرجين، سواء على مستوى الشكل أو المضمون.
بدايات كلاسيكية غير نمطية
جاءت بدايات يوسف شاهين في العصر الذهبي للسينما المصرية، وتحديدا خلال خمسينيات القرن الماضي، بعد أن أنهى دراسته للتمثيل في مسرح باسادينا بولاية كاليفورنيا. ومع عودته إلى مصر، اتجه مباشرة إلى الإخراج، وإن لم يقتصر حضوره لاحقا على هذا الدور، إذ ظهر في عدد من أفلامه كممثل أيضا.
اتسمت هذه المرحلة بقدرة شاهين على العمل داخل منظومة الاستوديوهات الكبرى، مع الحفاظ على بصمته الإخراجية الخاصة. فقد استطاع توظيف القوالب الإنتاجية السائدة آنذاك لخدمة اختيارات فنية تعكس اهتماماته الفكرية والجمالية.
يتجلى ذلك في أول أفلامه بابا أمين (1950)، الذي اصطدم من خلاله مبكرا بالرقابة، بسبب اعتراضها على النهاية التي صورت الآخرة والعالم الآخر. ولتجاوز هذا الاعتراض، لجأ شاهين إلى تعديل النهاية، بحيث يستيقظ بطل الفيلم، الذي جسده حسين رياض، من نومه محاولا إصلاح ما أفسده في حياته الأسرية.
حمل الفيلم بعضا من انشغالات شاهين المبكرة، لا سيما على مستوى التحليل الاجتماعي، إلا أن الصراع لم يكن مطروحا بعمق كاف، ما يجعل العمل خطوة أولى في مسار فني كان لا يزال في طور التشكل.
ولم تتوقف ملامح هذه الرؤية عند بابا أمين، بل واصل شاهين تطويرها في أفلام لاحقة، من بينها ابن النيل، الذي استكمل فيه اختياراته الإخراجية، مع اعتماد أكثر وضوحا على حركة كاميرا انسيابية، بدت مختلفة عما كان سائدا في السينما المصرية آنذاك، وأسهمت في بناء سرد بصري أكثر حيوية.
ومن خلال هذا الامتداد، قدّم شاهين معالجة تجمع بين الدراما الاجتماعية والبعد النفسي، مع اهتمام ملحوظ بالجوانب البصرية، ما أسهم في ترسيخ ملامح توجهه الفني في مرحلة مبكرة من تجربته.
وشهدت الخمسينيات أيضا تقديم أفلام مثل صراع في النيل، إنت حبيبي، ودعت حبك، حب إلى الأبد وبين إيديك، التي تنوعت موضوعاتها مع الحفاظ على حضور بصمته الإخراجية.
وفي أواخر العقد نفسه، اتجه يوسف شاهين إلى موضوعات أكثر جرأة وتنوعا، كما يظهر في فيلم باب الحديد (1958)، الذي دارت أحداثه داخل أجواء محطة مصر، مقدما شخصيات تعيش على هامش المكان وحركته اليومية. ركز الفيلم على العزلة والصراع الداخلي لشخصية قناوي، ضمن تصوير واقعي للحياة اليومية، جعل من المكان عنصرا أساسيا في الحكاية دون افتعال.
وفي العام نفسه، قدّم شاهين فيلم جميلة، متناولا تجربة المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد في مواجهة الاستعمار الفرنسي. اعتمد الفيلم على سرد مباشر، وانتقل فيه شاهين من الهم الاجتماعي المحلي إلى طرح سياسي أكثر وضوحا. وتعكس التجربتان اتساع دائرة اهتماماته في تلك المرحلة، مع استمرار البعد الإنساني كعنصر مركزي في أعماله.
هموم قومية وتداعيات النكسة
إذا كان العقد الأول من سينما يوسف شاهين يمثل النواة التي تشكلت خلالها ملامح التمرد والواقعية غير النمطية في أفلامه، فإن مرحلتي الستينيات والسبعينيات شهدتا تركيزا أوضح على الوعي القومي، وانشغاله بالأحداث السياسية والمجتمعية، واتساعا في نطاق الموضوعات.
في هذه المرحلة، اتجه يوسف شاهين إلى تناول قضايا عامة ذات أبعاد سياسية واجتماعية، وهو ما بدا واضحا في أفلام مثل “الناصر صلاح الدين”، الذي قدمه في أوائل ستينيات القرن الماضي. ويعد الفيلم عملا تاريخيا ملحميا، اعتمد على إنتاج ضخم ورؤية بصرية واسعة، وتناول فترة الحروب الصليبية، مركزا على توحيد صلاح الدين للجبهة العربية، والصراع مع ريتشارد قلب الأسد، ومحاولات استعادة القدس.
