ونبتدي منين الحكاية
حمص أصل الحكاية
رحلة كفاح من نول الحرير إلى ريادة الكشافة.. سيرة الراحل “ناصر عبد الصمد” عميد فوج العاصي
حمص تشهد لقصة عصاميٍّ واجه اليتم بالمسؤولية، ونسج من خيوط الحرير تاريخاً من العطاء.
في أزقة حمص القديمة، وحيث تفوح رائحة التاريخ من حجارتها السوداء، تولد حكايات الرجال الذين حفروا أسماءهم بجهدهم وعرقهم في ذاكرة المدينة. ومن بين هؤلاء الرجال، يبرز اسم الحاج ناصر عبد الصمد (رحمه الله)، عميد فوج العاصي، الذي غادر دنيانا عام 2014م تاركاً خلفه إرثاً حافلاً بالقيم والكفاح والعمل الاجتماعي والمهني.
ولد الحاج ناصر عام 1927م في حي باب الدريب العريق (منطقة صليبة العصياتي)، في كنف عائلة حمصية بسيطة. ولم تكن ب those البدايات سهلة؛ إذ غيّب الموت والده وهو لا يزال في سنٍّ مبكرة، مما وضعه مباشرة أمام اختبار الحياة الصعب.
بشجاعة الكبار، تحمّل الفتى اليافع مسؤولية إخوته الصغار، وأبى إلا أن يكون السند والمعيل لعائلته، فكانت تلك المحطة هي التي صقلت شخصيته القيادية التي عُرف بها لاحقاً.
”لقد كانت طفولته مدرسة في تحمل المسؤولية، حيث تحوّل اليتم المبكر إلى وقود لعزيمة لا تلين.”
لم ينتظر الحاج ناصر هِبات القدر، بل بدأ خطوته الأولى في عالم العمل والإنتاج جنباً إلى جنب مع والدته:
نول الحرير الصغير: بدأ العمل مع والدته في صناعة “الصايات الحريرية” التراثية، محولين الخيوط البسيطة إلى قطع فنية تنبض بالجمال والأصالة.
شراكة النجاح في خان القيسارية: مع تطور عمله واكتسابه خبرة واسعة، استأجر محلاً في خان القيسارية الشهير، وشارك الحاج عبد الحفيظ الطرشة، حيث شكّلا معاً نموذجاً للأمانة والجد في التجارة الحمصية.
التوسع إلى شارع أبي العوف: تتويجاً لمسيرته المهنية الناجحة، افتتح الحاج ناصر محله الخاص والمستقل في شارع أبي العوف، ليصبح واحداً من الوجوه التجارية والاجتماعية المرموقة في المدينة.
إلى جانب نجاحه المهني، كان للحاج ناصر عبد الصمد حضور بارز وفاعل في الحركة الكشفية والشبابية في حمص، حيث تولى منصب عميد فوج العاصي.
وقد انعكست تربيته العصامية وقدرته على تحمل المسؤولية في قيادته للفوج، فكان أباً وموجهاً لأجيال من الشباب، يغرس فيهم قيم الانضباط، والعمل الجماعي، وحب الوطن، وخدمة المجتمع.
في عام 2014م، ترجل الفارس عن صهوة الحياة بعد مسيرة دامت سبعة وثمانين عاماً قضى جلّها في العمل والكفاح وبناء الأجيال. غاب الحاج ناصر عبد الصمد جسداً، لكن اسمه بقي محفوراً في قلوب أبناء حمص، كرمز من رموز العصامية والوفاء، ورجل من زمن الكبار الذين نسجوا بيوتهم بالصبر والحرير.


