بقلم د. علي خليفة
(١)على الرغم من أن مسرحية أهل الكهف هي أول مسرحية نشرها توفيق الحكيم – كان ذلك سنة ١٩٣٣ – فإنها أشهر مسرحياته، وأكثرها اهتماما من قبل النقاد والباحثين، ففد كتبت عنها دراسات عديدة، وكتبت عنها كتب منفردة، كما أنها كانت باكورة المسرحيات التي عرضت في المسرح القومي بإخراج زكي طليمات سنة ١٩٣٥.وسأكتفي في هذا المقال بدراسة مستويات الصراع المختلفة في هذه المسرحية.
(٢)وأهم مسوى من مستويات الصراع في هذه المسرحية هو الصراع بين الإنسان والزمن، وتشكل هذه المسرحية مع مسرحية رحلة إلى الغد، ومسرحية لو عرف الشباب، ثلاثية الصراع مع الزمن في مسرح توفيق الحكيم.
ومن الواضح – بالنظر لهذه المسرحيات الثلاث – أن توفيق الحكيم يرى استحالة عيش الإنسان في زمن غير الزمن الذي ولد وعاش فترة طويلة من حياته فيه، فهو لا يستطيع أن يتألقم مع عصر سابق على عصره، كما نرى هذا في مسرحية أهل الكهف، كما أنه لا يستطيع وقد صار شيخا مسنا أن يعيش حياة الشباب بعقل الشيوخ، لو استطاع العلم أن يعيد له شبابه، بل إنه سيشعر أنه غريب على ذلك العالم، كما نرى ذلك في مسرحية لو عرف الشباب، وأيضا يرى توفيق الحكيم أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش خارج قانون الزمن على الأرض لو تمكن من العيش في كوكب لا يخضع للزمن، وتكون الحياة عليه أبدية، كما صور ذلك في مسرحية رحلة إلى الغد.وعلى الرغم من أن بعض شخصيات توفيق الحكيم في هذه المسرحيات الثلاث قد حاولت حينا من الزمن التأقلم مع الوضع الذي فرض عليها بالقفز فوق الزمن أو الخروج عن سلطانه – فإنها لا تلبث أن تقر بسلطان الزمن، وتشعر بقهر الزمن لها، وتخضع له بعد قدر من الصراع لها معه في تلك المسرحيات.
(٣)وقد اكتشف أهل الكهف في مسرحية أهل الكهف أنهم بعثوا لحياة مختلفة بعد أن ناموا في كهف الرقيم نحو ثلاثمائة عام، وحاولوا أن يتقبلوا هذا الوضع في البداية، ولكن كل واحد منهم حين رأى أن كل ما كان يجعله يتمسك بحياته القديمة – قبل ذلك القفز فوق الزمن – قد تغير فإنه لا يسعه عند ذلك غير أن يرتد للكهف، فيمليخا الراعي حين لم يجد غنمه في المكان الذي خبأها فيه سارع بالفرار من ذلك العصر الغريب عليه مع كلبه الذي استنكرته الكلاب هو أيضا إلى الكهف.وكذلك كان حال مرنوش فهو بعد أن عرف أن زوجته وولده الوحيد قد ماتا منذ نحو ثلاثمائة سنة – وهو ما زال شابا – رأى أن ما يربطه بذلك العالم الجديد عليه لا يمثل له أي قيمة، فارتد هو أيضا للكهف.وكان صراع ثالث أهل الكهف مشلينيا مع الزمن هو أطول صراع لواحد منهم مع الزمن، فقد ظن في البداية أن بريسكا الحفيدة التي تشبه جدتها – وهي بريسكا الجدة التي عاشت منذ ثلاثمائة عام – هي نفسها بريسكا الجدة، فتمسك بها؛ وتمسك بالتالي بذلك العالم الجديد عليه، وحتى عندما أدرك أنها ليست بريسكا الجدة وإنما هي بريسكا الحفيدة التي يفصله عنها ثلاثمائة عام وتختلف في بعض صفاتها عن بريسكا الجدة فإنه تمسك بها، وشعر أن قلبه تحرك لها هي أيضا، وحاول من خلال تمسكه بها أن يتعايش مع ذلك العالم الجديد عليه، ولكن كان لا بد للزمن أن ينتصر على القلب والحب، فأنكرت بريسكا الحفيدة على مشلينيا حبه لجدتها في صورتها، أو أن تكون بديلا لجدتها بريسكا في أن يحبها هي لشخصها؛ مما جعل مشلينيا يرتد هو الآخر للكهف، وعندما ذهبت بريسكا الحفيدة للكهف بعد شهر من ذهاب مشلينيا له اكتشفت أن به رمقا من حياة، فصرحت له بحبها له، وحاولت أن تسعف حياته، وقالت له: إن الحب سينتصر على الزمن من خلالنا، ولكن مشلينيا يموت قبل أن يأتي غالياس – مؤدب بريسكا والذي صحبها للكهف – بالماء ليشربه مشلينيا وتنتعش حياته؛ ليؤكد المؤلف أنه لا شيء يمكنه أن يقهر الزمن، ولا حتى عاطفة الحب.أما المستوى الثاني من الصراع في هذه المسرحية فهو الصراع بين الواقع والحقيقة، والواقع في هذه المسرحية أن مشلينيا قد أحب بريسكا الحفيدة التي رآها بعد قيامه من نومه الذي استمر ثلاثمائة عام في الكهف، وقد عبر مشلينيا لبريسكا الحفيدة عن أنه يحبها هي لسخصها على الرغم من اختلاف شخصيتها عن بريسكا الجدة، وحاول أن يجعلها تتجاوب معه في حبه إياها؛ ليستطيع مقاومة الزمن والعيش في ذلك العالم الغريب عليه، ولكن بريسكا خلال حوارها الطويل معه – في الفصل الثالث من هذه المسرحية – واجهته بالحقيقة، وهي أنه يفصل بينهما ثلاثمائة عام، وأدرك عند ذلك مشلينيا هول هذه الحقيقة، فارتد للكهف.وأيضا من مستويات الصراع الأخرى في هذه المسرحية الصراع النفسي في داخل مشلينيا، فهو عندما رأى بريسكا الحفيدة ظنها في البداية بريسكا الجدة، وعندما تحدث معها رأى أنها أشد ذكاء وأعمق فكرا من بريسكا الجدة، ولكنها لا تمتلك صفاء قلبها وبساطة تفكيرها، ورغم ذلك فإنه أعجب بها في ذلك الموقف نفسه، وشعر أن قلبه تحرك نحوها، ورأى أنه يمكن أن تتحول بريسكا الجدة لذكرى، وتصبح بريسكا الحفيدة هي التي يشتعل قلبه بحبها، وكل هذا الصراع – مع التقلبات المختلفة فيه – حدث في موقف واحد. ولا شك أن كل هذه التقلبات التي رأيناها في هذا الموقف من مشلينيا ناحية بريسكا الجدة وبريسكا الحفيدة – لا يمكن أن تحدث في موقف واحد.وكذلك من مستويات الصراع في هذه المسرحية الصراع الداخلي في نفس بريسكا الحفيدة – في ذلك الموقف الذي تحدثت فيه مع مشلينيا في بهو الأعمدة بالقصر الملكي في الفصل الثالث من هذه المسرحية – ففد استغربت في البداية حين رأت مشلينيا يكلمها بجرأة كبيرة كأنه يعرفها معرفة قوية، وكأن بينهما علاقة حب كبيرة، ثم أدركت أن وجه الشبه بينها وبين بريسكا الجدة هو الذي جعل مشلينيا يظنها بريسكا الجدة، وجعله لا يدرك أنه قد مضى ثلاثمائة عام على بعثه مع رفيقيه من الكهف، وحين عرفت بريسكا الحفيدة مشلينيا بحقيقة كونها حفيدة لجدتها التي تنبأ عراف عند مولدها أنها ستكون شبيهة لها فإنه ظل متمسكا بها؛ حتى لا يفقد علاقته بذلك العالم الجدبد الذي بعث إليه، وعندما أخبرها أنه يحبها لشخصها هي رفضته، وإن كانت بعد ذلك قد راجعت نفسها، وشعرت بميل عاطفي نحوه، وذهبت إليه بعد شهر من ذهابه للكهف، وحاولت استبقاء حياته حينما كان يحتضر، ولكنه مات عند ذلك، وهنا قررت أن تدفن معه في الكهف حية؛ عسى أن تبعث معه في عصر آخر، وينعما بالحب، وكذلك حتى تنفذ الحلم الذي حلمته من فترة قريبة، وهو أنها ستدفن حية.وبهذا رأينا مستويات متعددة ومتنوعة للصراع في هذه المسرحية؛ مما زاد من عوامل الإثارة والتشويق فيها، وذلك رغم وجود بعض مواقف في هذه المسرحية كانت حشوا فيها وخا ج إطار الصراع بها، كالحديث عن الفتى الياباني الذي غاب عن قومه أربعمائة عام، ثم بعث من جديد، واختفى مرة أخرى


