« كرونولوجيا الفن والذاكرة» بأربعة مسارات لرواد الفن التشكيلي السوري ( مروان قصاب باشي، إلياس زيات، ليلى نصير، أسعد عرابي ).- إعداد: فريد ظفور.


أربعة فنانين سوريين راحلين
مروان قصاب باشي، إلياس زيات، ليلى نصير، أسعد عرابي
أربعة مسارات تشكيلية كتبت الذاكرة السورية باللون والخط والوجه والمكان
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين ترحل الأجساد وتبقى اللوحات
ثمة فنانون لا تنتهي سيرتهم عند لحظة الرحيل؛ لأن أعمالهم تظل قادرة على فتح أبواب الذاكرة، وإعادة طرح الأسئلة التي شغلتهم طوال حياتهم.
في تاريخ الفن التشكيلي السوري الحديث، تبدو أسماء مروان قصاب باشي، وإلياس زيات، وليلى نصير، وأسعد عرابي كأربع نوافذ مختلفة تطل على القرن السوري والعربي المضطرب: نافذة على الوجه والاغتراب، وأخرى على التراث والأسطورة والذاكرة، وثالثة على الإنسان والمرأة والحرب، ورابعة على المدينة والموسيقى والفكر والنقد.
لم تكن تجاربهم نسخاً متشابهة من مفهوم واحد عن الفن؛ بل كانت لكل منهم لغته ومغامرته وأسئلته.
ومع ذلك، فإن ما يجمعهم أعمق من مجرد الانتماء إلى جيل أو جغرافيا: إنه البحث عن هوية بصرية قادرة على الحوار مع الحداثة من دون أن تفقد صلتها بالذاكرة.
أولاً: مروان قصاب باشي
الوجه الذي صار وطناً
ولد مروان قصاب باشي في دمشق في 31 يناير/كانون الثاني 1934، ورحل في برلين عام 2016. ومنذ انتقاله إلى ألمانيا عام 1957، عاش مسافة طويلة بين مدينتين: دمشق التي حملها في الذاكرة، وبرلين التي أصبحت فضاء تجربته الفنية والفكرية.
كانت رحلة مروان إلى أوروبا في بدايتها رحلة طالب يبحث عن التعليم الفني، لكنها تحولت مع الزمن إلى إقامة فنية وفكرية طويلة. درس في برلين، وتأثر بالأجواء التجريبية والفن اللاشكلي، وتتلمذ على الفنان الألماني هان ترير، قبل أن يبدأ في بناء لغته الخاصة.
غير أن مروان لم يكتفِ باستيراد الحداثة الأوروبية إلى لوحته، بل أخذ يبحث عن صورته الداخلية؛ عن دمشق التي لم تعد مكاناً جغرافياً فحسب، بل تحولت إلى ذاكرة لونية وروحية.
من الجسد إلى الرأس
مرّت تجربة قصاب باشي بمراحل متعددة، من التجريد والتشكيل إلى الطبيعة الصامتة، ثم إلى الإنسان الذي سيصبح محوراً أساسياً في تجربته.
ومنذ سبعينيات القرن العشرين، بدأ الوجه الإنساني يحتل مكاناً مركزياً في أعماله، قبل أن يتحول إلى ما عُرف لاحقاً بـ “الرؤوس”. ولم تكن هذه الرؤوس بورتريهات تقليدية لأشخاص محددين؛ بل كانت وجوهاً تختزن القلق والذاكرة والألم والاغتراب.
هنا يصبح الوجه أكثر من ملامح.
إنه منظر داخلي للإنسان.
ولهذا تبدو رؤوس مروان أحياناً وكأنها تحمل مدينة كاملة داخلها؛ شوارع وطفولة وذاكرة وقلقاً وحواراً صامتاً مع الزمن.
كان اللون لديه جزءاً من بنية المعنى، وليس مجرد وسيلة للزخرفة. والأرض السورية ظلت حاضرة في ذاكرته من خلال الضوء واللون والإيقاع، حتى وهو يعمل في برلين.
مروان بين دمشق وبرلين
من أبرز مفارقات تجربته أنه أصبح فناناً سورياً في قلب المشهد الألماني، من دون أن يتخلى عن جذوره الدمشقية.
عمل أستاذاً في أكاديمية الفنون في برلين، وأصبح عضواً في أكاديمية برلين للفنون عام 1994، بينما ظلت علاقته بالثقافة العربية وثيقة من خلال صداقاته وتعاونه مع عدد من الأدباء والمثقفين، ومنهم عبد الرحمن منيف وأدونيس. كما صمم أغلفة لعدد من كتب منيف.
