ما زال يبحث عن اللحظة الصافية… الشاعر عباس حسين

الشاعر عباس حسين :

كل ما كتبته حتى الآن كان (عني)

تعلمت من بابل أن أكتب من العمق وأنظر إلى ما يطفو على السطح

حين ينجح الشاعر في إنتاج نص شعري حقيقي فهو يتبنى بالضرورة قضايا إنسانية

عزاء الشاعر في شعره

حاورته : أزهار الأنصاري

ليس من السهل تقديم شاعر يرفض الاصطفاف داخل الألقاب ولا يعترف بالمشاهد ولا بالتيارات ويكتب وكأنه يؤدي فعلًا وجوديًا لا يقبل المساومة.عباس حسين شاعر يأتي من منطقة مختلفة، من عمق التجربة لا من ضجيجها، ومن وعي يرى الشعر فعل تنبيه لا ترفًا لغويًا ومسؤولية لا زينة ثقافية. ولد في بابل، المدينة التي لا تُورَّث مجدها، تختبر أبناءها، فتعلم منها أنَّ الغوص أصدق من الطفوله، وأنَّ من ينجح في النزول عميقًا لا يحتاج إلى قارب نجاة. في نصوصه كما في حياته، يتجاور القانون مع الشعر لا بوصفهما مسارين متناقضين، وإنّما كقدرَين فُرضا عليه، وتعلّم أن يتصالح مع قسوتهما معًا. هو شاعر يرى أنَّ النص الحقيقي إما أن يولد كاملًا، أو لا يولد وأنَّ الشعر لا يُصنَع، يُكتشَف مثل نيزك يسقط فجأة ويغيّر شكل المكان إلى الأبد. تعالوا معنا في هذا الحوار الشائق نتعرف على بعض آرائه..

* بعيدًا عن الألقاب والشهادات والسير الرسمية من هو عباس حسين كما يعرف نفسه للقراء؟ـ شخص يريد ألا ينكسر مهما حصل، ويفضح الخديعة، لا يخرج من الدائرة وإنَّما يرتفع في داخلها ليرى ما يحدث.

* ما اللحظة الأولى التي شعرت فيها أنَّك كتبت قصيدة حقيقية وليست مجرد محاولة؟ـ في المرحلة الإعدادية، وفي عمر 15 سنة تحديدًا، كُنتُ أشعر بأنَّ الشاعر نبي أو شخص خارق للطبيعة وأتحدث بكل مصداقية، وعن اللحظة التي شعرت بها أنَّي كتبت نصًا شعريًا حقيقيًا كانت من خلال الناس، وهذه اللحظة أسميها (الصافية) فمنذ أن صفقوا لي، وأنا على المنصة أدركت تلك اللحظة الصافية، وفي كل مرة أجد أحدًا أو أسمع به يقرأ نصًا من نصوصي تتكرر تلك اللحظة الصافية، وأحيانًا اقرأ نصًا من نصوصي بصورة خاطئة فيصححون لي كوني لا أحفظ نصوصي فأشعر بتلك اللحظة الصافية، وأعتقد أنني الآن توصلت إلى قناعة حتمية، أنَّ الشاعر مهما أنتج من نصوص مغايرة وعظيمة فإذا لم تتكرر معه هذه اللحظة الصافية، فعليه مراجعة نفسه، بقساوة تامة، أما المغادرة والرحيل عن الشعر بصورة كاملة، أو إنتاج نصوص إبداعية مغايرة وعظيمة جديدة تحقق ما حققته نصوصه القديمة التي أوصلته إلى اللحظة الصافية ضالتنا.* ولدت في بابل مدينة الحضارات والأساطير كيف انعكس هذا الإرث التاريخي على وعيك الشعري؟ـ تعلمت من بابل أن أكتب من العمق وأنظر إلى ما يطفو على السطح، في النهاية من ينجح في الغوص عميقًا لا يحتاج إلى قارب نجاة.

