بقلم د.علي خليفة
يستدعي كاسونا الشيطان في هذه المسرحية، وقد كان للشيطان حضور مؤثر أيضًا في مسرحيته الأخرى “قارب بلا صياد”، وقد ذكر كاسونا في مسرحية “الشيطان مرة أخرى” أن الشيطان له حضور قوي في الأدب الأسباني القديم، لا سيما الشعبي منه.
وفي مسرحية “قارب بلا صياد” يعقد رجل أعمال تعرض للإفلاس صفقة مع الشيطان تقوم على أن يعيد الشيطان لهذا الرجل ثروته التي خسرها ومكانته الكبيرة التي فقدها، في مقابل أن يوقع على عقد يقر فيه أنه يوافق على جريمة قتل لشخص لا يعرفه، ويتردد ذلك الرجل في الموافقة على هذا العقد، ولكنه يوافق في النهاية، ويشعر بتأنيب ضمير شديد بعد ذلك؛ لموافقته على قتل ذلك الصياد الذي لم يكن يعرفه، ويرحل ذلك الرجل للقرية التي كان يعيش فيها ذلك الصياد، ويتعرف على زوجته المكافحة، ويشعر أنه لا يرغب في كل الثروة التي عادت له عن طريق الشيطان في مقابل أن يعود له ضميره السليم وإحساسه بالرضا، وينجح في هذا الأمر، وينتصر على الشيطان في النهاية، ويبطل العقد الذي عقده معه، ويكتشف أنه لم يكن سببًا في قتل ذلك الشخص، ولكن قتله شخص آخر كان يغار منه، وتنتهي المسرحية بتخلي ذلك الرجل عن تلك الثروة التي أعادها الشيطان له، وبحبه لزوجة ذلك الصياد، وزواجه منها.وفي مسرحية “الشيطان مرة أخرى” نرى الشيطان يتظاهر بالنبل وطهارة الصدر مرة أخرى، ويظهر لشاب أسباني ما زال في مرحلة الدراسة، ويتعرف عليه الطالب بمنتهى السهولة؛ لكثرة ذكر الشيطان في الأدب الكلاسيكي الأسباني، ويعرض الشيطان صداقته على ذلك الطالب، ويغريه بهذه الصداقة بذكره أنه يستطيع أن يقدم خدمات كثيرة له، ويعرفه في الوقت نفسه أنه ليس الشخص السيئ الذي تكثر عنه القصص والحكايات المرعبة والمخيفة والتي تظهره شريرًا، ولا يبدي الطالب اهتمامًا بكلام الشيطان، ويتركه وينصرف.ويتعرف الطالب على ابنة الملك – التي قرأت كثيرًا من قصص المغامرات حتى إنها صارت أسيرة لها؛ ولذا تتمنى أن تتزوج من رئيس عصابة قاطع طريق، وقد خرجت للصحراء عساها تجد ذلك الشخص الذي يخطفها ويتزوجها – ويعرف الطالب من ابنة الملك رغبتها في أن يخطتفها قاطع طريق ويتزوجها، ويشعر أنه قد أحب هذه الفتاة.
وأدرك الشيطان أن هذا الطالب قد صار بعد حبه هذه الفتاة في حاجة إليه، فيأتيه مرة أخرى، ويعرض عليه صداقته وخدماته، فيقبل الطالب صداقته وخدماته حتى يصل لقلب هذه الفتاة.
ويستطيع الطالب بمساعدة الشيطان أن يكون رئيس عصابة قطاع طرق، وأن يكون له أتباع، كما أن الشيطان يحل مربيًا لابنة الملك مكان مربيها المدعي الذي يعشق الحديث باللاتينية بشكل مبالغ فيه.وتصبح هذه المملكة بأثر من الشيطان معرضة للحروب والأوبئة، ويعرف الشيطان ابنة الملك أن زوال كل هذه المخاطر عن المملكة لن يتم إلا بقتل الشيطان، وأن الشيطان لن يقتل إلا بخنجره، وأن هذا الخنجر قد حصل عليه الطالب الأسباني.ويعطي الشيطان خنجره للطالب، ويعرفه أنه بإظهاره للفتاة وأبيها الملك فإنهما سيعرفان أنه قتل الشيطان.ويعرض الملك ابنته ومملكته لمن يقتل الشيطان، وتأتي ابنة الملك للطالب في فندق كان موجودًا فيه، ويجعله الشيطان يشرب سائلاً فيه مادة سحرية، وأثرت عليه، وكاد يهجم على ابنة الملك، لكنه قبيل أن يفقد سيطرته على نفسه نادى على مهرج ابنة الملك، وأمره بتقييده، وإحضار الملك؛ ليأخذ ابنته.
وحين يحضر الملك يرى الطالب مقيدًا، ويعرفه الطالب أنه انتصر على الشيطان، وأنه معه خنجره وفيه قطرات من الدم.وانتصار الطالب على الشيطان هنا وقتله إياه ليس بشكل مادي، ولكن بشكل معنوي، فهو قد قتله حين قهر الرغبة في الشهوة التي أثارها فيه حين جاءته ابنة الملك، وطلب إلى المهرج أن يقيده؛ حتى لا يعتدي على ابنة الملك، وهو واقع تحت تأثير هذه الشهوة التي أثارها فيه الشيطان.وهكذا نرى الشيطان مهزومًا مرة أخرى بالخير الذي في الانسان، كما هزم أيضًا بالوسيلة نفسها في مسرحية “قارب بلا صياد”.
وتعد مسرحية “الشيطان مرة أخرى” مسرحية كوميدية، وذلك على الرغم من الأجواء الخيالية والفنتازية فيها، فأحداثها تتم في عصور قديمة، وفي بلد خيالي، ونرى أثر السحر والخيال واضحين فيها.وكثير من الشخصيات في هذه المسرحية تثير الفكاهة بتصرفاتها، فابنة الملك لا تعيش الواقع، ولكنها تعيش في أجواء الخيال، وترغب بسبب ما قرأته من قصص المغامرات في أن يختطفها قاطع طريق ويتزوجها، وتتحقق أمنيتها، ويصبح هذا القاطع للطريق ملكًا وزوجا لهذه الأميرة، وهو كان طالبًا من قبل.ومربي هذه الأميرة شخص مدعٍ، ويحلو له كثيرًا أن ينطق بالحكم باللغة اللاتينية، ويستطيع الشيطان أن يقنعه بأن يجعله مربيًا للأميرة مكانه.وكاسكبيل مضحك الأميرة هو شخص ظريف، ويكاد لا يفارق الأميرة، وهو يقوم بأعمال إيجابية إلى جانب إثارته الفكاهة بظرفه وتعليقاته في هذه المسرحية.ورئيس العصابة الأول الذي كان يقطع الطريق يظهر شخصًا يحاول أن يقوم هو وعصابته بالسرقة حسب قواعد وضعها مع عصابته، وهم يَرَوْن أنها تجعلهم يظهرون محقين في سرقة من يقومون بسرقتهم، وما أشبه هؤلاء اللصوص ببعض اللصوص المثقفين والمجادلين الذين حدثنا عنهم الجاحظ في كتاب “اللصوص”، وذكر التنوخي بعض أخبارهم في كتاب “نشوار المحاضرة” نقلاً عن كتاب “اللصوص” المفقود للجاحظ.أما الشيطان في هذه المسرحية فهو منافق، ويدعي أنه مسالم، ويرغب في مصاحبة البشر من أجل صالحهم، ولكنه يبطن الشر في داخله، وقد استطاع الطالب أن ينتصر عليه في هذه المسرحية.


