المكان في الرواية
بقلم مصطفى لغتيري
لا جدال في أن المكان يعتبر من أهم مكونات العمل الأدبي وحتى وإن اختلفت التسميات بين من يستعمل مصطلح المكان ومن يوظف مصطلح الفضاء باعتبار أن هذا الأخير أشمل وأعم من الأول، غير أن دلالتهما تكاد تكون متقاربة في التداول الاصطلاحي إذا استثنيا فروقا بسيطة، بحيث يدلان معا على الحيز أو الأحياز التي تتنقل فيها الشخصيات في العمل الأدبي عموما والقصة والرواية على وجه الخصوص، بحيث يصعب تصور رواية أو قصة بدون مكان، فهو الوعاء الذي يحتوي الأحداث والشخصيات على حد سواء. أما بخصوص إذا ما كان المكان يشكل سيرة الكاتب أم سيرة للمكان، فالأمر متداخل جدا وجدلي بشكل مربك، فالكاتب غالبا ما يكتب عن أمكنة تعرف عليها، وعاش فيها وربط معها علاقة من نوع ما، قد تكون علاقة حب حميمية أو علاقة كره بحسب الوقائع التي عاش فيها، والكاتب بالطبع يضيف من خياله الشيء الكثير عند تصويره لهذه الأمكنة، لكن يبقى المكان بشكله الواقعي هو المنطلق اللهم إذا استثنيا المكان الفنطاستيكي ذا الحمولة الأسطورية، وحين ينشئ الكاتب المكان داخل القصة أو الرواية كما تخيله وكما يستجيب لهدفه من كتابة الرواية، فإنه يسجل سيرة هذا المكان كتحصيل حاصل، و إن كان الأمر ليس بهذه البساطة كما أشرت لذلك سابقا، لأن الأديب لا يسجل الواقع كما هو ولا يستنسخ الأمكنة، وإنما يصور المكان كما وقر في ذهنه ومخيلته أو كما يتمنى أن يكون، بما يستجيب لرؤيته الجمالية للعمل الأدبي عموما. لكل ذلك من الصعب الجزم في الأمر ويتوجب التعاطي معه بكثير من الاحتراز.


