لمحة عن حي الشاغور الدمشقي.

حي الشاغور الدمشق في الزاوية الجنوبية الغربية من قلب دمشق القديمة، حيث تتشابك الأزقّة وتتعانق الحكايات، يمتدّ حيّ الشاغور بهدوء، كرجلٍ طاعنٍ في السنّ يحتفظ بأسراره. هو حيّ لا يُقيم فقط داخل السور وخارجه، بل يسكن في ذاكرة المدينة منذ أيام الآراميين، كما يذكر المؤرّخون. وله جناحان: الشاغور الجواني، الملتصق بروح المدينة المسوّرة، والشاغور البراني، الذي خرج إلى فسحة البساتين الممتدّة جنوباً حتى تخوم ما نعرفه اليوم بمخيّم اليرموك. هناك، حيث كانت الأرض سخيّة والخضرة مديدة، وُلدت مهنتان من رحم الحاجة: تربية البغال، والعربجيّ الذي كان ينقل الغلال والخيرات بين الغوطة والمزّة.بين الجواني والبراني يمتدّ شارع البدوي، شريان الحيّ النابض، وتحته، في صمتٍ عميق، تتسرّب مياه نهر بانياس، أحد فروع بردى السبعة، وكأنّها تسقي الذاكرة قبل الحجر.في عمق هذه الذاكرة، ما يزال المرشد السياحي بلال المصري يروي بابتسامة عارف أن شجاراً قديماً بين أبناء الشاغور وأبناء الميدان ظل قائماً زمناً، تعود أصوله إلى نزاعاتٍ قبلية توارثتها الأجيال، كأنها قطعة من فولكلور المحلّة لا يُراد لها أن تموت.وللشاغور وجه آخر، وجه البيوت التي تآلفت على مدى القرون. من حارة مئذنة الشحم، خرجت عائلات تركت أثرها في سوريا والعالم. هنا وُلد الشاعر نزار قباني، حفيد أحمد أبو خليل القباني، ذاك الذي غيّر اسم عائلته من “آق بيق” ليؤسّس بها المسرح الغنائي العربي. وهنا بيت نظام، الذي نقش على جدرانه تاريخ 1760، وتداولته عائلات دمشقية عريقة قبل أن تستخدمه القنصلية الإنجليزية مقراً لها. وإلى جواره بيت السباعي، وبيت الكسم الذي لا يزال يأسر الزائر بإيوانه الجميل وبحرته وفسحته السماوية، فهو يضمّ جميع عناصر البيت الدمشقي الأصيل كما ينبغي أن تكون.وفي أزقّة الحيّ العتيقة، تقوم مساجد وزوايا صغيرة تليق بحجمه الروحي. جامع الجراح، أحد أقدم مساجد دمشق، بمحرابه الحجري البسيط الذي يقال إن خالد بن الوليد بناه بنفسه، والذي كان يُعرف قديماً بـ”جامع الجنائز”، لأنّ أهل دمشق كانوا يصلّون فيه على موتاهم قبل حملهم إلى مدافن الباب الصغير القريبة. وفي تلك المدافن يرقد اليوم شكري القوتلي، ومأمون الكزبري، والشيخ عبد الهادي الباني، وإلى الشرق منها ضريح الفيلسوف الفارابي.وللحكايات الشعبية مكانها أيضاً في الشاغور. فهناك حمّام الناصري، الحمّام العثماني المتوقّف عن العمل منذ الأربعينيات، الذي ارتبط به مثل “كديش حمّام الناصري”، نسبة إلى بغل جميل المنظر قوي البنية، كان يطرب للغناء فيتمايل فرحاً وهو يحمل الحطب. وتقول حفيدة صاحب الحمّام إنه كان ذا أذن موسيقية نادرة.وفي زقاق ضيّق قرب السور، لا يعرفه إلا القليل، قبر صغير تروي عنه الألسن حكاية “ست نفيسة”، فتاة متديّنة هربت من الرومان واختبأت في هذا المكان، فلم يجدوها، وبقي قبرها هناك، غامضاً، دافئاً، كأنه سرّ صغير من أسرار الحيّ.أما شارع البدوي، فكان في زمن الانتداب الفرنسي نبضاً مختلفاً. عُرف يومها بـ”شارع الملاهي”، وعملت فيه فتيات يهوديات وأخريات هربن من الغوطة، وغنّى فيه رفيق السبيعي في بداياته وفايزة أحمد. لكنه لم يكن مجرّد شارع للهو، بل كان ممرّاً لثوار الغوطة الذين يدخلون دمشق منه لمقاومة المحتلّ. لذلك أقام فيه الفرنسيون المخافر والحواجز، وحوّلوه إلى مركز أمني شديد الحساسية.من هذا الحيّ خرج يوسف العظمة، وشكري القوتلي الذي دمّر الفرنسيون منزل أهله عقاباً له، فباع أملاكه ليشتري سلاحاً للثوار. ويروي شيخ مهندسي دمشق الراحل خليل الفرّا أن الشاغور كان أكثر أحياء دمشق توتراً أمنياً حينها، وفيه “كركون الشيخ حسن”، الذي صار لاحقاً أحد أسوأ مراكز الاعتقال في عهد النظام البائد.هكذا كان الشاغور ولا يزال: حيّاً نبت مع المدينة، وسكنته عائلات حملت لواء الثورة، وقدّمت شهداء في سبيل دمشق. المصدر:صفحة الدكتورة عزة آقبيق :#سوريات_souriat#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم