لا بدّ أن يصادف جميع المصورين، عاجلاً أم آجلاً، التعريف التالي: “التصوير هو الكتابة بالضوء”. هذا المفهوم (من الكلمتين اليونانيتين phôs، أي الضوء، وgraphè، أي الكتابة)، هو الركيزة التي يقوم عليها شغفنا. ولكن ما هو الضوء، وما هو دورك أنت في عالم التصوير؟
محتويات المقال
الاختيار الواعي: البحث عن الضوء المناسب لصورتك
الضوء المنتشر
الضوء الموجه
الخاتمة: الضوء كبصمة
الخيار الواعي: البحث عن الضوء المناسب لصورتك
في التصوير الفوتوغرافي تحت الإضاءة الطبيعية، كالتصوير الفوتوغرافي للحياة البرية أو المناظر الطبيعية، من السهل الاعتقاد بأن الضوء أحد المتغيرات التي لا يستطيع المصور التأثير عليها. وإذا أخذنا هذا القول حرفيًا، فهو صحيح.
ما يستطيع المصور التأثير فيه هو اختيار الوقت المناسب للخروج لجلسة التصوير، ونوع الموضوع الذي يبحث عنه، بناءً على توقعات الطقس. وفي النهاية، اختيار الصور التي يفضل التقاطها. وهكذا، نعود إلى النقطة الأساسية: حتى مصور الحياة البرية أو المناظر الطبيعية يستطيع اختيار الإضاءة في صوره.

لكن الحديث بشكل عام عن “الضوء” قد يكون مضللاً: فليس هناك نوع واحد فقط! دعونا نحاول تحديد بعض الاحتمالات التي تحدث غالباً في الطبيعة:
إضاءة مباشرة على هدف التصوير
الإضاءة الأمامية: إضاءة موحدة، تُسطّح الشكل.
الإضاءة العلوية: إضاءة قوية، تُسطّح الشكل مع ظلال حادة وتباينات قوية.
الإضاءة الجانبية: تباين قوي، بُعد ثلاثي، ظلال حادة.
الإضاءة الخلفية: إضاءة محيطية أو إضاءة حافة (حافة ساطعة).
ضوء منتشر على هدف التصوير
غيوم رقيقة: لا تزال لها العديد من التأثيرات نفسها التي يُحدثها الضوء المباشر، ولكن بتباين أقل.
يوم غائم: تباين منخفض، وظلال أكثر سطوعًا، وتشبع لوني أقل.
يوم ممطر: تباين منخفض، وتفاصيل قليلة، وأحيانًا تشبع لوني أعلى.
الهدف في الظل: ضوء موحد وناعم جدًا؛ قد تكون الخلفية أكثر سطوعًا أو تحتوي على لمعان.
لديّ تفضيلاتي الخاصة بين أنواع الإضاءة المختلفة هذه، ولولا ذلك لما كُتبت هذه المقالة حول إيجاد الإضاءة المناسبة. بالنسبة لي، هناك نوعان: الإضاءة المنتشرة والإضاءة الجانبية. لا أعرف حقًا كيف أختار أحدهما مفضلًا، مع أنني مؤخرًا أميل أكثر إلى الإضاءة المنتشرة. ولكن، كما سنرى، غالبًا ما يتغير هذا التفضيل بناءً على الموضوع والسياق والهدف النهائي من الصورة. سأشرح الآن هذين النوعين من الإضاءة بمزيد من التفصيل.
الضوء المنتشر

يحدث الضوء المنتشر عندما يتم ترشيح مصدر الضوء الرئيسي، الشمس، وتشتيته بواسطة طبقة واسعة من السحب البيضاء أو الرمادية، بشرط ألا تكون كثيفة جدًا. في هذه الحالة، تعمل السماء كصندوق إضاءة طبيعي ضخم، يُضيء المشهد بشكل متجانس ويقلل التباين. كما أنه يملأ الظلال، مما يُعد ميزة كبيرة، خاصةً في التصوير الفوتوغرافي الماكرو، والصور الشخصية البيئية، والمناظر الطبيعية الحميمة، وتصوير الغابات.

بعض النقاط التي يجب مراعاتها عند التعامل مع الضوء المنتشر:
- التعريض الضوئي والمخطط البياني: نظرًا لانخفاض التباين، يصبح من الأسهل من المعتاد الحصول على تعريض ضوئي صحيح، بحيث لا يُفرط في إضاءة المناطق الساطعة ولا يُغمق الظلال بشكل مفرط. إذا كانت السماء ضمن الإطار، فيجب توخي الحذر لتجنب الإفراط في تعريض المناطق الساطعة.
- انخفاض حدة الإضاءة: بفضل تجانس الإضاءة المنتشرة، من النادر وجود مناطق شديدة الإضاءة أو ظلال سوداء داكنة على الهدف أو حوله. وهذا يُبرز الهدف بجماله الطبيعي، دون تأثير الظلال الحادة أو أشعة الشمس الساطعة.
- التشبع اللوني: تسمح الأيام الغائمة بظهور ألوان الهدف الطبيعية وتشبعها بشكل أفضل (خاصةً بعد المطر). في الواقع، إذا كان الهدف يتمتع بألوان زاهية، فإن أشعة الشمس المباشرة قد تُفقدها تشبعها، بينما تُبرزها الإضاءة المنتشرة. في المقابل، تبدو الأهداف ذات الألوان الباهتة أكثر رمادية في الأيام الغائمة.
- النمط الخاص: شخصياً، أعشق الحالة الهادئة، وأحياناً الحزينة، التي يضفيها الضوء المنتشر. إنه ضوء تأملي، مثالي للمواضيع التي تتطلب أسلوباً أكثر حميمية في التصوير.
يُشار أيضاً إلى الضوء المنتشر عند التصوير خلال ساعات الشفق وفي الظل. في كلتا الحالتين، غالباً ما يظهر مسحة لونية باردة، ناتجة عن لون السماء. ويبقى الخيار الفني للمصور هو تصحيح هذا المسحة أو الإبقاء عليها.

يتواجد الضوء المنتشر أيضًا عند هطول المطر أو الثلج أو الضباب. ورغم أن هذه الظروف غالبًا ما تُحسّن المزاج العام، وأنا شخصيًا أُحبّها كثيرًا، إلا أن كمية الضوء عادةً ما تكون أقل بكثير، وكذلك حدة الصورة التي تستطيع الكاميرا التقاطها. لكن بالتأكيد، إنها تجربة تستحق المحاولة إن لم تكن قد جربتها من قبل.
الضوء الموجه
على النقيض، يأتي الضوء الموجه من الشمس مباشرةً، مُحدثًا ظلالًا حادة. وكما هو الحال لدى معظم الناس، فإنّ الضوء الموجه المُفضّل لديّ هو ذلك الناتج عن الشمس المنخفضة، في الساعات التي تلي شروقها مباشرةً وتسبق غروبها (الساعة الذهبية)، وخلال أواخر الخريف والشتاء، عندما تبقى الشمس منخفضة لفترة أطول.
في تلك اللحظات، يمرّ الضوء عبر مساحة أكبر من الغلاف الجوي، مُكتسبًا درجات لونية دافئة، ومُنتجًا تباينًا أقل حدة من ضوء شمس الظهيرة، مع الحفاظ على توجيهه القوي. يُضفي هذا النوع من الضوء بُعدًا ثلاثيًا أكبر على الموضوع، وهو الأداة الأمثل لنحت الشكل والملمس.

نقاط يجب الانتباه إليها:
- التعريض الضوئي والمخطط البياني: انتبه جيدًا هنا! خاصةً إذا سقط الضوء على الهدف دون إضاءة الخلفية، فقد يواجه نظام قياس الإضاءة في الكاميرا صعوبة. لذا، عليك مراقبة تعويض التعريض الضوئي بدقة. أحيانًا، يكون الفرق في السطوع شديدًا لدرجة أن المستشعر يعجز عن التقاط النطاق الديناميكي الكامل للمشهد. في هذه الحالات، أجد دائمًا أنه من الأفضل ضبط التعريض الضوئي على المناطق الساطعة.
- التجسيد ثلاثي الأبعاد: عندما تكون الشمس جانبية، تُضفي الظلال التي يُسقطها الهدف مظهرًا ثلاثي الأبعاد. تظهر تفاصيل الفراء أو الريش لدى الحيوانات، أو العشب في المناظر الطبيعية، بواقعية مذهلة. لتعزيز هذا التأثير، ضع نفسك بحيث يكون الهدف مضاءً من زاوية وليس بشكل مباشر.
- تقبّل الظلال: لا داعي للخوف من الظلال، فهي جزء لا يتجزأ من التكوين. استخدمها كدليل، أو كعنصر تباين (خاصةً على الثلج أو الرمال)، أو كخلفية داكنة لعزل عنصر مضاء (مبدأ تباين الضوء والظلام).
- توازن اللون الأبيض: عادةً ما أستخدم خاصية توازن اللون الأبيض التلقائي في كاميرتي، مما يقلل من اللون الدافئ الموجود في أقصى درجات سطوع النهار. لذلك، أقوم بضبطه في مرحلة ما بعد المعالجة، وغالبًا ما أختار ببساطة “ضوء النهار” في برنامجي. إذا كنت تصوّر بصيغة RAW، فإن تغيير توازن اللون الأبيض في مرحلة ما بعد المعالجة أمرٌ سهل.

الخاتمة: الضوء كبصمة
التصوير الفوتوغرافي هو في جوهره “كتابة بالضوء”. فكما تكتب بكلماتٍ عديدة في اللغة، تكتب بأنواعٍ عديدة من الضوء في التصوير. ليس هناك نوعٌ واحدٌ فقط؛ فالضوء موجودٌ عبر طيفٍ واسعٍ من الجودة والاتجاه.
من المهم لأي مصور فهم ظروف الإضاءة المختلفة وكيفية استغلالها. يتطلب ذلك البحث الدؤوب عن “إضاءتك الخاصة” – الإضاءة التي تُجسّد رؤيتك الشخصية في الصورة بأفضل صورة.
لا يُسهم هذا في تحسين جودة التصوير فحسب، بل يُساعد أيضًا في تحديد عنصر أساسي في أسلوبك الفني. لذا، عند التخطيط لجلسة التصوير القادمة، ضع هذا المفهوم نصب عينيك، وابحث عن الإضاءة التي تُعبّر على أكمل وجه عن الحالة المزاجية التي ترغب في خلقها.
المصدر: photography life


