#محمود_جركسستة عقود من الفن الهادئ والحضور الذي لا يُنسى محمود جركس أكثر من مجرد اسمٍ عابر في تاريخ الدراما السورية. لا بل تجسيد حقيقي للزمن الجميل، يحيي الذكريات كما تفعل رائحة دمشق القديمة في أمسيات الشتاء الهادئة. وُلد عام 1933 في دمشق، المدينة التي كانت حكاياتها تسير بين الأزقة وتختبئ في ملامح الناس. في هذا السياق الثقافي، نشأ حسّه الإنساني، مما أعده ليكون فناناً قادراً على تجسيد الشخصيات بطريقة تعكس عمق الروح الإنسانية.في عام 1958، دخل جركس عالم الفن عبر المسرح العسكري. لم يكن هذا الدخول مجرد صدفة، بل كان بداية رحلة اختارها بشغف وتعب. خلال تلك الفترة، شهدت سوريا انطلاق المسرح والتلفزيون، وكان جركس جزءاً من جيل ساهم في تشكيل معالم الفن. لم يكن حضوره مصحوباً بالصخب، لكنه كان ثابتاً؛ إذ أدرك أن القيمة الحقيقية لا تقاس بشهرة الضوء، بل بعمق الأثر الذي يتركه.مع بداية الستينيات، بدأ جركس يتوسع في الفضاء المسرحي، حيث شارك في نادي الأزبكية وفرقة المسرح الحر. كانت تلك الفترة نقطة تحول ثقافية تعيد تعريف المسرح السوري، حيث لم يعد جركس مؤدياً وحسب، بل أصبح فناناً يحيي النصوص ويعيد تشكيل آلام الناس بصدق وعفوية. شخصياته كانت مستمدة من الشارع السوري، مما جعلها تلامس قلوب الجمهور. لم يقتصر على المسرح فقط، بل وسع مجاله ليشمل التلفزيون والسينما والإذاعة والدوبلاج. هدوءه الفريد وقدرته على ترك أثر لا يُنسى جعلاه واحداً من الأسماء التي لا يمكن فصلها عن الذاكرة الفنية السورية. قدم أكثر من ستين عملاً مسرحياً وعشرات المشاركات الدرامية، مما عزز مكانته في عالم الفن.في أعماله المبكرة مثل “أبو البنات” و”لقاء في تدمر”، تجلت موهبته المتنامية. كما تعمق في أعمال تاريخية مثل “انتقام الزباء” و”زنوبيا ملكة تدمر”، حيث استطاع الاقتراب من التاريخ من خلال إنسانيته. كان يجسد الشخصيات وكأنه يستخرج أصواتها الداخلية، مما جعلها أكثر قرباً وصدقاً.مع ازدهار الدراما السورية في التسعينيات، برز محمود جركس بمزيد من النضج. شارك في أعمال بارزة مثل “شجرة النارنج” و”هجرة القلوب إلى القلوب”، مما جعله واحداً من الممثلين الذين يتركون بصمتهم بلا ضجيج. في مسلسل “الخوالي”، قدم شخصية “أبو عائشة” بدفء إنساني، بينما جسد في “صقر قريش” شخصية “أبو النجم الطائي” بعمق يتناسب مع العمل التاريخيلم يقتصر تأثيره على الشاشة الكبيرة فقط، بل امتد إلى عالم الدوبلاج، حيث ترك بصمته في أعمال مثل “فيكي الفايكنج” و”وداعاً ماركو”. كما أضاف حضوره الإذاعي بعداً جديداً لتجربته، إذ نقل صوته إلى مساحات أكثر حميمية، مما جعل الكلمة تكفي لصنع المشهد.في 25 يوليو 2023، رحل محمود جركس عن هذا العالم بعد حياة ناهزت التسعين عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فنياً غنياً. رغم ابتعاده عن الأضواء في سنواته الأخيرة، ظل اسمه حاضراً في ذاكرة الفن السوري كجزء أصيل من مرحلة التأسيس والتحول. لقد كان من الفنانين الذين يقيسون الفن بما يقدمونه له من صدق والتزام، وليس بما يأخذونه منه.تظل سيرة محمود جركس درساً في الوفاء للمهنة، وإيماناً بأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج ليبقى. عاش فناناً يعمل في صمت، ويترك أثراً عميقاً، مغادراً تاركاً خلفه إرثاً من الأدوار والأصوات التي تبقى خالدة في الذاكرة.🌷🌷🌷🌷🌷تحرير: حسان سعد #سوريات_Souriatالشاعر سام شفيق موعي#مجلة ايليت فوتو ارت.


