الزملاء الأعزاء:
مقابلة مع الفنانة المهندسة (أنعام منذر حمودي)
حين تتحول الهندسة إلى فن، ويغدو التراث رسالة حياة.
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة التكنولوجيا وتتبدّل فيه ملامح الحياة، تبقى هناك شخصيات تؤمن بأن الأصالة ليست ذكرى من الماضي، بل مشروعٌ للمستقبل. شخصيات استطاعت أن تجمع بين دقة العلم، ورهافة الفن، وعمق الانتماء للهوية الوطنية، فصنعت لنفسها بصمةً استثنائية تستحق التقدير.
ضيفتنا اليوم واحدة من هذه النماذج الملهمة؛ مهندسةٌ جمعت بين الإبداع الهندسي، والبحث العلمي، والعمل المجتمعي، والفن التشكيلي، لتجعل من التراث السوري مصدر إلهام وإبداع معاصر. إنها المهندسة أنعام منذر حمودي، مهندسة الكهرباء، ومدربة نظم المعلومات الجغرافية، ورسامة، ومؤسسة العلامة التجارية «نعومي» للحلي التراثية اليدوية. في هذا اللقاء، نصحبها في رحلة ثرية نتعرف من خلالها إلى محطات نجاحها، وشغفها بالتراث، ورؤيتها في تحويل المعرفة والهواية إلى رسالة تنموية وإنسانية.
التقيناها من خلال مشاركتها في معرض إبداع مهندسة في صالة المعارض في مدينة طرطوس القديمة، وتوجهنا لها بمجموعة من الأسئلة:
………………………………………………………………….
السؤال الأول: نود أن نبدأ ببطاقة تعريفية عن شخصكم الكريم.
الجواب:
أنا المهندسة أنعام منذر حمودي، مهندسة كهرباء اختصاص إلكترون، خريجة كلية الهندسة الكهربائية بجامعة دمشق. أمارس الرسم والتصميم الغرافيكي، وأعمل مدربةً معتمدة في نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، إلى جانب اهتمامي بالبحث في التراث السوري. كما أسست العلامة التجارية المسجلة «نعومي» (Naomi) المتخصصة في تصميم وصناعة الحلي التراثية اليدوية المستوحاة من الإرث الحضاري السوري.
……………………………………………………………………..
السؤال الثاني: شاركتِ في معرض «إبداع مهندسة» في صالة المعارض في طرطوس القديمة، بمجموعة من الأعمال التراثية؛ كيف بدأت هذه الهواية، وما الذي يميزها؟
الجواب:
بدأت الحكاية بشغفٍ رافقني منذ الطفولة، حين تأثرت بوالدي وبالبيئة التراثية التي نشأت فيها. كانت البداية مع الرسم وتوثيق الزخارف والعناصر التراثية، ثم تطور هذا الشغف تدريجياً ليصبح مشروعاً بحثياً وحرفياً يعنى بدراسة تاريخ الحلي السورية وخصائصها الفنية والجمالية.
اعتمد في عملي على دراسة اللقى الأثرية المحفوظة في المتاحف، والاستفادة من المراجع التاريخية لفهم تقنيات الصناعة والمواد المستخدمة وأساليب الصياغة عبر العصور. وفي ورشتي الصغيرة أعمل على إنتاج حلي يدوية معاصرة تستلهم روح التراث، مستخدمةً خامات طبيعية ومتوافرة، مثل النحاس، والزجاج اليدوي، والخزف، في محاولة للجمع بين أصالة الماضي وذائقة الحاضر.
………………………………………………………………………
السؤال الثالث: لكم اهتمام خاص بصناعة الحرير الطبيعي. كيف تنظرين إلى واقع هذه الحرفة، وما أبرز مقترحاتكم للحفاظ عليها؟
الجواب:
جاء اهتمامي بصناعة الحرير باعتبارها جزءاً أصيلاً من التراث اللامادي السوري، ولما تمثله من قيمة اقتصادية وتنموية في الوقت نفسه. فقد نشأت في منطقة كان الحرير فيها يُعرف بـ«الذهب الأبيض»، حيث كانت تربية دودة القز وزراعة أشجار التوت تشكلان مورداً أساسياً للأسر.
ومن خلال عملي الوظيفي أعددت دراسة تطبيقية تناولت واقع صناعة الحرير في سوريا بين الماضي والحاضر، وأبرزت أهميتها في تحقيق التنمية المحلية، لكونها من المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية المرتفعة، إضافة إلى قيمتها التراثية الكبيرة.
ومن أبرز التوصيات التي خلصت إليها الدراسة: إعادة التوسع في زراعة أشجار التوت، وتشجيع تربية دودة القز وفق أساليب حديثة، وتأهيل المربين ودعمهم بمستلزمات الإنتاج، إلى جانب إحياء الحرف التقليدية المرتبطة بهذه الصناعة وصونها من الاندثار. ويبقى التسويق الفاعل، برأيي، حجر الأساس لضمان استدامة هذا القطاع ونجاحه.
………………………………………………………………….
السؤال الرابع: كيف استطعتِ تحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل، والأسرة، وشغفك الشخصي؟
الجواب:
أؤمن بأن الأسرة هي الركيزة الأولى في حياة الإنسان، ولذلك كانت ولا تزال أولويتي الأساسية. وبفضل الله، ثم بالدعم الكبير الذي تلقيته من زوجي المهندس، استطعنا أن نوفر لأبنائنا البيئة المناسبة للتعلم والنجاح، حتى أصبحوا اليوم طبيبين ومهندساً مدنياً، وهو الإنجاز الذي أعتز به قبل أي نجاح مهني.
وفي الوقت ذاته، واصلت تطوير مسيرتي المهنية كمهندسة، ومدربة في نظم المعلومات الجغرافية، ومديرة مشاريع، دون أن أتخلى عن شغفي بالفن والتراث، لأنني أؤمن بأن الإنسان يستطيع أن ينجح في أكثر من مجال عندما يمتلك الإرادة وحسن تنظيم الوقت.
…………………………………………………………….
السؤال الخامس: ما الرسالة التي تودين توجيهها لكل مهندسة تمتلك هواية أو مشروعاً خاصاً؟
الجواب:
الهواية ليست مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل هي مساحة للإبداع، ومصدر للتوازن النفسي، وفرصة حقيقية لاكتشاف القدرات وتنمية المهارات. وبالنسبة للمهندسات، فإن الهواية قد تتحول إلى مشروع ريادي ناجح، لأن الدراسة الهندسية تمنح صاحبها أدوات التفكير المنهجي، والتخطيط، والإدارة.
ومن خلال تجربتي في العمل مع ريادة الأعمال، لاحظت أن العديد من المشاريع الناجحة كانت تقف خلفها مهندسات استطعن تحويل مواهبهن إلى أعمال منتجة ذات أثر اقتصادي واجتماعي. واليوم، نحن بأمسّ الحاجة إلى مثل هذه المبادرات، لأنها تسهم في دعم التنمية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز ثقافة الإنتاج، ولا سيما في المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر.
…………………………………………………………
في ختام هذا اللقاء، لا يسعنا إلا أن نعبر عن بالغ تقديرنا للمهندسة أنعام منذر حمودي، التي جسدت نموذجاً مشرقاً للمرأة السورية الطموحة، القادرة على الجمع بين التميز العلمي، والإبداع الفني، والالتزام المجتمعي، والوفاء لتراث الوطن.
لقد أثبتت أن الهندسة ليست علماً فحسب، بل رؤية تبني الإنسان قبل المكان، وأن الحفاظ على التراث مسؤولية وطنية يمكن أن تتحول إلى مشروع حضاري وتنموي يحمل عبق الماضي إلى الأجيال القادمة بروح معاصرة.
كل الأمنيات لها بمزيد من النجاح والتألق، وأن تواصل رحلتها في إحياء التراث السوري الأصيل، ليبقى حاضراً في الذاكرة، ومتجدداً في الإبداع، ونابضاً بالحياة.
………………………………………………….حزيران 2026
أجرت المقابلة: المهندسة الفنانة سوسن جريس – عضو لجنة النشاط والإعلام
إعداد: المهندس غياث محمود – رئيس لجنة النشاط والإعلام