“وخلال المرحلة نفسها، قدّم شاهين فيلم “بياع الخواتم”، من بطولة المطربة اللبنانية فيروز، وهو عمل غنائي استعراضي لجأ من خلاله إلى السخرية السياسية داخل إطار واقعي.
وفي “فجر يوم جديد” عبر عن حالة القلق والاغتراب التي عاشتها الطبقة البرجوازية في أعقاب ثورة يوليو/تموز 1952، وفشل هذه الطبقة في استيعاب التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع المصري آنذاك.
واصل يوسف شاهين اهتمامه برصد التحولات السياسية والمجتمعية في أعقاب نكسة يونيو/حزيران 1967، من خلال مجموعة من الأفلام التي عُرفت لاحقا بـ”ثلاثية النكسة”، والتي ضمت أفلام “الاختيار” و”العصفور” و”عودة الابن الضال”. وإلى جانب هذه الأعمال، قدّم فيلم “الأرض” عام 1970، الذي حاول من خلاله تفكيك الأسباب الاجتماعية للهزيمة، عبر طرح نقد واضح للفساد وحالة الانهيار، والدعوة إلى المقاومة واستعادة الوعي.
في “العصفور” تناول شاهين التأثير المباشر للنكسة على المجتمع، وفي “الاختيار” عالج أزمة المثقف المصري بعد الهزيمة، أما “عودة الابن الضال”، فقد استكمل هذا المسار من زاوية جماعية، متناولا العلاقة المتوترة بين السلطة والجماهير، في سياق يعكس خيبة الأمل وتوق التغيير في مرحلة ما بعد الهزيمة.
الذاتية
مع أواخر السبعينيات، دمج يوسف شاهين اهتمامه بالقضايا القومية بمساره الشخصي من خلال الرباعية الذاتية التي قدّم فيها قراءة سينمائية لسيرته وصراعاته الفكرية. بدأت الرباعية بفيلم “إسكندرية ليه”، الذي تناول مرحلة الشباب وتجربة الهجرة إلى الولايات المتحدة، ثم “حدوتة مصرية”، حيث عاد إلى الطفولة في إطار أقرب إلى المحاكمة الذاتية، تلاه “إسكندرية كمان وكمان”، الذي واجه فيه أزماته الإبداعية وعلاقته بالسينما. واختتم شاهين الرباعية بفيلم “إسكندرية نيويورك”، مستكملا هذا المسار عبر شخصية “يحيى” التي ظهر بها انعكاسا مباشرا لذاته.
وخلال المرحلة نفسها، الممتدة من ثمانينيات القرن الماضي حتى بدايات الألفية الجديدة، واصل يوسف شاهين الاشتغال على الأسئلة الفكرية الكبرى. في أفلام مثل “الوداع يا بونابرت” و”اليوم السادس”، الذي أدت بطولته المطربة العالمية ذات الأصول المصرية داليدا،
قدّم يوسف شاهين مجموعة من الأفلام التي انشغلت بالصراع الفكري وقضايا حرية التعبير وتعدد الرؤى، من بينها المصير والمهاجر والآخر. وشهدت هذه المرحلة أيضا أعمالا مثل سكوت هنصور، وصولا إلى آخر أفلامه هي فوضى عام 2007، الذي طرح من خلاله قراءة حادة للواقع الاجتماعي والسياسي المأزوم.
“قلبي ينبض بسرعة، كنت أنتظر هذه اللحظة منذ 47 عاما”. بهذه الكلمات عبّر يوسف شاهين عن مشاعره وهو يتسلم جائزة  “اليوبيل الذهبي” للإنجاز مدى الحياة من مهرجان كان السينمائي عام 1997، في لحظة اعتُبرت تتويجا لمسيرة طويلة تجاوزت حدود السينما العربية إلى حضور عالمي لافت.
خلال مشواره السينمائي، حصد شاهين عددا من الجوائز الدولية، من بينها جائزة التانيت الذهبي من أيام قرطاج السينمائية عن فيلم “الاختيار”، والدب الفضي من مهرجان برلين عن فيلم “إسكندرية ليه”، إلى جانب جائزة فرنسوا شاليه من مهرجان كان عن فيلم “الآخر”. كما نال جائزة اليونسكو من مهرجان فينيسيا السينمائي، ومثّل فيلمه “جميلة” مصر في مهرجان موسكو السينمائي، إلى جانب مشاركات وإنجازات عالمية حققها خلال مسيرته”.
 
رحل يوسف شاهين عام 2008 بعد إصابته بجلطة في الدماغ، تاركا إرثا سينمائيا رسّخ مكانته كمخرج ذي حضور دولي، استطاع أن ينقل أسئلته المحلية إلى جمهور أوسع، دون أن يفقد خصوصية تجربته.
المصدر: الجزيرة
*********
المصادر:
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم