مابين توقعات المتلقي وجماليات القراءة في مابعد التصور الذهني.

أفق الانتظار ولذة النص: من توقعات القارئ إلى جمالية القراءة

مقدمة

لم يعد النص الأدبي، في تصورات النقد الحديث، بنية مغلقة تستمد دلالتها من مكوناتها اللغوية وحدها، بل أصبح فضاءً تفاعليًا تتقاطع فيه الكتابة والقراءة، ويتشكل معناه من خلال العلاقة التي يقيمها القارئ مع النص. وقد أسهمت نظريات التلقي في إعادة الاعتبار إلى القارئ بوصفه طرفًا فاعلًا في إنتاج الدلالة، بدل النظر إليه باعتباره مجرد متلقٍّ سلبي لمعنى مكتمل سلفًا. وفي هذا السياق، يبرز مفهومان أساسيان هما: أفق الانتظار عند هانس روبرت ياوس، ولذة النص عند رولان بارت، وهما مفهومان يفتحان آفاقًا واسعة لفهم طبيعة التجربة القرائية وآليات تشكل المتعة الجمالية.

فإذا كان أفق الانتظار يفسر كيفية استقبال القارئ للعمل الأدبي في ضوء خبراته ومعاييره وتوقعاته السابقة، فإن لذة النص تكشف عن طبيعة العلاقة الحسية والفكرية والجمالية التي تنشأ بين القارئ والكتابة. ومن ثم، فإن الجمع بين المفهومين يسمح بفهم القراءة باعتبارها عملية تتأرجح بين التوقع والمفاجأة، وبين الألفة والاختلاف، وبين البحث عن المعنى والاستمتاع بانفتاحه.

أولًا: أفق الانتظار وتحولات التلقي الأدبي

يُعد مفهوم أفق الانتظار من المفاهيم المركزية في مدرسة كونستانس الألمانية، وقد ارتبط أساسًا بالناقد هانس روبرت ياوس، الذي أسهم في تأسيس جمالية التلقي خلال ستينيات القرن العشرين. وينطلق هذا المفهوم من أن القارئ لا يستقبل النص الأدبي انطلاقًا من فراغ معرفي أو جمالي، بل يدخل إلى عالمه محمّلًا بمجموعة من التوقعات التي تشكلت بفعل قراءاته السابقة، ومعرفته بالأجناس الأدبية، وانتمائه الثقافي والتاريخي، وما اكتسبه من معايير للحكم على الأعمال الفنية.

يتحدد أفق الانتظار، إذن، من خلال مجموع المعايير والتصورات التي تجعل القارئ قادرًا على توقع طبيعة النص ومساراته المحتملة. فالقارئ الذي يشرع في قراءة رواية بوليسية ينتظر عادة وجود لغز أو جريمة أو مسار للتحقيق، بينما يتوقع قارئ القصيدة الغنائية حضور التجربة الذاتية والصور الشعرية والإيقاع. غير أن النص الأدبي لا يكتفي دائمًا بالاستجابة لهذه التوقعات، بل قد يعمل على تعديلها أو خرقها أو زعزعتها.

ومن هنا، لا تتحدد القيمة الجمالية للعمل الأدبي بمدى مطابقته لأفق انتظار القارئ، وإنما قد تنشأ أهميته من قدرته على إحداث مسافة بين ما يتوقعه القارئ وما يقدمه النص بالفعل. وقد أطلق ياوس على هذه العلاقة مفهوم المسافة الجمالية، أي المسافة الفاصلة بين الأفق الذي يستند إليه المتلقي وبين التجربة الجديدة التي يفرضها العمل الأدبي.

وعندما يخالف النص توقعات القارئ، فإنه يدفعه إلى مراجعة معاييره السابقة وإعادة بناء فهمه للعمل. وقد تكون هذه المخالفة مصدرًا للدهشة والإعجاب، كما قد تؤدي إلى الرفض أو الحيرة. ولذلك لا يمكن اختزال التلقي في استجابة موحدة، لأن النص الواحد قد ينتج آثارًا مختلفة باختلاف الآفاق التاريخية والثقافية والمعرفية للقراء.

ويتيح هذا التصور أيضًا فهم التحولات التي تطرأ على القيمة الأدبية عبر الزمن. فقد يُستقبل عمل ما بالاستغراب أو الرفض عند ظهوره، ثم يُعاد الاعتراف بأهميته في مرحلة تاريخية لاحقة، حين تتغير المعايير الجمالية التي تحكم عملية التلقي. وهكذا يغدو تاريخ الأدب، من منظور ياوس، تاريخًا لتحولات القراءة والاستقبال، لا مجرد تسلسل زمني لظهور المؤلفين والكتب.

ثانيًا: لذة النص عند رولان بارت

إذا كان أفق الانتظار يرتبط بشروط استقبال النص وتاريخية قراءته، فإن مفهوم لذة النص عند رولان بارت ينقل الاهتمام إلى طبيعة التجربة التي يعيشها القارئ أثناء القراءة، وإلى ما تحدثه الكتابة من متعة واضطراب وانزياح في علاقته باللغة والمعنى.

في كتابه «لذة النص» الصادر سنة 1973، يميز بارت بين مفهومين أساسيين: لذة النص ومتعة النص أو نشوته، مع الإشارة إلى أن ترجمة المصطلحين الفرنسيين plaisir وjouissance تختلف من لغة إلى أخرى. ولا ينبغي التعامل مع هذا التمييز باعتباره تقابلًا بسيطًا بين متعة عادية وأخرى استثنائية، بل بوصفه محاولة لفهم مستويين مختلفين من العلاقة بين القارئ والنص.

ترتبط لذة النص، في أحد أبعادها، بالقراءة التي تمنح القارئ إحساسًا بالألفة والرضا، وتسمح له بالاستمتاع باللغة والأسلوب والحكاية، من دون أن تهدم بالضرورة تصوراته الثقافية أو عاداته القرائية. أما متعة النص بمعنى النشوة، فتتصل بتجربة أكثر اضطرابًا، حين يزعزع النص استقرار القارئ ويخلخل علاقته المألوفة باللغة والهوية والمعنى، فيجد نفسه أمام كتابة لا تسمح له بالاطمئنان إلى تفسير نهائي أو مركز دلالي ثابت.

وعلى هذا الأساس، لا تنبع المتعة الأدبية من الموضوع الجميل أو الحكاية المشوقة وحدهما، بل قد تتولد من طريقة تنظيم اللغة، ومن التلاعب بالتوقعات، ومن التكرار والانقطاع والتناص والتعدد الدلالي. فقد يقرأ المتلقي نصًا بسيطًا في موضوعه، لكنه يجد في بنائه اللغوي ما يثير انتباهه ويدفعه إلى إعادة القراءة، كما قد يواجه نصًا مربكًا يزعزع عاداته في الفهم، فيتحول الارتباك نفسه إلى جزء من التجربة الجمالية.

ويمنح بارت الكتابة دورًا أساسيًا في إنتاج هذه التجربة؛ فالنص ليس مجرد وعاء ينقل رسالة جاهزة، بل نسيج من العلامات والأصوات والإحالات والتناصات التي تتفاعل فيما بينها. ومن ثم، فإن لذة القراءة لا تتوقف على اكتشاف قصد المؤلف أو استعادة المعنى الذي أراده، بل تتصل أيضًا بما يفتحه النص من إمكانات للعب باللغة، وتعدد التأويل، وإعادة اكتشاف العلاقة بين القارئ والعالم.

ثالثًا: العلاقة بين أفق الانتظار ولذة النص

على الرغم من اختلاف السياق النظري الذي ظهر فيه المفهومان، فإن أفق الانتظار ولذة النص يلتقيان في تجاوز التصور التقليدي الذي يجعل المعنى الأدبي ثابتًا ومكتملًا قبل فعل القراءة.

فأفق الانتظار يفسر الخلفية التي ينطلق منها القارئ، بينما تكشف لذة النص عن بعض الآثار الجمالية التي تنشأ خلال مواجهته للنص. الأول يضيء الشروط التاريخية والثقافية للتلقي، والثاني يركز على تجربة القراءة وما تنطوي عليه من متعة واضطراب ومقاومة للمعنى المستقر.

وتظهر العلاقة بينهما بوضوح حين يواجه القارئ نصًا يخالف توقعاته. فخرق أفق الانتظار قد يولّد الدهشة، وهذه الدهشة قد تتحول إلى مصدر للمتعة الجمالية عندما يكتشف القارئ أن ما بدا غامضًا أو غير مألوف يفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم والتأويل. غير أن العلاقة ليست آلية؛ فليس كل خرق للتوقعات ممتعًا بالضرورة، إذ قد ينتج عنه النفور أو الإحباط أو الشعور بالعجز عن الفهم.

ومن جهة أخرى، لا تتطلب لذة النص دائمًا إحداث قطيعة مع أفق الانتظار. فقد تتحقق المتعة من خلال الاستجابة الناجحة لتوقعات القارئ، أو من خلال تطويرها تدريجيًا، أو من خلال المزج بين المألوف والمفاجئ. إن العمل الأدبي الناجح يستطيع أحيانًا أن يمنح القارئ ما ينتظره، ثم يعيد تشكيل هذا الانتظار بطريقة لم تكن متوقعة.

وبذلك يمكن القول إن أفق الانتظار يمثل أحد الشروط التي تتحدد من خلالها استجابة القارئ، بينما تمثل لذة النص إحدى الإمكانات التي قد تتحقق داخل تلك الاستجابة. فالأول يفسر علاقة النص بتاريخ التلقي، والثاني يتيح التفكير في كيفية تحوّل القراءة إلى تجربة جمالية تتجاوز الاستهلاك السريع للمعنى.

 رابعًا: القارئ بين بناء المعنى واكتشاف المتعة

أعادت نظريات التلقي النظر في موقع القارئ داخل العملية الأدبية، فلم يعد مجرد مستقبل لرسالة يرسلها المؤلف، بل أصبح مشاركًا في بناء المعنى من خلال استحضار خبراته وتوقعاته وملء الفراغات التي يتركها النص. ويتقاطع هذا التصور مع أعمال فولفغانغ إيزر، الذي اهتم بدور القارئ الضمني والفراغات النصية في توجيه فعل القراءة.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين إسهام ياوس وإسهام إيزر من جهة، وتصوّر بارت من جهة أخرى. فقد ركز ياوس على تاريخية التلقي وتحولات الأفق الجمالي، واهتم إيزر بكيفية اشتغال النص على فعل القراءة، بينما منح بارت أهمية خاصة لطبيعة الكتابة وما تحدثه من لذة ونشوة واضطراب في علاقة القارئ باللغة والمعنى.

ومن هذا المنظور، لا يكون القارئ حرًا حرية مطلقة في إنتاج أي معنى يشاء، لأن النص يضع أمامه قيودًا وإشارات وبنى لغوية توجه عملية التأويل. لكنه، في الوقت نفسه، لا يكتفي باستقبال معنى نهائي، إذ يسهم في بناء الدلالة عبر التفاعل بين ما يقترحه النص وما يمتلكه من معرفة وخبرة.

وتتجلى جمالية القراءة في هذا التفاعل المتغير؛ فكل قراءة جديدة قد تكشف عن علاقة لم ينتبه إليها القارئ من قبل، وكل عودة إلى النص قد تعدّل فهمه السابق. لذلك لا تنحصر قيمة العمل الأدبي في لحظة فهم واحدة، بل تكمن أيضًا في قدرته على تجديد التجربة القرائية وإنتاج إمكانات متعددة للتأويل.

خامسًا: أفق الانتظار ولذة النص في قراءة الأدب الحديث

تتضح أهمية المفهومين عند قراءة الرواية الحديثة وقصيدة النثر والنصوص التجريبية التي تعمل على تفكيك القواعد المألوفة للسرد واللغة. ففي الرواية التقليدية، قد ينتظر القارئ تسلسلًا زمنيًا واضحًا، وشخصيات مستقرة، وحبكة تقود إلى نهاية محددة. أما الرواية التي تعتمد تعدد الأصوات، أو اضطراب الزمن، أو النهايات المفتوحة، فإنها تزعزع هذه التوقعات وتفرض على القارئ طرائق جديدة في القراءة.

ولا يعني ذلك أن كل نص تجريبي يحقق بالضرورة قيمة جمالية مرتفعة، أو أن الغموض غاية في ذاته. فالمخالفة الجمالية ينبغي أن تكون جزءًا من بناء فني قادر على إنتاج الدلالة، لا مجرد خرق اعتباطي للمعايير. كما أن استجابة القارئ لا تتحدد بخصائص النص وحدها، بل تتأثر بتكوينه الثقافي، واستعداده لقبول التجريب، والمرجعيات الأدبية التي يستند إليها.

أما في قصيدة النثر، فقد تتولد لذة القراءة من انزياح اللغة عن استعمالها المألوف، ومن تكثيف الصورة، وتفكيك العلاقات المنطقية، وفتح المجال أمام الإيحاء والتناص. وهنا قد لا يجد القارئ متعة في الوصول إلى معنى واحد نهائي، بل في تتبع العلاقات المتعددة التي تنتجها الكلمات والصور والإيقاعات الداخلية.

وفي الحالتين، يكشف أفق الانتظار عن طبيعة التحول الذي يطرأ على توقعات المتلقي، بينما تساعد لذة النص على فهم الكيفية التي تتحول بها المفاجأة أو الحيرة أو التعدد الدلالي إلى خبرة جمالية. وهكذا تصبح القراءة فعلًا منتجًا للمعنى، ومجالًا لاختبار حدود اللغة وإمكانات الكتابة.

خاتمة

يتضح أن مفهومي أفق الانتظار ولذة النص يقدمان مدخلين متكاملين، وإن كانا غير متطابقين، لفهم جمالية التلقي في النقد الأدبي الحديث. فأفق الانتظار عند هانس روبرت ياوس يبرز تاريخية القراءة، ويكشف عن دور توقعات المتلقي في تحديد القيمة الجمالية للعمل الأدبي، في حين يسلط رولان بارت الضوء على التجربة التي تنشأ من الاحتكاك باللغة، وما قد تحققه الكتابة من لذة أو نشوة أو زعزعة للمعنى المستقر.

ولا تتحقق العلاقة بين المفهومين في مجرد الانتقال من التوقع إلى المفاجأة، بل في التفاعل المستمر بين خبرة القارئ السابقة وإمكانات النص الجديدة. فقد يستجيب النص لأفق الانتظار أو يخالفه، وقد تتحقق لذته من الألفة أو من الاختلاف، من وضوح المعنى أو من انفتاحه على التأويل.

وعليه، فإن جمالية العمل الأدبي لا تُختزل في بنيته الداخلية وحدها، ولا في استجابة القارئ الذاتية وحدها، بل تتشكل في العلاقة المركبة بين النص والقارئ والتاريخ. ومن هذه العلاقة يستمد الأدب قدرته على تجديد المعنى، وتوسيع أفق التجربة الإنسانية، وتحويل القراءة من فعل استهلاك إلى ممارسة جمالية ومعرفية متجددة.

 المراجع
  1. Jauss, Hans Robert. Toward an Aesthetic of Reception. Translated by Timothy Bahti, University of Minnesota Press, 1982.
  2. Barthes, Roland. Le Plaisir du texte. Paris: Éditions du Seuil, 1973.
  3. Iser, Wolfgang. The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response. Translated by David Henry Wilson, Johns Hopkins University Press, 1978.
  4. Barthes, Roland. S/Z. Paris: Éditions du Seuil, 1970.
  5. Jauss, Hans Robert. Aesthetic Experience and Literary Hermeneutics. Translated by Michael Shaw, University of Minnesota Press, 1982.
  6. Eagleton, Terry. Literary Theory: An Introduction. University of Minnesota Press, 1983.

#السارد# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم