العوالم المتداخلة: ما لا يُرى بل يُفكَّر
أميرة ناجي / فنانة تشكيلية
ليست الصورة ما نراه بل ما يبقى فينا بعد أن ننظر طويلاً
بهذه الفكرة التي تنزلق خارج المألوف يمكن الاقتراب من تجربة مكي عمران حيث لا تعود اللوحة سطحاً مرئياً بل تتحول إلى حقل زمني تتجاور فيه طبقات الوعي وتتشابك فيه الأزمنة كما لو أنها لم تكن منفصلة يوماً. في مشروعه الموسوم بالعوالم المتداخلة لا يقدم الفنان مشهداً بقدر ما يبني بنية إدراكية تجعل الرؤية نفسها موضع تساؤل. هنا لا يُنظر إلى العمل الفني باعتباره نتاجاً نهائياً بل باعتباره حدثاً مستمراً يعاد تشكيله مع كل قراءة جديدة.
تتأسس هذه التجربة على خلفية فكرية عميقة تستلهم بشكل واضح مفهوم تلاحم الآفاق عند هانز جورج جادامر :
حيث لا يكون الفهم استعادة لمعنى جاهز بل انخراطاً في حوار حي بين أفقين أفق النص وأفق المتلقي. هذا التداخل لا يظهر عند عمران في مستوى التأويل النظري فقط بل يتجسد بصرياً داخل اللوحة حيث تتراكب العلامات وتتحاور الرموز وتذوب الحدود بين الماضي والحاضر لتنتج مجالاً مفتوحاً للتأويل.
في أعماله تتجاور الأيقونات السومرية مع إشارات بابلية وأصداء آشورية دون أن تكون هناك محاولة لإعادة تمثيل تاريخي مباشر. إن ما يحدث هو إعادة صياغة للذاكرة الحضارية داخل نظام بصري معاصر يجعل التراث قوة ديناميكية فاعلة داخل العمل. لا تعود الرموز مجرد إحالات ثقافية بل تتحول إلى عناصر حية تشارك في بناء المعنى وتفتح مسارات جديدة للفهم.
التقنية التي يعتمدها عمران تقوم على تفكيك السطح وإعادة تركيبه عبر وحدات لونية متجاورة ومتداخلة. يبدو العمل كما لو أنه فسيفساء حديثة لكن هذه الفسيفساء لا تسعى إلى الاكتمال بل إلى إبقاء التوتر قائماً بين أجزائها. الخطوط ليست حدوداً فاصلة بل جسوراً تربط بين الكتل وتخلق إيقاعاً بصرياً متحركاً. تتكسر الأشكال ثم تعود لتتجمع في تكوينات جديدة بحيث يصبح التفكك ذاته جزءاً من البناء.
أما اللون فهو العنصر الأكثر حضوراً في هذه التجربة. لا يستخدم عمران اللون لتزيين الشكل بل ليؤسس فضاءً شعورياً يحمل ذاكرة خاصة. الأزرق يظهر كامتداد للعمق الروحي وكأنه صدى للماء الأول بينما يتوهج الأحمر كقوة حياة تتحدى الانطفاء. الأخضر يحضر باعتباره إشارة إلى الاستمرارية والنماء أما الأصفر فينفتح على دلالات الضوء والمعرفة. هذه الألوان لا تعمل بشكل منفصل بل تتداخل في شبكة معقدة تجعل اللوحة أقرب إلى نسيج حي يتنفس من داخله.
في إحدى لوحاته تتشكل دائرة مركزية تحيط بها عناصر متفرقة تتوزع في فضاء العمل. هذه الدائرة لا تبدو مجرد شكل هندسي بل مركز جذب بصري يستقطب باقي العناصر ويعيد تنظيمها حوله. يمكن قراءة هذا التكوين في ضوء فكرة الأفق عند جادامر
حيث لا يكون المركز نقطة ثابتة بل مجالاً مفتوحاً يتحرك مع حركة التأويل. كل عنصر داخل اللوحة يحمل أفقه الخاص لكنه لا يكتمل إلا من خلال تداخله مع بقية العناصر.
الوجوه التي تظهر في أعمال عمران لا تقدم ملامح فردية بقدر ما تحمل سمات جماعية. هي وجوه خارج الزمن تنتمي إلى ذاكرة ممتدة أكثر مما تنتمي إلى لحظة محددة. العيون غالباً ما تكون مفتوحة على اتساعها وكأنها لا تنظر إلى الخارج بل إلى الداخل حيث تتشكل طبقات المعنى. هذه الوجوه ليست شخصيات بل حالات وجودية تعكس تجربة الإنسان في مواجهة الزمن.
من الناحية الأسلوبية يمكن القول إن عمران يشتغل على تخوم عدة اتجاهات فنية دون أن ينتمي بالكامل إلى أي منها. هناك أثر واضح من التجريد في تفكيك الشكل وهناك حضور للتعبيرية في شدة اللون وهناك صدى للرمزية في استخدام العلامات. غير أن هذا التعدد لا يؤدي إلى تشتت بل إلى تكامل يخلق لغة بصرية خاصة بالفنان. هذه اللغة لا يمكن اختزالها في تعريف جاهز لأنها تتغير مع كل عمل جديد.
إن ما يمنح هذه التجربة قيمتها هو قدرتها على تحويل اللوحة إلى فضاء تفكير. العمل لا يُستهلك بصرياً بل يُقرأ ويُعاد قراءته. كل تفصيل صغير يمكن أن يفتح باباً لتأويل جديد وكل علاقة لونية تحمل احتمالاً دلالياً مختلفاً. هنا يصبح المتلقي شريكاً في إنتاج المعنى لا مجرد متفرج. وهذا ما يجعل تجربة عمران قريبة من روح الفلسفة التأويلية التي ترى أن المعنى لا يوجد مسبقاً بل يتشكل في عملية الفهم.
ارتباط الفنان بالإرث الحضاري لا يأتي من رغبة في استحضار الماضي بل من إدراك عميق بأن الهوية ليست ثابتة بل تتشكل عبر الزمن. في لوحاته يتحول التاريخ إلى مادة حية يعاد تشكيلها باستمرار. لا يوجد فصل بين ما هو قديم وما هو حديث لأن الاثنين يندمجان داخل بنية واحدة. هذا التداخل هو ما يمنح العمل طابعه الكوني حيث يصبح المحلي بوابة نحو الإنساني العام.
يمكن النظر إلى تجربة عمران باعتبارها مشروعاً تعليمياً بقدر ما هي تجربة فنية. فهي تقدم نموذجاً لكيفية التعامل مع التراث دون الوقوع في فخ التكرار أو الاستنساخ. كما تفتح أفقاً أمام طلبة الدراسات الفنية لفهم العلاقة بين الشكل والمعنى بين اللون والفكرة بين التقنية والرؤية. هذه التجربة لا تقدم حلولاً جاهزة بل تطرح أسئلة عميقة تدفع إلى التفكير.
إن العوالم المتداخلة ليست مجرد عنوان بل هي جوهر التجربة. العالم هنا ليس وحدة مغلقة بل شبكة من العلاقات التي تتقاطع وتتشابك. كل عنصر داخل اللوحة يحمل أثراً لعالم آخر وكل شكل ينفتح على احتمالات متعددة. هذا التداخل لا يؤدي إلى الفوضى بل إلى نظام جديد يتأسس على الحركة والتغير.
في أعمال عمران يمكن ملاحظة أن الفراغ ليس غياباً بل حضوراً صامتاً يوازن الكتل ويمنحها مجالاً للتنفس. الفراغ هنا جزء من التكوين لا يقل أهمية عن الشكل. إنه المساحة التي تسمح للعين بالحركة وللفكر بالتأمل. هذا الاستخدام الواعي للفراغ يعكس فهماً عميقاً لبنية اللوحة.
التجربة أيضاً تحمل بعداً روحياً يتجلى في طريقة تنظيم العناصر وفي الإيقاع الداخلي للعمل. هناك نوع من السكون العميق الذي يتخفى خلف كثافة التفاصيل. هذا السكون لا يعني الجمود بل يشير إلى حالة من التأمل الداخلي. كأن اللوحة تدعو المتلقي إلى التوقف وإعادة النظر في علاقته بالعالم.
من جهة أخرى يمكن قراءة أعمال عمران في ضوء التحولات التي يشهدها الفن المعاصر حيث لم يعد العمل الفني مرتبطاً بوسيط واحد أو بأسلوب محدد. استخدامه للمواد المختلطة يعكس هذا التوجه ويمنح العمل طابعاً مفتوحاً. المادة هنا ليست مجرد وسيلة بل جزء من الفكرة حيث تساهم في تشكيل المعنى.
إن تجربة دكتور مكي عمران تمثل إضافة نوعية للمشهد التشكيلي لأنها تنجح في الجمع بين العمق الفلسفي والثراء البصري. هذا الجمع ليس سهلاً لأنه يتطلب توازناً دقيقاً بين الفكر والشكل بين التأمل والتجريب. عمران يحقق هذا التوازن عبر لغة بصرية قادرة على استيعاب التعقيد دون أن تفقد وضوحها.
في النهاية يمكن القول إن هذه التجربة تضعنا أمام فهم جديد للفن حيث لا يكون العمل مجرد تمثيل للواقع بل وسيلة لإعادة التفكير فيه. اللوحة لا تعكس العالم بل تعيد تشكيله داخل فضاء من العلاقات المفتوحة. هذا ما يجعل أعمال عمران قادرة على الاستمرار لأنها لا تقدم معنى واحداً بل تظل قابلة للتأويل.
وهكذا يتحول الفن عنده إلى فعل معرفة وإلى ممارسة تأملية تفتح أفقاً جديداً للرؤية. في عالم تتسارع فيه الصور وتفقد فيه الأشياء عمقها تأتي هذه التجربة لتعيد للوحة قدرتها على التفكير ولللون قدرته على الكلام. إنها دعوة إلى إعادة اكتشاف المعنى داخل الفوضى وإلى البحث عن وحدة خفية تربط بين الأشياء.
العوالم المتداخلة ليست فقط عوالم داخل اللوحة بل هي عوالم داخلنا نحن أيضاً حيث تتقاطع الذاكرة مع الحاضر ويتشكل المعنى في لحظة النظر. لهذا لا تنتهي هذه الأعمال عند حدود الرؤية بل تستمر داخل الوعي وتتحول إلى تجربة شخصية لكل من يقترب منها
وهنا يكمن سرها الحقيقي
أنها لا تُرى فقط
بل تُفكَّر وتُعاش#اميرة ناجي#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت…