وهكذا لم يعد الاغتراب عند مروان مجرد ابتعاد جغرافي عن الوطن، بل أصبح مادة فنية.
فالإنسان المغترب يحمل وطنه في ذاكرته، والفنان يحوّل هذه الذاكرة إلى لون.
ولهذا يمكن النظر إلى تجربة قصاب باشي باعتبارها واحدة من التجارب العربية التي جعلت الرأس الإنساني استعارةً للوجود.
ثانياً: إلياس زيات
عندما تستيقظ الأيقونة في الذاكرة السورية
ولد إلياس زيات في دمشق عام 1935، وتوفي فيها في 4 سبتمبر/أيلول 2022. وكان واحداً من الأسماء الأساسية في تاريخ الفن التشكيلي السوري الحديث، لا باعتباره رساماً فحسب، بل أيضاً بوصفه مرمماً وباحثاً ومعلماً وشخصية فاعلة في الحياة الفنية السورية.
بدأ الرسم في سن مبكرة، ثم تتلمذ في خمسينيات القرن العشرين على يد الفنان ميشيل كرشة. وفي الفترة بين 1956 و1960 درس في الأكاديمية الوطنية للفنون في صوفيا، ثم تابع دراسته في القاهرة، وتخرج من جامعة عين شمس عام 1961.
لكن رحلة إلياس زيات لم تكن رحلة تقنية في الرسم فقط.
لقد كانت رحلة بحث عن جذور الصورة السورية.
العين… مركز اللوحة
من أكثر العلامات حضوراً في أعمال زيات العين.
عيون واسعة، عميقة، ثابتة، تكاد تنظر إلى المشاهد من داخل التاريخ.
في لوحاته تلتقي الأيقونة المسيحية، والذاكرة السورية القديمة، وتدمر وماري، والأسطورة، والتصوف، والتاريخ العربي، مع تأثيرات الفن الحديث. وتظهر في أعماله رغبة واضحة في بناء لغة لا تفصل الحداثة عن التراث.
لقد تعامل زيات مع التراث لا بوصفه متحفاً مغلقاً، وإنما بوصفه ذاكرة حية قابلة لإعادة القراءة.
ومن هنا جاء عالمه البصري الذي تتجاور فيه الشخصيات البشرية والحيوانات والرموز والأساطير والعمارة والآثار.
إنها لوحة لا تسير في خط زمني واحد.
إنها أشبه بطبقات جيولوجية للذاكرة.
من دمشق إلى الأسطورة
كان إلياس زيات من مؤسسي جماعات فنية لعبت دوراً في تطور الفن السوري الحديث؛ فقد أسس مع نصير شورى ومحمود حماد “جماعة د/جماعة دمشق” عام 1965، ثم شارك في تأسيس “جماعة العشرة”، التي ضمت عدداً من الفنانين السوريين الباحثين عن صيغة جديدة للفن العربي الحديث.
كما عمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وانفتح خلال مسيرته على التجريد قبل أن يعود إلى التشخيص، بينما ظل اهتمامه بالتاريخ والتراث والهوية حاضراً في تجربته.
ولم يكن اهتمامه بالترميم منفصلاً عن فنه.
فالذي يرمم الأيقونة أو اللوحة القديمة يتعامل مع أثر الزمن.
والذي يرسم التاريخ يتعامل مع ذاكرة الزمن.
وهنا تتقاطع مهنتاه: الترميم والرسم.
في أعماله المتأخرة، تكرر موضوع الطوفان، بوصفه استعارة للدمار والحرب، ومن أعماله في هذا السياق “الطوفان، الآلهة تهجر تدمر” عام 2012 و”بعد الطوفان” عام 2015.
وكأن الفنان الذي قضى حياته في استعادة ذاكرة الصورة وجد نفسه في نهاية الطريق أمام سؤال جديد:
ماذا يحدث عندما تصبح الذاكرة نفسها مهددة بالغرق؟
ثالثاً: ليلى نصير
امرأة ترسم الإنسان في وجه الحرب
ولدت ليلى نصير في اللاذقية عام 1941، وتوفيت فيها في 15 أغسطس/آب 2023. وهي من أبرز الفنانات السوريات في جيلها، وقد ارتبطت تجربتها بالإنسان، والفقر، والحرب، والمرأة، والعدالة الاجتماعية، والتجريب الفني.
نشأت في أسرة محبة للثقافة، وشجعتها والدتها على القراءة، فتعرفت منذ وقت مبكر إلى الأدب العربي والغربي، بينما تركت طفولتها في الريف السوري أثراً عميقاً في ذاكرتها البصرية، ولا سيما مشاهد الفقر وحياة الفلاحات والأطفال.
كانت طفولتها، بهذا المعنى، مرسماً أول.
فالمشهد الذي تراه العين في الصغر قد يبقى كامناً سنوات طويلة، ثم يظهر فجأة في اللوحة.
القاهرة… المدرسة الأولى للوعي الفني
حصلت نصير على منحة للدراسة في مصر، وانتقلت عام 1959 إلى القاهرة لدراسة الفن في كلية الفنون الجميلة، حيث كان الفنان حسين بيكار من أبرز أساتذتها ومرشديها. تخرجت عام 1963.
كان مشروع تخرجها تعبيرياً، وتناول أطفالاً من ذوي الإعاقات الذهنية، في إشارة مبكرة إلى اهتمامها بالإنسان المهمش والمجروح.
وبعد عودتها إلى سورية، بدأت مرحلة أكثر وضوحاً في تجربتها الإنسانية، فظهرت موضوعات الحرب والتمييز والظلم في أعمال مثل “العنصرية” عام 1965 و**”فيتنام”** عام 1966.
الفن بوصفه موقفاً إنسانياً
لم تكن ليلى نصير ترى اللوحة باعتبارها سطحاً جمالياً فقط.
كان الإنسان بالنسبة إليها هو الموضوع.
الإنسان الفقير.
المرأة.
الطفل.
المحارب.
والجسد الذي يحمل آثار التاريخ.
وخلال مسيرتها، تنقلت بين الواقعية والرومانسية والسريالية والتعبيرية والتجريدية، مؤكدة أهمية التجريب وعدم الاستقرار داخل أسلوب واحد.
وكان حضور المرأة في تجربتها مزدوجاً: امرأة ترسم، وامرأة تُرسم.
شاركت في معارض تناولت المرأة والإبداع، وكتبت عن الفنانات السوريات، وقدمت دراسة حول مساهمة الفنانات السوريات في الفن التشكيلي السوري.
وفي الثمانينيات، ذهبت إلى جنوب لبنان، وأنجزت أعمالاً مرتبطة بتجربتها هناك، ومنها “أرنون والجنوب اللبناني” و**”بيروت تحترق”.
كانت اللوحة عند ليلى نصير إذن نوعاً من الشهادة.
لا شهادة الصحفي الذي يسجل الحدث بالكلمات، وإنما شهادة الفنان الذي يلتقط الأثر النفسي للحدث.
وفي عام 2014 حصلت على جائزة الدولة التقديرية من وزارة الثقافة السورية.
ورحلت في اللاذقية عام 2023، بعد مسيرة طويلة بقي فيها الفن عندها دفاعاً عن الإنسان.
رابعاً: أسعد عرابي
الرسام الذي جعل اللوحة تفكر
رحل أسعد عرابي في باريس في 29 أغسطس/آب 2025، بعد مسيرة امتدت عقوداً، جمع خلالها بين الرسم والنقد والبحث الجمالي والتعليم والكتابة. ولد في دمشق عام 1941، وهو لبناني الأصل وسوري النشأة والانتماء الفني، كما تصفه مصادر متحفية وسيرته الثقافية.
وهنا ربما تكمن خصوصية تجربته:
لم يكن عرابي يريد أن يرسم فقط.
كان يريد أن يفهم لماذا نرسم؟
وما الذي يحدث عندما تتحول الموسيقى إلى لون، والمدينة إلى إيقاع، والذاكرة إلى شكل؟
دمشق بوصفها موسيقى بصرية
درس عرابي في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وتخرج عام 1966، وكان مشروعه عن مدينة دمشق القديمة، بما فيها من بيوت وحارات ونساء وأشكال حيوانية.
ثم أسس مع عدد من الفنانين “جماعة العشرة” عام 1969، في مرحلة كان فيها الفن السوري يبحث عن لغة حديثة قادرة على تجاوز القوالب التقليدية.
كانت المدينة حاضرة بقوة في بداياته:
الأبواب.
النوافذ.
السلالم.
البيوت المتلاصقة.
النساء.
الطيور.
الحيوانات.
لكن المدينة عنده لم تكن عمارة فقط.
كانت إيقاعاً.
باريس… بين الرسم وعلم الجمال
انتقل عرابي إلى باريس عام 1975، ودرس في المدرسة العليا للفنون الجميلة، ثم تابع دراساته في جامعة السوربون، وحصل عام 1987 على الدكتوراه في علم الجمال. كما انشغل بالعلاقة بين الموسيقى واللوحة، وكتب مقالات وأبحاثاً كثيرة عن الفن العربي والإسلامي والمنمنمات والحداثة.
ومن هنا أصبحت تجربته مزدوجة:
عين الرسام، وعقل الناقد.
فهو لا يكتفي بأن يرى اللون؛ بل يسأل عن دلالته.
ولا يكتفي برؤية الشكل؛ بل يبحث عن بنيته.
ولا يكتفي بتاريخ اللوحة؛ بل يسأل عن موقعها في تاريخ الثقافة العربية.
ومن أبرز كتبه “شهادة اللوحة في نصف قرن” و
“صدمة الحداثة في اللوحة العربية”**، إلى جانب مقالات ودراسات عديدة. كما حصل عام 1997 على الجائزة الكبرى في النقد الفني في بينالي الشارقة.
الحيوان والأسطورة
في عالم عرابي، لا تظهر الحيوانات باعتبارها عناصر زخرفية.
فالهدهد والثور والثعلب والفيل والخيول وغيرها ترتبط بذاكرة الحضارات والأساطير والأدب العربي، وتدخل في بناء عالم رمزي يتجاوز الشكل المباشر.
وهكذا تتحول اللوحة عنده إلى مسرح للذاكرة الحضارية.
أربعة فنانين… وأربعة مفاتيح للذاكرة السورية
إذا وضعنا تجارب الفنانين الأربعة جنباً إلى جنب، سنجد أننا أمام أربع طرق مختلفة للنظر إلى العالم.
مروان قصاب باشي جعل من الوجه مفتاحاً للوجود والاغتراب.
إلياس زيات جعل من العين والأسطورة والأيقونة جسراً بين الماضي والحاضر.
ليلى نصير جعلت من الإنسان والمرأة والحرب مادة لشهادة فنية ذات حس اجتماعي وإنساني.
أما أسعد عرابي فجعل من المدينة والموسيقى والرمز والفكر طريقاً إلى فهم الحداثة العربية.
ومع ذلك، ثمة خيط خفي يجمعهم:
الذاكرة.
ذاكرة دمشق عند مروان.
ذاكرة الحضارات والأيقونات عند زيات.
ذاكرة الإنسان المهمش عند ليلى نصير.
وذاكرة المدينة والموسيقى والتراث عند أسعد عرابي.
إنها ذاكرة لا تعمل مثل الأرشيف.
الأرشيف يحفظ الأشياء كما حدثت.
أما الفن فيعيد خلقها.
اللوحة السورية… من الوثيقة إلى الذاكرة
تكمن أهمية هؤلاء الفنانين في أنهم لم يتعاملوا مع الواقع بوصفه مادة فوتوغرافية ينبغي نسخها.
فاللوحة ليست صورة فوتوغرافية للواقع، وإن كانت تستطيع أن تحتفظ بأثره.
إنها إعادة تركيب للواقع داخل وعي الفنان.
ولهذا، فإن وجه مروان ليس وجهاً واحداً.
وعين زيات ليست عيناً واحدة.
وامرأة ليلى نصير ليست امرأة بعينها.
ومدينة أسعد عرابي ليست دمشق التي يمكن أن نجدها على الخريطة.
كل واحد منهم أخذ الواقع ثم مرّره عبر الذاكرة.
وهنا تقترب التجربة التشكيلية من جوهر التصوير الفوتوغرافي أيضاً:
الكاميرا تحفظ ما أمامها، بينما الفنان يحفظ ما يبقى في داخله.
وهذه النقطة تحديداً تجعل دراسة الفن التشكيلي مهمة لمؤرخي الصورة؛ لأن تاريخ الصورة لا يكتب بالكاميرا وحدها، وإنما يكتبه أيضاً الرسام والنحات والمصور والسينمائي والناقد.
الرحيل لا يعني الغياب
حين رحل مروان قصاب باشي في برلين عام 2016، بقيت الرؤوس تنظر.
وحين رحل إلياس زيات في دمشق عام 2022، بقيت العيون مفتوحة على التاريخ.
وحين رحلت ليلى نصير في اللاذقية عام 2023، بقي الإنسان في لوحاتها شاهداً على زمنه.
وحين رحل أسعد عرابي في باريس عام 2025، بقيت اللوحة تتحاور مع الموسيقى والفلسفة والمدينة.
