فيلم سعودي”مسألة حياة او موت”لغة بصرية عالية ومعالجة رومنسية رقيقة.

💥 «مسألة حياة أو موت» .. رومانسية تتحدى القدر فيلم سعودي يراهن على اللغة البصرية والرمز

الظهران ـ خاص «سينماتوغراف»

تخشى السينما الموت عادة، لكنها نادرًا ما تتعامل معه بوصفه نقطة انطلاق للحياة. في «مسألة حياة أو موت» لا يصبح السؤال: كيف يموت الإنسان؟، بل: كيف يعيش عندما يوقن أن نهايته معروفة؟، ومن هذه الفرضية يمسك المخرج أنس باطرف فيلمه، متجنبًا الميلودراما التقليدية، ومقتربًا من سينما العبث والواقعية السحرية، في تجربة تبدو من أكثر المحاولات السعودية جرأة على مستوى الفكرة واللغة البصرية.الفيلم لا يقدم عالمًا واقعيًا يخضع لقوانين المنطق، بل يصنع منذ مشاهده الأولى نظامًا خاصًا به، يطلب من المتفرج قبوله قبل الشروع في الرحلة. هنا، تتحول الخرافة إلى حقيقة لا يناقشها أحد، ويصبح موعد الموت جزءًا من الحياة اليومية، لا حدثًا استثنائيًا. هذه القاعدة هي ما يمنح الفيلم شخصيته، ويجعله أقرب إلى أفلام تبني كونًا مستقلاً له منطقه الداخلي، بدلاً من الاكتفاء بسرد حكاية رومانسية.في قلب هذا العالم تقف «حياة»، الشخصية التي تحمل اسمًا يناقض هاجسها الأكبر. تؤمن أن نساء عائلتها يرحلن جميعًا عند بلوغ الثلاثين، فتعيش وكأن العد التنازلي بدأ منذ ولادتها. لكن الفيلم لا يقدمها كضحية للخوف، بل كشخصية اختارت أن تواجه المصير بالسخرية والاندفاع والتمرد.هذا التناقض هو أكثر ما يميز كتابة الشخصية؛ فهي لا تبحث عن النجاة بقدر ما تبحث عن امتلاك قرارها الأخير. حتى محاولاتها الانتحارية لا تُقرأ بوصفها رغبة في الموت، بل احتجاجًا على فكرة أن القدر وحده من يملك حق تحديد النهاية. ومن هنا يكتسب الفيلم بعدًا فلسفيًا يتجاوز قصته العاطفية، ليصبح تأملًا في العلاقة بين الحرية والحتمية.نجحت سارة طيبة، التي شاركت أيضًا في كتابة السيناريو، في رسم شخصية يصعب اختزالها. أداؤها لا يعتمد على الانفعال، بل على بناء إيقاع خاص للحركة والنظرات وطريقة الكلام، حتى تبدو «حياة» وكأنها تنتمي إلى عالم آخر. ورغم غرابة الشخصية، تحافظ طيبة على خيط إنساني يجعلها قريبة من المتفرج، فلا تتحول إلى مجرد فكرة رمزية.ويأتي يعقوب الفرحان في الاتجاه المعاكس تمامًا. شخصية الطبيب يوسف تمثل العقل والمنطق والنظام، لذلك لا يكتمل حضورها إلا عندما تبدأ بالتشقق تحت تأثير «حياة». ويقدم الفرحان أداءً هادئًا يعتمد على التفاصيل الصغيرة أكثر من الانفعالات الكبيرة، بينما يكشف في النصف الثاني من الفيلم عن هشاشة الشخصية حين يجد نفسه مضطرًا لمواجهة الخوف ذاته الذي كانت البطلة تعيشه منذ البداية.لكن قوة الفيلم لا تكمن في الشخصيات وحدها، بل في تصميم عالمه البصري. فالمكان ليس خلفية للأحداث، وإنما عنصر درامي يشارك في السرد. منزل «حياة» أشبه بمتحف للزمن؛ ساعات لا تتوقف عن التذكير بالنهاية، وألوان مشبعة، وأثاث مزدحم، وتفاصيل تخلق شعورًا بأن البطلة تعيش داخل رأسها أكثر مما تعيش في منزلها. حتى القطة السوداء لا تؤدي وظيفة واقعية، بل تتحول إلى استعارة بصرية تستدعي حضور الأسطورة والخرافة والموروث الشعبي.هذا الوعي البصري ينسحب على بقية عناصر الفيلم. فالألوان لا تُستخدم للزينة، وإنما للتعبير عن الحالة النفسية، بينما تتحول الأشياء اليومية إلى علامات رمزية، في أسلوب يذكر بأفلام تمزج الواقع بالغرائبية دون أن تعلن ذلك صراحة.أما الشخصيات الثانوية، فقد منحت الفيلم واحدة من أكثر طبقاته متعة. العمّتان، اللتان أدتهما أماني الجميل وغادة عبود، لا تمثلان مجرد استراحة كوميدية، بل تجسدان ثقافة شعبية كاملة قائمة على الإيمان بالطالع واللعنات والغيبيات. حضورهما يوسع عالم الفيلم، ويضيف إليه حسًا ساخرًا كان يستحق مساحة أكبر.ورغم كل هذا الثراء، لا يخلو الفيلم من تعثرات درامية. فالعلاقة العاطفية بين يوسف وحياة تتطور بوتيرة أسرع مما يسمح به البناء النفسي للشخصيتين، ويأتي قرار الزواج أقرب إلى ضرورة سردية منه إلى نتيجة طبيعية للتقارب بينهما. كما يميل السيناريو أحيانًا إلى تفسير أفكاره بالحوار، بينما كانت الصورة قادرة على حمل جزء كبير من هذا العبء، وهو ما يؤدي إلى بعض الترهل في الإيقاع، خاصة في الثلث الأخير.إخراجيًا، ينجح أنس باطرف في الحفاظ على نبرة واحدة رغم انتقال الفيلم بين الرومانسية والكوميديا السوداء والدراما الوجودية. لا يخشى المبالغة في بعض المشاهد، ولا يتردد في صناعة لحظات تبدو عبثية، لكنه يظل وفيًا للعالم الذي أسسه منذ البداية، فلا يشعر المشاهد بأن الفيلم يفقد بوصلته.الأهم أن «مسألة حياة أو موت» لا يكتفي بكونه قصة حب، ولا فيلمًا عن الموت، بل هو عمل عن الخوف الذي يصنعه اليقين، وعن الإنسان حين يتحول الزمن إلى خصمه الأول. وهو بذلك يفتح بابًا جديدًا أمام السينما السعودية، بعيدًا عن الواقعية الاجتماعية التي هيمنت على معظم تجاربها الأخيرة، ليقدم فيلمًا يؤمن بأن الخيال والرمز والغرائبية يمكن أن تكون أدوات فعالة لطرح أسئلة إنسانية عميقة. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم