ماكس ألبرت ويس: الصحفي المصور بين التوثيق الاجتماعي والتجريب السريالي

في تاريخ التصوير الفوتوغرافي السويسري، يبرز اسم ماكس ألبرت ويس (1908-1977) كشخصية متعددة الأوجه، جمعت بين الصحافة المصورة، والتجريب الفني، والتنظيم الثقافي، والنشر. لم يكن ويس مجرد مصور يلتقط الصور، بل كان كاتباً لنصوصه، ومحرراً، ومشرفاً على إصدارات تصويرية ضخمة، تاركاً بصمة تمتد من الشوارع الريفية في لوسيرن إلى قاعات معارض التصوير العالمية.

في تاريخ التصوير الفوتوغرافي السويسري، يبرز اسم ماكس ألبرت ويس (1908-1977) كشخصية متعددة الأوجه، جمعت بين الصحافة المصورة، والتجريب الفني، والتنظيم الثقافي، والنشر. لم يكن ويس مجرد مصور يلتقط الصور، بل كان كاتباً لنصوصه، ومحرراً، ومشرفاً على إصدارات تصويرية ضخمة، تاركاً بصمة تمتد من الشوارع الريفية في لوسيرن إلى قاعات معارض التصوير العالمية.

من التدريس إلى التصوير: رحلة تأسيسية غير نمطية

ولد ويس في 18 يوليو 1908 في كرينز، بسويسرا . بدأ مساره الأكاديمي في مجال التعليم، حيث تخرج من مدرسة المعلمين وحصل على شهادة التدريس للمرحلة الإعدادية من جامعة زيورخ، ثم درس اللغات الرومانسية في جنيف، نوشاتيل، وباريس . لكن تحولاً جذرياً حدث في مسيرته عام 1931، عندما أمضى عاماً كاملاً في تانجانيقا (تنزانيا حالياً) كمعلم خاص للقنصل السويسري هناك . هذه التجربة الأفريقية، التي جمعت بين التعليم والانغماس في ثقافة مغايرة، ربما أيقظت فيه حب التوثيق البصري.

صحفي مصور يسجل حياة الناس

بين عامي 1935 و1965، عمل ويس كصحفي مصور مستقل . تميزت أعماله بأنه لم يكن مجرد مصور، بل كان يكتب النصوص المصاحبة لتقاريره المصورة بنفسه، مما جعله صحفياً متكاملاً . ركزت تقاريره على الحياة اليومية والناس في منطقة لوسيرن وخلفيتها الريفية (إنتلبوخ)، حيث وثق المشاهد الاجتماعية بواقعية إنسانية .

تعاون بشكل متكرر مع المصور ثيو فراي، وقاما برحلات مشتركة، ومن أبرز ثمار هذا التعاون كتابهما عن أيرلندا عام 1954 . كما حملت صوره أهمية توثيقية لفناني لوسيرن، وحتى للجنود الأمريكيين بعد الحرب العالمية الثانية . يُقدّر أن تراثه الفوتوغرافي يضم نحو 50,000 صورة على شكل سلبيات وشرائح ومطبوعات، محفوظة اليوم في مؤسسة التوثيق الفوتوغرافي لكانتون لوسيرن .

التجريب السريالي وفن المونتاج

بعيداً عن الصحافة الوثائقية، برع ويس في مجال تجريبي مختلف تماماً. في الأربعينيات والخمسينيات، أنتج سلسلة من المونتاجات الفوتوغرافية السريالية التي لفتت الأنظار . كانت هذه الأعمال تتجاوز التوثيق إلى التلاعب بالصور، واستخدام تقنيات مثل المزج بين الصور (الـ Overlay) لخلق عوالم بصرية غير مألوفة تحمل طابعاً حلمياً وساخراً أحياناً . هذا الثنائي بين الوثائقي والتجريدي جعل من ويس حالة فريدة في المشهد الفوتوغرافي السويسري.

منظم ومعارض وصاحب إرث نشر بصري

لم تقتصر إسهامات ويس على التصوير فقط. في عام 1952، لعب دوراً محورياً كـ سكرتير في تنظيم “المعرض العالمي للتصوير الفوتوغرافي” في لوسيرن، وهو حدث ثقافي كبير رفع مكانة المدينة كوجهة للتصوير . منذ أواخر الخمسينيات، ارتبط اسمه بمجلة “كاميرا” (Camera)، وهي واحدة من أهم المجلات الفنية المتخصصة في التصوير آنذاك .

بلغ تتويج مسيرته المهنية عام 1965، حين انضم إلى دار النشر سي جي بوشير (C.J. Bucher AG) في لوسيرن، حيث تولى تحرير قسم التصوير وأشرف على سلسلة كتب “مكتبة التصوير” (Bibliothek der Photographie) . تحت إشرافه، صدرت سلسلة من الكتب المصورة الضخمة التي تحتفل بجمال الطبيعة، مثل سلسلة “سحر الجبال” و”سحر الغابة” و”سحر البحر”، والتي شكلت مرجعاً بصرياً مهماً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي .

توفي ماكس ألبرت ويس في 12 سبتمبر 1977 في لوسيرن ، تاركاً إرثاً معقداً يجمع بين روح الصحفي الوثائقي، وخيال الفنان التجريبي، وهمة الناشر والمنظم الثقافي، الذي جعل من الصورة الفوتوغرافية أداة للحكي، والتجريب، والتوثيق البصري للطبيعة والإنسان.

…..

المصادر:

1. الموسوعة التاريخية لسويسرا – السيرة الذاتية الأساسية، مساره المهني ودوره في معرض لوسيرن .

2. مؤسسة التصوير الفوتوغرافي السويسرية (Fotostiftung Schweiz) – التفاصيل الدقيقة لتعليمه، رحلته إلى تانجانيقا، وأعماله المنشورة ومعارضه .

3. ويكيبيديا الألمانية – معلومات شاملة عن حياته، أعماله الرئيسية، وقائمة مؤلفاته وإصداراته .

4. موسوعات أكاديمية – معلومات عن حجم أرشيفه (50,000 صورة) وجهود الرقمنة .

أخر المقالات

منكم وإليكم