معرض أيمن لطفي القادم،:
ما الذي تراهُ الكاميرا حينَ يحلُمُ الفنان؟
ليست الصورة عند بعض الفنانين أثرَ عينٍ رأت، ولكنها أثرُ روحٍ فكّرت، ثم تخيّلت، ثم أوحت إلى العالم أن يتشكّل كما تريد هي، لا كما هو كائنٌ في مادته العابرة. ومن هنا كانت الفوتوغرافيا الحديثة عند طائفةٍ من المبدعين ضربًا من التأليف لا من الالتقاط، وصناعةً للرؤيا لا استبقاءً للحظة.
وأحسب أن أيمن لطفي من هؤلاء الذين خرجوا بالصورة من ضيق الوثيقة إلى سعة الحكاية؛ فلا يكاد الناظر إلى أعماله السابقة يرى مشهدًا مصادفًا، بل يرى عالمًا أُعِدَّ إعدادًا، وكأن الفنان لا يدخل الواقع ليلتقطه، بل يدخل إليه ليعيد ترتيبه على صورة الفكرة التي تسكنه.
ونحن — قبل أن نشاهد معرضه الجديد «المدينة» — لا نزعم معرفة ما سيقدمه، ولا نُقَدِّم حكمًا على عملٍ لم يُفتح بابه بعد، ولكننا نتأمل العنوان، ونقرأ البوستر، ثم نعود بذاكرتنا إلى ما عهدناه في تجارب أيمن السابقة؛ فنستشفّ من المعروف المتوقع، ومن الماضي إشارات المستقبل.
لقد عرفناه صانعًا للسرديات البصرية؛ يهيّئ للمشهد فضاءه، ويختار للصمت لغته، وللجسد رمزه، وللصحراء معناها. فما كانت الصحراء عنده أرضًا من الرمل، بل فراغًا نفسيًّا تسير فيه الروح وحيدةً؛ وما كان الجسد شخصًا بعينه، بل استعارةً لإنسان العصر في خوفه ووحدته وانتظاره.
ومن يتأمل بعض مشاريعه السابقة يدرك أن أيمن لطفي لم يكن يومًا مشغولًا بالشكل وحده، بل كان دائم البحث عن الإنسان المختبئ خلف الشكل؛ ذلك الإنسان الذي تضغطه الحياة الحديثة حتى يغدو كائنًا معلقًا بين الواقع والحلم، بين ما يعيشه وما يتمنى النجاة منه.
في عدد من أعماله السابقة بدت الشخوص وكأنها خارجة من زمنٍ آخر؛ أجسادٌ تقف في فضاءات واسعة، محاطةً بصمتٍ كثيف، كأن العالم قد انسحب منها وتركها تواجه أسئلتها الكبرى وحدها. وكان الضوء عنده لا يكتفي بالكشف، بل يشارك في كتابة المعنى؛ فتارةً ينهمر كأنه رحمة، وتارةً يبدو كأنه محكمةٌ سماوية تستجوب الإنسان في عزلته.
وقد اشتغل أيمن كثيرًا على فكرة «العبور»؛ عبور الإنسان من حالٍ إلى حال، ومن يقينٍ إلى قلق، ومن واقعٍ مرئي إلى معنى خفي. ولذلك تكررت في أعماله الأبواب، والممرات، والمسافات الممتدة، والأفق المفتوح الذي يبدو قريبًا وبعيدًا في آنٍ معًا. وكأن الإنسان في عالمه لا يصل أبدًا، بل يظل في حالة سفرٍ روحي دائم.
ولعل هذه النزعة هي التي جعلت أعماله تقترب من السريالية لا بوصفها لعبًا بالخيال، بل بوصفها محاولةً للقبض على حقيقةٍ أعمق من الواقع الظاهر. فالسريالية عند الفنان الحقيقي ليست هروبًا من العالم، وإنما طريقة أخرى لفهمه؛ إذ قد تعجز الوقائع المباشرة عن التعبير عما يعتمل في النفس من خوفٍ ووحدةٍ وحنين، فتأتي الرموز والصور الحلمية لتقول ما عجزت اللغة العادية عن قوله.
وفي هذا الملصق الذي يتقدّم معرض «المدينة» نرى بوابةً شاهقةً كأنها أثر حضارةٍ منسية، تلفّها الحبال كما تُلفّ القيودُ المعاني الكبيرة حين تضيق بها الحياة، وتقف أمامها امرأةٌ حبلى، كأنها تحمل مستقبلًا يتهيّب الدخول، أو حياةً تستأذن مدينةً لم تُقرِّر بعد إن كانت ستفتح أبوابها أم توصدها.
ولعل الحبال هنا ليست حبالًا تُرى، بل هي تلك الخيوط الخفية التي تشدّ الإنسان إلى خوفه، وإلى ذاكرته، وإلى شروط العالم من حوله. فكأن المدينة التي يومئ إليها العنوان ليست مدينة الحجر، بل مدينة الإنسان المعاصر؛ مدينة العلاقات والقيود والأسئلة والانتظار.
وقد اعتدنا من أيمن لطفي أن يجعل العنصر البصري حاملًا لفكرةٍ تتجاوز حضوره المادي؛ فالباب عنده ليس بابًا فقط، والصحراء ليست صحراء، والجسد ليس جسدًا، بل كل عنصر يتحول إلى رمزٍ يُستدعى ليؤدي وظيفةً شعورية وفلسفية في نسيج الصورة.
ولهذا تبدو أعماله أقرب إلى المشاهد الشعرية منها إلى الصور التقليدية. إنك لا تنظر إليها لتعرف «ماذا حدث»، بل لتشعر «بما يعنيه ما حدث». وهذه هي المسافة الفاصلة بين الصورة التي تشرح، والصورة التي تُقلق، بين صورةٍ تُقدِّم جوابًا، وأخرى توقظ السؤال.
وهكذا تبدو الصورة عند أيمن لطفي أقرب إلى قصيدةٍ تُكتب بالضوء، أو روايةٍ صامتة لا تحتاج إلى الكلمات كي تقول ما فيها. فهو لا يطلب من الكاميرا أن تنقل الواقع كما هو، بل يطلب منها أن تكشف ما وراءه؛ ذلك المعنى المستتر الذي لا تراه العين لأول وهلة، ولكن تشعر به النفس كما تشعر بالريح ولا تراها.
ومن أجل ذلك يغدو بناء الصورة جزءًا من رسالتها؛ فاختيار المكان، وتشكيل الإضاءة، ووضع الجسد داخل الفراغ، والمعالجة اللونية، ليست حيلًا تقنية، بل أدوات تفكير، كأن الفنان يكتب فلسفته لا بعدسته وحدها، بل بكل ما يسبق العدسة من تأمل وما يليها من خلق.
ولعل هذا هو الفارق بين مصوّرٍ يلتقط العالم، وفنانٍ يعيد خلقه.
إن الفن العظيم لا يكتفي بأن يعرض الأشياء، بل يعيد تعريف علاقتنا بها. وأيمن لطفي — في كثيرٍ من أعماله — لا يصوّر الإنسان بوصفه كائنًا مستقرًا، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا؛ كائنًا يمشي في العالم وهو يحمل غربته معه، ويبحث عن بابٍ رمزي يفضي إلى معنى، أو إلى خلاص.
فإذا فتح معرض «المدينة» أبوابه بعد أيام، فلن ندخله ونحن ننتظر صورًا فحسب، بل سندخله مترقبين أسئلةً جديدة يصوغها أيمن لطفي بلغته السريالية الخاصة؛ تلك اللغة التي لا تهرب من الواقع، وإنما تعود إليه من طريق الحلم، لتكشف ما عجز الواقع نفسه عن قوله.