*هل تؤمن أنَّ الشاعر يجب أن يعيش التجربة ليكتب عنها أم أنَّ الخيال وحده يكفي لخلق نص صادق؟ـ الخيال لا يعمل من دون الأحلام، والأحلام تولد من الواقع والتجربة، وبالتالي حين تملك الوقود ” الخيال ” وليس المركبة الفضائية ” التجربة ” التي تريد أن توصلك إلى هناك /الشعر/ فلن تصل إلى هناك، وكل ما سوف تطرحه مجرد هذيان وأوقات فراغ وترف. النص الحقيقي يحتاج إلى تجربة أي تجربة وخيال غير متوقع.

* كتابك (القبور ظروف والموتى رسائل) فاز بجائزة الرافدين للشعر عام 2022 ما الحكاية التي تختبىء خلف هذا العنوان المثير؟ـ في الخامسة من عمري حلمت بأني وقعت في تابوت وبصعوبة بالغة تمكنت من الخروج منه وبمساعدة أمي. لم استطع نسيان ذلك الحلم أبدًا، أعتقد أنه سيعيش معي ما حييت، واذا ما قرأ أحدهم كتابي في يوم ما سيشعر بهذا الحلم وكأنه يقودني إلى رسائل عديدة ينبغي فتحها والتمعن فيها جيدًا، رسائل من الإنسان الذي مات أولًا. *هل كنت تتوقع أن يلقى هذا الديوان كل هذا الصدى أم أنَّ الجوائز جاءت كدهشة جميلة في الطريق؟ـ الشاعر في بداياته يحلم وفيما بعد يتوقع، نعم كنت أتوقع ذلك، وما زلت أتوقع المزيد.

* (الاجتياح البابلي الثالث) :عنوان عملك الشعري الآخر فما الذي أردت اجتياحه بالكلمات ,الذاكرة أم التاريخ أم الواقع المعاصر؟ـ الاعتماد على الذاكرة فقط لاجتياح التاريخ والواقع وهذا ما يفلح به الشاعر عادةً، أردت من خلال هذا العنوان أن أصعد فوق الذاكرة مثل بساط علاء الدين وأعود إلى الماضي، ومن هناك أقول لهم إنَّ الاجتياح الثالث نحن أبناء العراق وبابل قمنا به أيضًا، ولكن على أنفسنا هذه المرة نحن من اجتحنا أنفسنا ، اجتحنا قيمنا وأخلاقنا وكل ما يمكن أن نتمسك به في مواجهة العالم، تنازلنا عن كل شيء وأغلقنا دكان الحضارة وسلمنا مفاتيحه إليهم، وأعني الذين كنا قد اجتحناهم وأسرناهم مرتين كما تقول الذاكرة وليس التاريخ.

* إلى أي مدى ترى أنَّ الشعر يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المقاومة مثلما يكون القانون أداة للعدالة؟ـ قلتها سابقًا وأعيدها الآن، الشعر أيها الناس عبارة عن تنبيه، ينبهك عن فعلك وفعل الآخرين وهو بهذا يتخذ القرار الحاسم في المقاومة وليس الشعر ردة الفعل إنما هو الفعل الأساس والمقصود الأصيل.*كتبت أيضًا في القانون تحديدًا عن تنازع الاختصاص التشريعي في عقود الاستهلاك الإلكترونية فما الرابط الخفي بين انشغالك بالقانون وانشغالك بالشعر؟ـ بسبب تخصص عائلتي في القانون والجيش، فُرِضتْ عليّ أحلام قمتُ بتبنيها وتوقيعها وتحقيقها فيما بعد، وفي هذا العمر وأعني 36 سنة أشعر أنَّني اعتدت عليها وتصالحت معها ومنها تخصصي في القانون، أما الشعر فلم اختره أيضًا بل تم اختياري عن طريق قوة خفية أعاتبها أحيانًا عندما أخفق بكتابة النص العالي، بهذا التقديم البسيط أود أن أقول إنَّ كلا الطريقين: الشعر والقانون، لم اخترهما، وصحيح أنَّ أحدهما كان ينظف ما كنت أتلوث به وأعني الشعر، إلا أنَّه أيضًا فرض عليّ كما بينت، وقد تعاملت معهما بطريقة غير صحية طوال تلك السنوات وأحاول الآن تصحيح الأخطاء قدر الإمكان، واظن أنَّ الرابط الآن قد توضح للآخرين.

* هل ترى نفسك شاعرًا يكتب في فراغ شخصي أم أنَّك شاعر يحاول أن يضع بصمته على قضايا العالم والإنسان؟ـ أؤمن بأنَّ الشعر ينبغي أن يوجه نحو القضايا الإنسانية، وأختلف في كيفية تبني طريقة ذلك التوجيه، والشاعر حين ينجح في إنتاج نص شعري حقيقي فهو يتبنى بالضرورة قضايا إنسانية بغض النظر عن سبب أو محاكاة ذلك النص كونه /الشاعر/ يصبح متماهيًا مع الإنسانية بقصدية منه أو من دونها، فكلما كتب من أجل نفسه كتب من أجل العالم وكلما كتب عن العالم كتب من أجل نفسه.

* أيهما أصعب على عباس حسين :أن يُخطىء في حكم قانوني أم في قصيدة كتبها؟ـ السؤال يتضمن شطرين والفارق بينهما يكمن في المسؤولية، إنَّني في الخطأ القانوني أستطيع مواجهة النتائج وقد تصل إلى خسارات نفسية وعملية كبيرة، مع هذا لا حرج في المسألة، بينما في الخطأ الشعري ينبغي ألا يحدث خطأ كون النص الشعري أما يوجد بصورة مكتملة أو لا يوجد من الأساس، ولا يمكن لي أن أدخله حتى في مرحلة العدم وبهذا فأنَّ كل نص غير مكتمل هو إساءة بالنسبة لي، ولا يمكن تقبله مهما حصل كون المسؤولية هنا كبيرة ولا يمكن تخيلها. *هل تؤمن أنَّ الشعر يمكن أن يُترجم من دون أن يفقد روحه أم أنَّ اللغة هي قلبه النابض؟ـ كل ترجمة هي كتابة جديدة للنص، فكرةً وشكلًا، قد تضيف له وقد تقلل منه.

* يقال إنَّ الشعر ابن الألم فهل توافق أنَّ معاناتك الشخصية أو مشاهداتك كانت الوقود لقصائدك؟ـ لا أنكر أنَّ الشعر ابن الألم، لكن هذا لا يعني أن يستمر الشاعر في الألم من أجل استمراره في الكتابة، اعتقاد غير صحيح بالنسبة لي، الابن عادة ينبغي عليه أن يخرج قليلًا، ويبتعد ويعيش حياةً مختلفةً عن أبيه ولا بأس أن يعود لرؤية أهله متى ما رغب ومتى ما شعر بضرورة ذلك وقد يحدث ـ بكثرة ـ أنَّ العائلة تمنعه من الخروج أو الابتعاد أو تلحق به أينما كان وهذا ما يحدث معي بالضبط… الألم يلحق بي أينما اذهب، وليس العكس.. عن نفسي فأنا أريد الرحيل عنه بلا رجعة، وإنْ كان /الألم/ هو سبب كتابتي للشعر، فأنا أتخلى عنه دون تفكير.

*عندما فزتَ بجائزة الرافدين هل شعرت أنَّها اعتراف بجودة نصك أم اعتراف بوجودك في المشهد الشعري العراقي؟ـ أما الشطر الأول من السؤال، فالموضوع عندي مختلف قليلًا ، ذلك أنني لا أنكر حلاوة الإعجاب والتقدير لنصوصي من قبل لجنة موقرة، تحديدًا بعد أن علمتُ أنَّ رئيسها كان الأستاذ الشاعر الكبير طالب عبد العزيز، ولكن مع هذا لم أشعر أنَّه اعتراف بقدر شعوري، بالنسبة للشطر الثاني من السؤال، أريد أن أجيب عنه بسؤال آخر وأترك جوابه لمن سيقرأ.مَنْ يحدد المشهد الشعري العراقي؟ ومَنْ المسؤول عن منح شارات دخول المشهد الشعري العراقي؟ لم أكن بحاجة إلى اعتراف بنصوصي ولم أكن بحاجة إلى وجودي في المشاهد الشعرية كلها (العراقية والعربية والعالمية) منذ بدايتي وحتى الآن، الأمر كان مجرد نبوءة وأحببتُ أن يصدقوها وقد فعلوا.

* هل ترى أنَّ الشاعر العراقي اليوم ما زال يحمل ميراث السياب ومظفر والبياتي أم أنَّ عليه أن يقطع مع هذا الإرث ليخلق لغته الخاصة؟ـ بالنسبة لي، الشعراء كلهم يدخلون في دائرة كبيرة أسميها (دائرة الشعر العالمية) داخل هذه الدائرة العملاقة، يتمكن بعض الشعراء من رسم دائرة خاصة بهم، ومنهم من يظل عائمًا تحت حماية الدائرة العملاقة تلك، الذي ينجح في رسم دائرته الخاصة، اسميه شاعرًا مميزًا بغض النظر عن النجومية، ومن يستمر في العطاء من دائرته الخاصة أسميه شاعرًا كبيرًا وبالتالي الشعراء عندي ثلاثة (شاعر بسيط، وشاعر مميز، وشاعر كبير) وأكتفي بذلك.

* هل يمكن للقارىء أن يجد شيئًا من حياة عباس حسين الشخصية داخل نصوصه أم أنك تفصل تمامًا بين الذات والكتابة؟ـ في الحقيقة كل ما كتبته حتى الآن كان (عني)، واعترف أنني أمتلك طريقة في دفع التهمة (عني) بصورة لا تجعل القارىء يشعر بها، إنَّ الحيلة تنطلي عليه في كل مرة.* هل تؤمن أنَّ الشعر ما زال قادرًا على أن يحدث تغييرا في وعي الناس أم أنَّه صار مساحة شخصية أكثر من كونه قوة عامة؟ـ الشعر تنبيه كما أخبرتك ، هو مشروع خاص وتأثيره خاص، يظهر فجأة ويؤثر فجأة، والإنسان لا بدَّ أن ينتبه في لحظة ما، وبهذا ومهما حصل يظل الشعر مؤثرًا ولكن بصورة خاصة.وفيما يخص الشطر الثاني من السؤال، وربما أختلف مع الجميع، كوني أعتقد ومن خلال تجربتي الخاصة أنَّ الشعر أما يقع مثل نيزك مكتمل أو لا يقع من الأساس، وهنا (أنفي وبصورة جازمة أنَّ الشعر صناعة) هو كتلة جاهزة والشاعر كل ما يفعله هو إظهار ذلك النيزك أو الكتلة بطريقته الخاصة، وأعني اختيار شكل أسميه أنا (قالب) معين من أشكال الشعر وإذا ما سألتيني كيف تفرق بين صناعة الشعر والكتلة الجاهزة؟، أجيبكِ بأنني جربت الطريقتين، الأولى كانت فعلًا خاصًا(اختيارًا) بمعنى اختارني الشعر كما يفعل مع الجميع(الموهوبين) حيث أرسل لي نصوصًا جاهزةً، وكل ما فعلته أنني قمت بإظهارها إلى العلن، والحقيقة أنَّ الشعر يرسل النصوص إلى بعض الشعراء مع الشكل أيضًا ، أي أنَّ الشاعر لا يتحكم حتى فيما يخص الشكل، فقد يرسل بيتًا موزونًا أو جملة شعرية، وأحيانًا يكتفي بإرسال النص دون الشكل، أما الصناعة وطريقة التركيب فهي عندي بمثابة (تجميع). إنَّهم يجمعون ويركبون ويجربون حروفًا وكلمات وصورًا ويخلطونها ويدفعونها إلى القارىء ويشتكون فيما بعد قلة التأثير أو أنَّه نص خاص لطبقة خاصة والمفارقة أنَّهم يعرفون طريقة تحضير تلك النصوص، إنَّها بالنسبة لي (جثة مشوهة)، وقد فعلتها سابقًا في بداياتي ولم أكتشف جريمتي وتزويري إلا بعد أن نزل عليّ ذلك النيزك، لقد افهمني ما فعلته وأنني يجب أن أنتبه والشعر كما قلت لكِ تنبيه. وبذلك لا يمكنني أن اكتب الشعر بغير (الحماس المتفجر) ولا يمكن أن يشبه الشعر أية كتابة أخرى، فهو ليس بحثًا علميًا موضوعيًا أو قصةً أو روايةً حتى يمكنني أن أتعامل معه بصورة مادية علمية، هو (الشعر) يشبه العطاس، ينبغي أن نترك للجسم طريقته في التعامل مع كل أنواع التحسس الخارجي والداخلي، دون توقيت أو تحضير مسبق.

* أيهما أقرب إلى ذاتك نص يكتبه عقلك أم نص يكتبه قلبك؟ـ لكي يخرج الشعر قويًا وصلبًا وإذا ما أريد له البقاء فيما بعد، فالشعر يحتاج إلى الاثنين: القلب والعقل معًا، صافيًا كماء زلال يجري دون توقف وإلى ما لا نهاية، وصلبًا وقاسيًا كبحيرة متجمدة.

* يقال إنَّ الشاعر يكتب ليقاوم الفناء فهل ترى الشعر عندك شكلًا من أشكال البقاء؟ـ الشعر، فعل خاص وتأثيره خاص وكل ما يفعله أنَّه ينبه الآخرين، وعزاء الشاعر في شعره والشعر عندي هو البقاء المكتمل.*ما الحد الفاصل عندك بين الشعر كفن ذاتي وبين الشعر كصوت لقضية أو مجتمع؟ـ ميزة الأعمال الفنية العالمية أنَّها تنطلق من البيئة الخاصة أو تحاكي واقعًا خاصًا وبطريقة سحرية غير متوقعة يتفاعل معها الجمهور العالمي، وبهذا المعنى ينبغي على الشاعر أن يكتب عن نفسه بوصفه (مجتمعه)، ويكتب عن مجتمعهِ بوصفه (ذاته) نفسها.

*هل ترى نفسك جزءًا من جيل شعري جديد في العراق أم امتدادًا لجذور أعمق في التراث؟ـ لستُ من جيل شعري ولا تيار ولا فرقة ولا جماعة، كما أنني لست امتدادًا لجذور عميقة، أنا أنتمي إلى النصوص العالية التي قيلت وكُتبت في القدم أو الآن أو التي ستكتب في المستقبل، ولو اتفقنا على تصنيف الشعراء فيما يخص (الجذور) و(التجييل) فأعتبر نفسي مثل نبات (الدغل) ظهرتُ فجأة واستمررتُ دون عناية و أقاوم المُناخ والبيئة في أي ظرف ولن أنتظر أحدًا.

* في حياتك اليومية، هل يغلب عليك طبع القانوني المنظم أم الشاعر الحالم؟ـ ينقسم يومي على عالمين متناحرين (القانوني والشاعر) ولا مرة تدخلتُ في مسألة توزيع الوقت بينهما، أحيانًا يأخذ (الشاعر) الوقتَ أغلبه والعكس صحيح، فقد تكون حصة (القانوني) هي الأكبر، ومهما بلغ الفارق بينهما لن ينجح أحدهما في سرقة اليوم كله حتى وإنْ ظلت بضع ثوان فلا بدَّ من العالم الآخر استغلالها، عادةً يستغل عالم الشعر حصته أما قبل النوم أو في أثناء العودة في السيارة أو الأكل أو المشي كما هي عادتي وحيدًا إلى البيت في الساعات الأخيرة من الليل، لقد كتبتُ أعظم قصائدي بهذه الطريقة، وأحيانًا يحرجني في أثناء العمل، فأترك كل شيء، وأبدأ بالتدوين في هاتفي النقال أو في اللاب توب، بينما ولا مرة استطاع القانوني أن يزيحني عن الشاعر، وفي كليهما (القانوني والشاعر) أنا حالم.*لو مُنحت فرصة إلقاء قصائدك في بابل القديمة أمام الشعراء السومريين، أي قصيدة ستختار؟ـ أعيشُ في بابلبابل شجرةٌ كبيرةٌ يخرجُ من عروقها لبنٌ لزجلا أعرفُ كم عُمرُها بالضبط ثمة ما يشاع بأنَّ الأرض عندما ولدت كانت ترضعُ منها*لو أردت أن تختصر رحلتك حتى الآن في سطر شعري واحد ماذا سيكون؟ـ حياتي يوم طويل وهو أسوأ يوم في حياتي.

