مسرحية “المأساة الإسبانية “

(The Spanish Tragedy) للكاتب الإنجليزي ، التي كُتبت نحو عام 1587، من أهم المسرحيات في عصر النهضة الإنجليزية، إذ تُعد العمل الذي أسّس تقاليد مسرح الانتقام (Revenge Tragedy) في الأدب الإنجليزي، ومهّد الطريق لأعمال لاحقة، وعلى رأسها مسرحية لشكسبير. وقد جمعت المسرحية بين المؤامرات السياسية، والصراعات النفسية، والعدالة المؤجلة، والعناصر الماورائية، لتصبح نموذجًا يُحتذى به في المسرح الإليزابيثي.

تبدأ أحداث المسرحية بظهور شبح أندريا الذي قُتل في الحرب بين إسبانيا والبرتغال، ويرافقه تجسيد رمزي لشخصية الانتقام (Revenge). ويقومان معًا بمراقبة الأحداث التي ستقود إلى تحقيق العدالة. بعد انتهاء الحرب يقع الأمير البرتغالي بالثازار أسيرًا لدى الإسبان، بينما تنشأ علاقة حب بين هوراشيو، ابن القاضي الملكي هيرونيمو، وبين بيل-إمبيريا، التي كانت مرتبطة سابقًا بأندريا. يثير هذا الحب غيرة الأمير البرتغالي، فيتآمر مع لورينزو، شقيق بيل-إمبيريا، لقتل هوراشيو سرًا، ثم يعلقان جثته في حديقة والده.

يمثل مقتل هوراشيو نقطة التحول الرئيسة في المسرحية، إذ يدخل والده هيرونيمو في دوامة من الحزن واليأس والجنون الظاهري. يحاول البحث عن العدالة عبر القضاء والسلطة الملكية، لكنه يواجه الفساد والتستر على الجريمة، فيدرك أن القانون عاجز عن معاقبة المجرمين. ومن هنا يتحول من رجل قانون يؤمن بالمؤسسات إلى رجل يسعى لتحقيق العدالة بيده، لتصبح فكرة الانتقام هي القوة المحركة للأحداث.

يضع هيرونيمو خطة دقيقة للانتقام، فينظم مسرحية داخل المسرحية يدعو إليها جميع المتآمرين للمشاركة في التمثيل. وخلال العرض يستبدل الأسلحة المسرحية بأسلحة حقيقية، فيقتل لورينزو وبالثازار، بينما تنتحر بيل-إمبيريا بعد أن تقتل من كان سببًا في مأساتها. وبعد أن يكشف هيرونيمو حقيقة المؤامرة أمام الجميع، يقتل نفسه، لتنتهي المسرحية بمشهد دموي يحقق الانتقام، لكنه لا يعيد الحياة إلى الضحايا ولا يحقق السلام الحقيقي.

تتناول المسرحية مجموعة من الموضوعات الفكرية المهمة، أبرزها العدالة والانتقام. فتوماس كيد يطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث عندما تعجز مؤسسات الدولة عن تحقيق العدالة؟ وهل يصبح الانتقام الفردي بديلًا مشروعًا عن القانون؟ ومن خلال شخصية هيرونيمو يبيّن أن الانتقام قد يحقق القصاص من الجناة، لكنه يقود أيضًا إلى مزيد من العنف والدمار، فلا يترك في النهاية سوى الخراب.

كما تبرز المسرحية قضية الفساد السياسي، حيث يتواطأ أصحاب السلطة والنفوذ لإخفاء الحقيقة، وهو ما يدفع البطل إلى فقدان ثقته بالنظام القضائي. كذلك تعالج موضوع الجنون، إذ يبدو هيرونيمو وكأنه فقد عقله، لكن هذا الجنون يمتزج بالحكمة والتخطيط، مما يجعل القارئ يتساءل عما إذا كان جنونه حقيقيًا أم وسيلة للتخفي حتى يحين وقت الانتقام.

ومن الناحية الفنية، تأثرت المسرحية تأثرًا واضحًا بالمسرح الروماني، ولا سيما بمآسي سينيكا، ويتجلى ذلك في حضور الأشباح، وكثرة مشاهد العنف، والخطب الطويلة، والنزعة الأخلاقية التي تؤكد أن الجريمة لا بد أن تُعاقب. كما أدخل كيد عنصر المسرحية داخل المسرحية، وهو الأسلوب الذي سيستخدمه شكسبير لاحقًا في Hamlet لكشف الحقيقة وإدانة المذنبين.

تكمن أهمية المأساة الإسبانية في أنها أرست الأسس الفنية لمسرح الانتقام في إنجلترا، وأثرت بعمق في المسرح الإليزابيثي كله. فقد قدمت نموذجًا دراميًا يجمع بين الصراع النفسي، والتشويق، والرمزية، والنقد السياسي، وأثبتت أن المسرح ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للتأمل في قضايا العدالة والسلطة والطبيعة الإنسانية. ولذلك تُعد هذه المسرحية حجر الأساس الذي انطلقت منه العديد من التراجيديات الإنجليزية اللاحقة، ولا تزال حتى اليوم من أهم الأعمال الكلاسيكية في تاريخ الأدب الإنجليزي.

# مجلة إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم