كليوباترا فى عيون المسرحيي

نمحمود محمد كحيلة

منحت ” كليوباترا ” من الجمال والفتنة ما لم تفلح عشرات القرون من الزمان أن تمحيه من ذاكرة الإنسانية مهما عرفت من جميلات ، إذ نجحت بشجاعتها وبسالتها فى إنشاء موقعها المتميز على خارطة التاريخ الإنساني والمقصودة بالقول هى (كليوباترا السابعة) حفيدة بطليموس المقدوني الذى ورث حكم مصر من الاسكندر الأكبر الذى مات عام (323) قبل الميلاد . وهى الملكة الأكثر شهرة بين ملكات وملوك البطالمة ، لما أحاط بسيرتها العاطفية ومسيرتها التاريخية من سحر وغموض ولدورها التاريخي المتفرد كآخر من حكم مصر من نسل البطالمة المقدونيين وما أعقبه من سيطرة رومانية انتهى بالفتح الإسلامي لها عام (21) هجرية الموافق (642) ميلادية أثناء حكم الخليفة عمر بن الخطاب وقيادة عمر بن العاص عقب انتهائه من فتح فلسطين .وسوف نعرض لبعض البراهين على ذلك من كتابات ومعالجات درامية مسرحية اهتمت بسيرة ” كليوباترا ” وما ارتكزت عليه أغلب هذه المعالاجات المسرحية من كتابات المؤرخ الإغريقي الشهير ” بلوتارخوس ” كأول من اهتم من البشر بتدوين التاريخ عام 120م . والذي كتب عن كليوباترا قائلا [ هى أفتن امرأة بين الملكات جميعاً فى الشرق والغرب وقد كان هذا أدعى لأن تجتذب حُب اثنين من أشهر رجال العالم العظماء وهما : ” يوليوس قيصر ” و” مارك أنطونيوس “] .أما عن تاريخ مولدها ومختصر سيرتها قال [ ولدت كليوباترا سنة 69 ق . م ، وكانت على أن تبنى بأخيها الأصغر وتتولى العرش معه ، فنوزعت فى هذه الشركة ففرت إلى سوريا لتعبئ جيش هناك لتستعيد به التاج ، وهناك قابلت ” يوليوس قيصر ” فوقعت فى نفسه فمكنها من العرش شركة مع أصغر أخويها فما لبست أن قتلته مسموماً ، وتبعت قيصر إلى روما فاحتفى بها حفاوة أثارت سخط الرومان وقتل قيصر فترددت فيمن تتبع حتى آل النصر إلى أنطونيوس وأتباعه ، فقدمت له فروض الطاعة فما لبث أن أحبها وفتن بها فضحى فى سبيلها بمكانه وكبريائه وأخيراً بملكه ومطامعه وحياته وقضيا الشتاء التالى فى الإسكندرية فى غرام نسيا فيه كل شئ ] .ويلاحظ أن ” بلوتارخوس ” فى الحديث عن كليوباترا يستخدم قاموساً مختلفاً تماما عن ذلك الذى يستخدمه فى كلامه عن روما ، ومثال ذلك قوله [ أرادت كليوباترا أن تعيد الكرة مع القيصر الظافر وأن تفعل ما تفعل بأنطونيوس بعد أن أرسلت من يخبر أنطونيوس بانتحارها ، فما كان منه إلا أن انتحر وأرسل من يؤكد لها أن أكتافيوس سيمعن فى إذلالها إذا تمكن منها فانتحرت ] . وهذه الكلمات غير البريئة من التحيز كانت هي المصدر الرئيسي لكافة الكتابات والإبداعات المسرحية عن كليوباترا ، التى أراد عدوها القوى المسيطر على العالم آن ذاك أكتافيوس قيصر طمس آثارها آملاً محو ذكرها لكن خاب سعيه وكتب عنها من المسرحيين فقط كتاب فرنسيين وإنجليز ومصريين نصوصاً هى ( كليوباترا ) للكاتب الفرنسي (إيتين جوديل) مأساة درامية كتبها عام (1552)م ،و كتب الشاعر والكاتب المسرحى الإنجليزي الشهير ” وليم شكسبير ” نصان مسرحيان من وحى حكاية كليوباترا وهذان النصان هما [ يوليوس قيصر ] و [ أنطونيوس وكليوباترا ] و كتب المسرحى الفرنسي ” جان ميريد ” مسرحية [ مارك أنطوان أو كليوباترا 1635 ] م وكتب بعدها مسرحية [ مقتل قيصر 1635 ] م ، وفى إنجلترا كتب عن كليوباترا الشاعر والناقد الأكثر شهرة [ جون درايدن ] عام 1677م مسرحية تعالج قصة حب أنطونيوس وكليوباترا بعنوان [ كل شئ يهون فى سبيل الحب أو الدنيا فداء للحب ] وكتب المسرحى الإنجليزي ” فاليرى ” نصاً مسرحياً بعنوان [ كليوباترا] عام 1775 م ، وكتب الإنجليزي الأيرلندي الأصل ” جورج برنارد شو ” نصاً مسرحياً عن الملكة الشهيرة وعلاقتها بيوليوس قيصر بعنوان ” قيصر وكليوباترا ” وعام (1929) م كتب أمير الشعراء أحمد شوقى مسرحية عن موت كليوباترا بعنوان (مصرع كليوباترا) وكتب عنها رائد المسرح العربى (توفيق الحكيم) مأساة مسرحية بعنوان (لعبة الموت) ، وكتب عنها أستاذ الأدب اليوناني المصرى الجنسية أحمد عتمان نصاً بعنوان (كليوباترا تعشق السلام ) ، وكتب المسرحى المصرى (سعيد حجاج) مسرحية بعنوان (كليوباترا) ، وأخيراً قدم على مسرح الهناجر بالقاهرة عرضاً حديثاً من عروض التأليف الجماعي فى إطار كوميدي بعنوان (كيلوبطة و أنطوريو) وفى إطار التواجد الإلكتروني أنشأ عدد من الأحفاد من جنسيات مختلفة موقع يختص بسيرة كليوباترا السابعة ومسيرتها على الإنترنت بعنوان (امرأة تعنى مصر) ومن محتويات الموقع نصاً مسرحياً وثائقياً يحمل العنوان ذاته ( امرأة تعنى مصر ) .وأكثر ما يميز هذه الإبداعات المسرحية الكثيرة والمتناثرة هو تباينها لاختلاف الآراء بشأنها فكل يراها برؤيته ويعبر عن اهتمامه بها بطريقته ، وهى عند شكسبير المنحاز لكلام بلوتارخوس مع أنطونيوس تقيم بالإسكندرية العاصمة فى حالة إسراف فى الحب يعلق عليها الفارس الرومانى أنطونيوس لتبرير انسحابه من معركته الأولي ضد مواطنه أكتافيوس بقوله : [ ضاع الأمل .. هذه المصرية السوداء قد خانتنى .. أسطولى استسلم إلى العدو .. وها هم بحارتي هناك يقذفون قبعاتهم غيظاً فى الهواء .. لقد حطمتني خيانة المصرية السوداء الجسم والنفس .. تباً للفاتنة المشئومة التى كانت نظراتها ترسلني إلى الحرب أو تستقبلني فى البيت تلك كانت صدرها ملاذي ومنتهى أملى بالها من غجرية خداعة .. جرتني بحيلها ومكائدها إلى العار والدمار ] .كلمات تتنافى مع المنطق ومع ما حدث فى الجزء الثاني من المعركة التى كاد أنطونيوس أن ينتصر فيها لولا خيانة بعض قواد جيشه وجنوده من الرومان وانضمامهم إلى مواطنيهم من جيوش أكتافيوس وهى الخيانة التى لم يستطع أنطونيوس تصديقها فمنى بالهزيمة وجاءه خبر انتحار كليوباترا فانتحر حزناً عليها طالباً من أتباعه أن ينقلوه إلى حيث يرقد جثمانها فلما ذهب ووجدها على قيد الحياة حذرها من أكتافيوس الذى جاء لينتقم ومات أنطونيوس وانتحرت كليوباترا عملاً بنصيحته ، وماتت ممددة على فراشها محتفظة بكامل جمالها وروعتها ، ولما وصل أكتافيوس أمر بما يلي : [ أكتافيوس : سنتولى دفنها إلى جانب صاحبها أنطونيوس .. لأن ليس فى الدنيا من قبر ضم زوجين هكذا لامعين ..أن أحداث هامة كهذه تقضى عادة على صانعيها ، فتحيا قصتهم طويلاً كما المجد الذى حال من نهايتها مأساة أليمة مؤسفة سيرافق جيشنا موكب الجنازة الرسمي حتى روما ] .بعد كل العناء الذى لقية أكتافيوس حتى انتصر فى المعركة وببساطة وعلى الرغم مما يحمل من بغض وضغينة لكليوباترا وما يحمله من حقد لأنطونيوس يتعاطف معهما فى النهاية وهو الذى قطع كل هذه الأميال للقضاء عليهما ثم يتمادى فى الكرم فيأمر بدفنهما معاً لتخليد قصة حبهما ، ولماذا يخلدها إذن إذا كان حقاً يعتبرها وصمة عار فى التاريخ الرومانى وهى فى الوقت نفسه أماً للقيصرون الذى يعتبر الوريث الشرعي الوحيد لحكم روما والذي كان أهم ما يشغل أكتافيوس هو كيفية التخلص منه ، و غفل شكسبير عن قصد العلاقة الشهيرة بين كليوباترا ويوليوس قيصر والتى أدت إلى إنجاب ” القيصرون ” متجنباً التفاصيل التى تحتاج بدورها إلى مبررات ، وفى مسرحية ” يوليوس قيصر ” تظهر كليوباترا تلميحاً أو تصريحاً برغم أهمية دورها فى الفترة الأخيرة من حياة يوليوس قيصر ، وهذا ما تم تداركه فى مسرحية يوليوس قيصر وكليوباترا للكاتب الإنجليزي الساخر ” جورج برنارد شو ” (1856-1950) والتى تجرى أحداثها فى معبد الإله آمون فى طيبة ، ويستهل شو نصه الساخر بمشهد خيالي طريف للإله رع يخاطب المشاهدين :رع : صمتاً .. صمتاً .. اسمعوا وعوا أيتها الأقزام الغريبة .. أعيروني أذناً صاغية ، واعلموا أنى رع ( لحظة ) أعرف أنكم لا تستطيعون الركوع أو السجود لأنكم محشورون فى صفوف تقيد حركتكم وأنا لا أطلب منكم أن تعبدوني .. ولكنى آمركم بالسكوت فقد جئت لأعود بكم إلى أكثر من ألفى سنة إلى الوراء ، أيام كان الناس يعبدونني كانت هناك روما القديمة ، كانت فقيرة وصغيرة .. فنهبوا ضعفاء البلاد الأخرى وضموها إليهم حتى تكونت روما الكبيرة .. مترامية الأطراف ، والآن هل تريدون المزيد أم تفضلون النوم بينما يتكلم إله مثلى .ويحكى شو عن القتال بين “يوليوس قيصر” وغريمه الرومانى الذى كان صديقه ” بومبيوس ” ويعلق الكاتب على صراعهما قائلاً : ” كلب يطارد كلب ” و ينتهى المشهد الافتتاحي بهذا التصرف المرح الطريف :رع : ثم . ما بقى من القصة يجب أن تشاهدوه بأنفسكم الوداع وإياكم أن تصفقوا لى .. إياكم .. فأنا لا أحب التصفيق .وكليوباترا فى هذه المسرحية فتاة صغيرة السن تختبئ خوفاً خلف أبى الهول تحتمي به من بطش العجوز الشرير الأصلع ” يوليوس قيصر ” .كانت كليوباترا صغيرة وجميلة وخفيفة الظل فأثارت إعجاب القيصر فأحبها و علمها أصول الحكم فكانت تطبق ما تتعلمه على خادمتها ” فاتتيا ” التى كانت فى السابق تخشاها ، ويحدثها يوليوس قيصر كثيراً عن أنطونيوس الشاب الماجن مما دفعها إلى الإعجاب به لأن القيصر الذى كان أقرب ما يكون عندها إلى إله ، وعندما استعد القيصر لمغادرة الشرق إذا بحراس كليوباترا يتقدمون نحو الميناء ويحملون سجادة مصرية بديعة الصنع والمنظر ملفوفة بحزم وحذق ومهارة ، هدية من ملكة مصر إلى القائد الرومانى العظيم ، و يفردها ليشاهدها فإذا بها كليوباترا الملكة الصغيرة المرحة .. جاءت تودع القيصر محبة وشاكرة ، ويودعها بدوره مؤكداً بأنه لابد أن يرسل لها أنطونيوس يراه أجدر الناس بها ، وأهم ما يميز معالجة برناردشو السخرية اللاذعة والمرحة والمعارضة لرؤية مواطنه وليم شكسبير بالإضافة إلى التجديد وإعادة صناعة الشخصيات برؤية حديثة ومحايدة ومتفتحة .أمير الشعراء أحمد شوقى (1886-1932)م كتب النص “مصرع كليوباترا ” عام 1929م بنية المبادرة إلى الإسهام فى إنشاء مسرح شعري عربي وكذلك الدفاع عن كليوباترا كمظهر من مظاهر الوطنية التى كان معارضوه يقولون أنه غير عابئ بها ، و ذلك باعتبارها رمزاً قومياً ، و بدأ أحداث النص المسرحى بافتتاحية تجمع بين ” أوروس ” العبد المطيع والخادم المخلص لأنطونيوس يتحدث مع ” أوليمبوس ” الطبيب الرومانى ويشكو كل منهما للآخر حزنه البالغ بسبب سوء أحوال سيدهما ” أنطونيوس ” وعدم اكتراثه للإستدعاءات المتلاحقة التى تأتى من روما التى تكاد بإهماله لها أن تضيع ، وفى المشهد التالى تستعرض كليوباترا المكتبة وتقابل” أنوبيس ” كبير الكهان و يخبرها باكتشاف رائع لسموم إحدى الحيات التى تميت من يتناولها ميتة سريعة مباغته وبلا ألم .وفى باقى مشاهد النص يعرض شوقى إعلان ” قيصرون ” الوريث الشرعي للقيصر الراحل ، ملكاً للبلاد وهو ما دفع ” أكتافيوس ” إلى إعلان الحرب ضد مصر، ويستقبل أنطونيوس ذلك باستخفاف ، فهو أمير المعارك والعالم كله يشهد بذلك . وتبدأ المعركة وتدور دائرة ( أكتيوم البحرية ) وتنسحب كليوباترا وتعلل ذلك بجنوحها إلى ما تحمله فى سفينتها من ذهب وأموال وثروات آثرت الحفاظ للكّرة التالية ، ويقتنع أنطونيوس وتأتى المعركة الفاصلة و تنتهي بهزيمة أنطونيوس وفراره مع تابعه أوروس فى الصحراء فى مشهد لن يكتب كما أبدعه أحمد شوقى ..أنطونيوس :أوروس إنى جُهدت مشياً ومسنى الضر والكلالفمل بنا نســــــتريح قليلاً من قبـل أن يدهم الرجال[ يجلس أنطونيوس منهوكاً فتأخذه الذكرى ]أوروس ماذا دهانـــــي حتى نســــــيت مكانىأتيت مـــــــا هد مجدى وحط رفعة شـــــــانىجـــــــــللت نفسى بعار يبقى بقاء الزمــــــــانلما حمــــــــلت جوادى على الفــرار ازدرانيوضــــــــج منى سيفى وضــــــج منى سنانيوودت الأرض تحتــي لو طـهرت من عيانيأنا الذى كان أمضــــى من الحــــــــديد جنانيالشــــرق يدرى نزالى والغرب يدرى طعانيكان المــــــلوك عبيدى فصـــرت عبد الحسانوبعد نهاية حديثه يواسيه تابعه المخلص قائلاً:أوروس :وقارك قيـصر لا تجـــــزعـن وخل المقـــادير تجر المدىتلق الهزيــــــمة ثبت الجـــنان كما كنت تلقى الفتوح العلىفما أنت أول نجـــــــــم أضاء ولا أنت آخـــــــــر نجم خباوقد تنزل شمـس بعد الصعود وتسقم بعد اعتلال الضـحىرأيتك والحــــرب تبلو الكماه فأشهد كُنت إلـــــــــه الوغىثم يطلب أنطونيوس من أوروس والذي سبق وأقسم ألا يعصى لسيده حتى آخر العمر أمراً أن يقتله ويحتال أوروس كى لا يعصى سيده فيقتل نفسه فيعلق أنطونيوس على ذلك فيقول :رأيت منى كيف يجبن قيصر ورأيت منك العبد كيف يموتترك أمير الشعراء الحوادث تجرى كما تواترت دون أن يتدخل فيضع لها ما يبررها درامياً ، وتأثر كثيراً فى معالجته ” لمصرع كليوباترا ” بمسرحية شكسبير سابقة الذكر ” أنطونيوس وكليوباترا ” مع التركيز على أحداث مصرعها .ولما كانت “لعبة الموت” هى النقطة التى انطلق منها توفيق الحكيم (1898-1987) م فى كتابته المسرحية عن كليوباترا والتى عالجها بشكل مغاير ومكان وزمان مختلفان حيث جرت أحداثها فى جناح فاخر بفندق من الفنادق والبطل أو الشخصية الأولى والمحورية مؤرخ فى الخمسين عمره يجلس فى الجناح المذكور وأمامه جهاز يسجل عليه بيانات هامة كقرائن وأدلة على الجريمة التى ستدبر لقتله كالتالي ..الرجل : ( لجهاز التسجيل ) لا داعى لذكر اسمي .. فى أوراقي كل ما يثبت شخصيتي .. لن أسجل هنا غير الحوادث التى ستجرى أمامكم خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة التى بقيت لى فى الحياة وهذا أمر مقطوع به بالطبع .. فى أوراقي أيضاً كل تقارير الأطباء . وهى لا تقبل الشك .. الإشعاع الذرى أصابني إصابة قاتلة .. الاختلاف هو على تاريخ الوفاة .الموت المنتظر حلقة واحدة فى سلسلة المعاناة النفسية لهذا الرجل التى بدأت بفقد ابنه الوحيد فى الحرب ثم وفاة زوجه حزناً علي الابن وبالمرض قرر أن يتخلص من الحياة فى أسرع وقت ، مستثمراً أطماع البشر التى دفعتهم لاختراع الأسلحة النووية والذرية ، ولأنه كمؤرخ كان شديد الاهتمام بشخصية كليوباترا التى قدم عنها أبحاث ونال عن دراستها درجات عظيمة وربح أموالاً وفيرة . لفتت انتباهه فتاة جميلة رقيقة تدعى كليوباترا ، وتقدم رقصة باسمها الملاهي الليلية المتواضعة ، ألقى قنبلة فى حياتها عندما أسلمها وصية موثقة تؤول بمقتضاها كل ممتلكاته إليها بشرط وفاته .يرتسم الذهول والدهشة على وجه الفتاة التى يعجز عقلها البسيط عن استيعاب أى شئ يتعلق بحقيقة ما حدث وهى التى كانت تعتقد أن الرجل استدعاها للفندق الفخم لرغبة أو نزوة عابرة لا وصية يتنازل بها عن ثروته بلا سبب معقول أو مقابل شرعي أو غير شرعي ، ويحاول إقناعها بما يلي : ـالمؤرخ : السبب هو اسمك .كليوباترا : إسمى ؟؟.المؤرخ : اسم ” كليوباترا” إنه عاش معى طوال حياتى لقد أرقني الليل تحت مصابيح الدرس وشردني فى بلاد العالم بحثاً عن الوثائق ، وكلل هامتي بالنصر يوم أذعت معلوماتي ، ودر عليا ربحاً كون لى الثروة بعد أن نشرت كتابي ، إن المال الذى جاءني من كليوباترا يجب أن أتركه بعد موتى لكليوباترا .. ألا تجدين هذا سبباً كافياً .وتنصرف الفتاة وفى حقيبتها الوصية فيجلس الرجل إلى جهازه ويسجل ما معناه أنها وأهلها سيدبرون الآن مؤامرة للتخلص منه بالقتل ليحصلوا على الوصية ، وبعد ذلك يختفى المؤرخ عامداً من حياة كليوباترا فتأتى لزيارته بحجة إطلاعه على الإضافات التى إضافتها لرقصتها الفرعونية لاسيما الجزء الخاص بالثعبان وبريبة وشك يتعامل الرجل مع كل ما يصدر من الفتاة ويسجل انطباعاته فى الوقت الذى ينفرد فيه ويسجل بعد انصرافها أنها جاءت لوضع الثعبان السام فى حجرته لقتله بتلك الطريقة البسيطة المقتبسة ونلمح أنه على الرغم من رغبته فى الموت يدفعه الخوف إلى فتح شباك الحجرة للهرب خوفاً من الثعبان .وتطرق الفتاة باب الحجرة فيظنها جاءت للتأكد من موته فيتضح أنها جاءت لدعوته لحضور عيد ميلادها وتتمنى وجوده فيفترض أنها تستدرجه ليقتله فتاها لاعب السيرك بسيوفه وخناجره التى سيودعها فى صدره بطريق الخطأ ليخلصه من الآلام التى تزداد بمرور الوقت .المؤرخ : إنى جاد .. موضوع عملنا واحد .. هى تلك المرأة وما قمت به أنا وغيري من المؤرخين من عرض تاريخها مشكوك فى صحته .. أما ما تقومين به أنت وغيرك من الراقصات من عرض جسدها .. فمن الذى يستطيع له تكذيباً .ويمرض فتسهر على تمريضه ، ويسألها عن سبب اهتمامها به فتلمح له عن مشاعر حب فيواجهها بأنه لا يرى أى علاقة لما يحدث بالحب وأن الحب شعور سامى ونقى وبرئ وإنها ليست مضطرة إلى إضافة جريمة الكذب إلى جرائمها معه ، ويواجهها بعلاقتها بفتى السيرك ” أنطونيوس” فتقول : ـكليوباترا : نعم يوليوس قيصر .. هو الرجل الذى كان يجب أن يكونآخر من يحتل قلب كليوباترا .المؤرخ : ولكنه جاء فى الأول .. الاعتبارات هنا زمنية .كليوباترا : القلوب لا تدق مع الساعات .. كان يجب أن يقف قلبها منبعده .المؤرخ : ويقف التاريخ .كليوباترا : لا شأن لى بالتاريخ .. إنى أتكلم عن قلب امرأة .. إن القلبالذى فتح من قبل لقيصر .. ما كان يجوز أن يفتح بعد ذلك لأنطونيوس .المؤرخ : قلب كليوباترا .. مفتوح دائماً للفاتحين .كليوباترا : ( بغضب مفاجئ ) أى كليوباترا تقصد .المؤرخ : بالطبع كليوباترا القديمة .. ألسنا الآن فى جلسة نقد للتاريخ ؟.وأخيراً يعترف للفتاة بما كان من سوء ظنه بها ويرجوها أن تقبل اعتذاره فتفعل وتقرر أن تسانده مؤكدة له أن هناك حقيقة هامة لا يجب أن ينساها وهى أن أعمار البشر لا يحددها الأطباء وأنه يجب أن يبحث عن علاج للمرض فى أى مكان فوق سطح الأرض .. خصوصاً أنه يملك مع المال والحب الذى يمنح الإنسان مزيداً من الأمل فى الحياة والرغبة فى التشبث بها .

استطاع الحكيم بمعالجته الفريدة أن يفسح المجال للخيال وأن ينبه إلى ضرورة تأمل المعلومات التاريخية والتحري عن المصدر لأن كل ما صنعه بشر قابل للتعديل والتبديل والتغيير وهذا ما اقره عملياً أحد أهم علماء التاريخ اليوناني وهو. “د. أحمد عتمان” الذى كتب عن كليوباترا مسرحية تاريخية فى قالب عصري بعنوان (كليوباترا تعشق السلام) وتجرى أحداثها فى منزل مؤلف يستضيف مخرج فى جلسة عمل الغرض منها إعداد نص مسرحى عن كليوباترا و يقترح المخرج استدعاء الممثلة التى ستشخص دور الملكة عليها مسبقاً ، و يقرر ثلاثتهم أن النقطة المثلي للانطلاق فى العمل هى هزيمة أكتيوم البحرية عندما انسحبت كليوباترا فحزن أنطونيوس وعازل نفسه فى قصر بالإسكندرية كانت الملكة قد أعدته خصيصاً من أجله ، ويرفض مقابلة أى شخص حتى الملكة التى تستسلم للهزيمة وتذهب سراً لمفاوضة “مالك ” صاحب دولة العرب المجاورة و ” هيرود ” ملك اليهود ويرفض كلٌ منهما معاونتها ويعلم أنطونيوس بذلك من رسالة سرية تصله ” هيرود ” فيتوعد ” كليوباترا ” ويزداد حنقاً عندما يأتيه يخطر بأنها أعطت قصراً هدية لملك اليهود وأنها تقيم معه فيه وأن حامل هذا الخبر اللعين موجود بالخارج مصر على لقائه فيأمر به على الفور فتدخل كليوباترا و تصالحه ويقضيا معاً أوقاتاً جميلة ، يعقبها قرارهما الخطير بخوض المعركة الكبرى ، وتبدأ المعركة ويهزما فينتحرا بعد أن تعطى كليوباترا أولادها لملك العرب وبعد أن تواجه خيانة من ” بوثينوس ” الخازن المخلص كما كانت تظن وأقرب الرجال إليها الذى صاح أمام أكتافيوس قائلاً : الملكة تكذب .. أنها تخفي النفائس فى قبرها .ولا تملك الملكة أمام تلك الخيانة الرهيبة إلا أن تعتذر لأكتافيوس الذى جعلها د.عتمان على عكس ما طرح من قبل تقابله مؤكدةً أن ما حدث من قبيل العادات والتقاليد الراسخة أن تحتفظ ببعض الأموال فى قبرها لكي ترتكن فى حياتها الأخرى عند البعث . وينتهى النص الذى طوع الكاتب أحداثه للتعبير عن محن ومعارك عصرية حتى انتهى بالحقيقة التاريخية الوحيدة المؤكدة من وجهة نظره كعالم فى التاريخ وهى موت الملكة كليوباترا التى لا زال ذكرها يؤرق المتأملين لا سيما اليوم حيث تشابهت ظروفنا السياسية من حيث انفراد قوة واحدة رئيسية بسيادة العالم بعد اعتبار اختلاف معيار القوة من عضلية حربية إلى اقتصادية تكنولوجية .يجب النويه فى هذا المقام إلى وجود كتابات أخرى بعنوان كليوباترا من حيث الاسم لا المضمون مثل (كليوباترا) المسرحى المصرى سعيد حجاج التى يتحدث فيها عن كليوباترا السجائر التى تؤدى لتدمير صحة المواطنين وفى الهزلية المسرحية تستدعى كليوباترا وتستدعى نفرتيتي ويتم التحاور عن التدخين بأنواعه وأقسامه وأشكاله و كيفية الإقلاع عنه .التجربة الجديدة والعصرية شكلاً ومضموناً هى كيلوبطة وأنطوريو وهى من أعمال التأليف الجماعي التى يتحمل عبء صياغتها مسرحياً جميع المشاركين فيها . وكانت عبارة عن معالجة خيالية كوميدية لتلك الأحداث التاريخية مع توظيف الملابس والديكور والإكسسوار وجميع عناصر العرض لتوصيل الرؤية التاريخ وعصرية.

هذه الجولة السريعة فى رحاب التاريخ الفرعوني القديم واحة كليوباترا العظيمة كما أطلق عليها ” سليم حسن ” فى موسوعة مصر القديمة و مع إبداع المفكرين المسرحيين من أنحاء العالم ومعالجاتهم الدرامية لهذه المفارقة التاريخية يدفعنا إلى استخلاص سيرة أقرب إلى المنطقية منها إلى الآراء المتباينة وغير المنطقية التى أحاطت بهذه المرأة الأسطورية .

ــــــــــــ

المصادر- صفحات مشرقة من تاريخ مصر القديمة تأليف د/ محمد إبراهيم بكر – هيئة الكتاب- مصر .- موسوعة مصر القديمة الجزء السابع عشر تأليف / سليم حسن-هيئة الكتاب –مصر- قصص الملوك الفراعنة تأليف / جمال الدين سالم- المسرحية العالمية ” الجزء الثاني ” تأليف/ الاردايس نيكول- كليوباترا بين بلوتارخس و شكسبير و أحمد شوقى-د.أحمد عتمان-دار المعارف القاهرة 1980م .- كليوباترا تعشق السلام ( مسرحية ) تأليف/د. أحمد عتمان- أنطونيوس وكيلوباترا ( مسرحية ) تأليف/ وليم شكسبير- يوليوس قيصر ( مسرحية ) تأليف/ وليم شكسبير- مصرع كليوباترا ( مسرحية ) تأليف / أحمد شوقى بك-مطبعة دار المعارف 1929م .- لعبة الموت ( مسرحية ) تأليف / توفيق الحكيم .- كليوباترا ( مسرحية ) تأليف / سعيد حجاج- مجلة تياترو 92 العدد الثاني أغسطس 1992م- عندما دخلوا التاريخ تأليف / دلاس بروكرى- المسرحية العالمية تأليف/الأراديس نيكول

أخر المقالات

منكم وإليكم