* لو كان عليك أن تضع تعريفًا شخصيًا للشعر في جملة واحدة ماذا ستقول؟ـ لدينا في القانون مصطلح اسمه التعريف الجامع المانع ويمكنني الآن أن أضع تعريفًت جامعًا مانعًا للشعر كما رأيته الشعر: دليل براءة وليس حكمًا.

* ما الرسالة التي تود أن تتركها في ذهن القارىء بعد أن يغلق كتبك؟ـ أن ينتبه، أن يشعر بالفاروق، ويرفع اللعن والاستهزاء بالشعراء ويقول في نفسه ولو للحظة أنَّ الشعر موجود وينبغي البحث عنه، لأنه يستحق، ولا يمكن تصديق الحياة بلا لحظة شاعرة.

* كثيرًا ما يظهر في نصوصك وعي حاد بالهشاشة الإنسانية، هل ترى الهشاشة ضعفًا أم شرطًا من شروط الخلق الشعري؟ـ الشعر العالي شكل من أشكال الكمال والمطلق ولكنه لا يأتي من القوة بل من اللين، أما الهشاشة فهي عندي مصطلح ضعيف لا يرتقي إلى المستوى الذي يصبح فيه قادرًت على إنجاب الشعر العالي الذي أقصده، وبهذا أنا أضع اللين بدل الهشاشة وهنا أسجل إجابتي التامة نعم اللين ضروري لإنجاب الابداع بيد أنه ليس شرطًا مطلقًا.

* كيف يتعامل عباس حسين مع الصمت؟ هل هو مساحة استراحة بين قصيدتين أم قصيدة غير مكتوبة؟ـ الصمت لغة أيضًا، ولكنها لغة استسلام فإذا ما سيطر الصمت على الشاعر طويلًا فهذا يعني أنه بدأ بالانهيار، وفي الحقيقة أنا داخل شرنقة الصمت قرابة ثماني سنوات وقريبًا سأصل إلى الحافة وهناك سأقف أمام خيارين أما السقوط أو القفز والطيران.

*هل تخاف من تكرار نفسك شعريًا؟ وكيف تراقب هذه المسافة الدقيقة بين النضج والتكرار؟ـ نعم: أخاف تكرار نفسي وأخاف أن أفقد البوصلة وأخاف بصورة مرعبة أن أجد نفسي فجأة أنني لم أعد أشعر بكل هذا الخوف، وللأمانة الشعر دائمًا ينجيني، أنه لا يقبل أن أصل الى تلك الحفرة، لقد جربت ذلك كثيرًا، منحت لنفسي الحرية في أن تسير كما ترغب مثل أية دابة وقلت لأسقط فلا داعي لكل هذا القرف الذي أعيشه ، وفي الوقت الذي أكاد أسقط في الفخ يظهر الشعر برشاقته المعتادة، ويمسكني من ياقتي ويصرخ في وجهي قائلًا :انتبه أننا نغرق أيها الرجل ، تكرر معي ذلك الموقف أكثر من مرة وفي أوقات ليست ببعيدة وحتى أنني ما زلت أشعر بلعابه على تقاسيم وجهي وهو يصرخ بي : انتبه.. انتبه.. انتبه. ولا أعرف ما الذي أخره كل هذه السنوات وإذا ما سألتيني ماذا عن السنوات التي توقفتَ فيها أو بها وأعني ثماني سنوات، وأنت صامت ويعني أنك مستسلم، ويعني أنك تكرر ذاتك وكل شيء فيك، ألم تلتقيا؟لقد مرت ثماني سنوات ولم يظهر لي أو ظهر ولكني لم أعد أرغب بالتعامل معه، والحق يقال إنَّنا نشعر ببعض، وينبغي على أحدنا أن يكون أكثر نضجًا، ويبادر بالمصارحة وحينها أما الفراق الدائم أو العودة من حيث توقفنا.

*إلى أي حد تؤمن بأنَّ القصيدة تعرف طريقها بنفسها، حتى لو خالفت نية الشاعر الأولى؟ـ لديَّ نص في كتابي (القبور ظروف والموت رسائل)أقولُ فيه :(ليس عليكَ بذلَ جهدٍ مع النار فقط اشعلها واتركها ، النارُ تعرفُ الطريق.) وبهذا أيّها الشاعر فقط إشعل قصيدتك واتركها فهي تعرف الطريق.

* في زمن السرعة ووسائل التواصل، هل ما زال للشعر شرطه الزمني الخاص أم أنه اضطر للتكيّف مع الإيقاع العام؟ـ الشعر له قوانينه وشروطه الخاصة التي تختلف حتمًا عن كل ما يجري وما نراه الآن وأعني حوكمة الإنترنت وكل وسائل التواصل عبارة طريقة لإظهار الشعر ولا علاقة له بكيفية الشعر ذاته.

*ما الذي تخشاه أكثر: أن يُساء فهم قصيدتك أم أن تُفهم على نحو كامل؟ـ الفهم بشكل كامل سعادة كبيرة عندي، وهذا ما أرجوه حقًت، أما مسألة أنَّه يساء في فهم النص فأشعر بالغبن، لأنَّي غالبًا ما أضطر إلى وضعه في القائمة السوداء وعلى الأغلب أيضًا أعاقب بطريقة مأسوية من قبل الشخص الرشيق الذي يظهر دائمًا برشاقته قبل لحظات من السقوط… أنتِ تعلمين ما أعنيه أليس كذلك؟سأوضح لك ما أعنيه، لقد اتفقنا مسبقًا على أنَّ الشعر العالي لا يساء فهمه، ولا يسمح بتكراره، ولا يضمن للآخرين تحويره أو المساس به فأما سرقته أو دون ذلك، وأعني كشف زيفهم ومقصدي واضح جدًا هنا. وإذا لم يفهم النص أو سيء فهمه فهو بالضرورة ليس عاليًا… والعيب هنا ملتصق بي.

* هل تؤمن أنَّ القصيدة يمكن أن تُنقذ الشاعر نفسه، أم أنها تنقذ الآخرين فقط؟ـ إذا كان الشاعر حرًا، وأعني جدًا بـ(حرًا)، فالقصيدة هنا تحميه وتحمي الآخرين وتنقذهم والعكس صحيح تمامًا .الحرية هنا أعني بها حرية المال والأمان فقط.

* كيف تتعامل مع اللحظة التي تخذلك فيها اللغة، حين تشعر أنَّ ما في داخلك أكبر من الكلمات؟ـ في هذه المرحلة أعترف أنني لست مهيئًا ولست مكتملًا لإتمام الصفقة، أترك كل شيء، وأعتذر للشخص الرشيق الذي بتِ تعرفينه حتمًا، وأحاول المغادرة، بيني وبينكِ أحيانا أحاول إرغام نفسي على إتمام العملية، وأكون حينها مثل شخص يرفع ثقلًا أكبر من قابليته قد ينجح في رفعه لكنَّ الكارثة تأتي فيما بعد وهذا ما يحصل معي في غالب الأحيان.

* إلى أي مدى ترى أنَّ العزلة خيار إبداعي، لا مجرد نتيجة جانبية لحياة الشاعر؟ـ العزلة إكسير الحياة الإبداعية ولكن أية عزلة أعني، إنَّها الحرية المطلقة في عدم تناولك الطعام نفسه في كل مرة، مهما كنتَ جائعًا. * هل تكتب وأنت واعٍ بالقارىء، أم أنَّ القارىء يأتي لاحقًا كاحتمال لا كشرط؟ـ أكتب وأنا واع لنفسي فقط القارئ مسألة شبع وجوع، إذا كان شبعانًا فهو يبحث عن شيء جديد من أجل المتعة والانبهار، والجائع يبحث عن أي شيء من أجل ألا يموت. طيب إلى من أكتب أنا؟ أكتب إلى الاثنين :الجائع والشبعان معًا ، وأتطلع إلى أن أنبه الاثنين أيضًا على ضرورة البحث عن طريقة أخرى في استقبال الشعر، طريقة تجعل من المتلقي قادرًا على الرفض أو القبول ولكن ليس وفق شروط الانبهار أو النجاة من الموت، طريقة تجعله معافى تمامًا. *********************************

المصدر: صحيفة أوروك

أخر المقالات

منكم وإليكم