وهكذا لا يكون رحيل الفنان نهاية تجربته.
فالعمل الفني يبدأ حياة أخرى عندما يخرج من مرسم صاحبه إلى عين المتلقي.
قد يموت الفنان، لكن السؤال الذي وضعه داخل اللوحة لا يموت.
وقد يغيب الجسد، لكن اللون يواصل السفر.
وقد تنتهي اليد التي رسمت، لكن العين التي تنظر إلى اللوحة تستطيع أن تعيد اكتشافها بعد عقود.
خاتمة
أربعة أسماء… وذاكرة واحدة لا تنطفئ
في سجل الفن السوري الحديث، يمكن قراءة مروان قصاب باشي، وإلياس زيات، وليلى نصير، وأسعد عرابي باعتبارهم أربعة أصوات مختلفة داخل جوقة واحدة.
لم يتشابهوا في الأسلوب، ولا في الموضوع، ولا في الطريق الذي سلكه كل منهم.
لكنهم جميعاً كانوا يبحثون عن شيء يتجاوز اللوحة:
عن الإنسان.
الإنسان الذي يسكن الوجه.
والإنسان الذي يختبئ خلف الأيقونة.
والإنسان الذي تقهره الحرب والتمييز.
والإنسان الذي يمشي في أزقة المدينة حاملاً ذاكرته وأسئلته.
لهذا تبدو أعمالهم اليوم أكثر من مجرد صفحات في تاريخ الفن التشكيلي السوري.
إنها وثائق بصرية للروح السورية والعربية في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين؛ وثائق لا تسجل الأحداث بطريقة المؤرخ، وإنما تسجل ما تتركه الأحداث في النفس.
وحين ننظر إلى لوحاتهم بعد رحيل أصحابها، فإننا لا نرى الماضي فقط.
نحن نرى أنفسنا أيضاً.
فالفنان الحقيقي لا يرسم زمنه وحده.
إنه يرسم شيئاً من الزمن الذي سيأتي بعده.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مصادر أساسية: موسوعة متحف للفن العربي الحديث – متاحف قطر؛ ودويتشه فيله؛ ومصادر صحفية وثقافية تناولت رحيل ومسيرة أسعد عرابي.- صحيفة الوطن السورية.

***&***

«كرونولوجيا الفن والذاكرة»
أربعة مسارات من رواد الفن التشكيلي السوري
مروان قصاب باشي – إلياس زيات – ليلى نصير – أسعد عرابي
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
حين نقرأ تاريخ الفن التشكيلي السوري، فإننا لا نقرأ تعاقب أسماء ومعارض وأساليب فحسب، بل نقرأ تاريخاً للذاكرة السورية نفسها: ذاكرة المكان، والإنسان، والحضارة، والحرب، والمنفى، والهوية.
تأتي «كرونولوجيا الفن والذاكرة» بوصفها محاولة لقراءة أربعة مسارات فنية سورية لا يجمعها أسلوب واحد، بل يجمعها سؤال واحد: كيف تتحول الذاكرة إلى صورة؟
وفي هذه القراءة، يمثل مروان قصاب باشي ذاكرة الوجه والاغتراب، ويمثل إلياس زيات ذاكرة الحضارة والأيقونة والتراث، بينما تحمل ليلى نصير ذاكرة الإنسان وقضايا المرأة والحرب، ويذهب أسعد عرابي إلى ذاكرة المدينة والروح والمخطوط والمنمنمة، قبل أن يعيد صياغتها ضمن لغة حداثية تجمع التعبير والتجريد.
وبذلك تصبح الكرونولوجيا هنا ليست مجرد خط زمني، وإنما أربعة خطوط متوازية داخل تاريخ الفن السوري الحديث.
أولاً: مروان قصاب باشي
من دمشق إلى برلين… حين أصبح الوجه وطناً
ولد مروان قصاب باشي في دمشق عام 1934، وبدأ تكوينه الثقافي بدراسة الأدب العربي في جامعة دمشق بين 1955 و1957، بالتوازي مع اهتمامه بالرسم. وفي عام 1957 انتقل إلى برلين، حيث درس الرسم على يد هان ترير Hann Trier في Hochschule für Bildende Künste، وهناك دخل في حوار عميق مع التجارب التعبيرية والأوروبية الحديثة.

كرونولوجيا الذاكرة عند مروان
1955–1957:
الأدب العربي في دمشق والرسم في الوقت نفسه؛ وهي مرحلة مهمة لفهم تجربته اللاحقة، لأن الصورة عند مروان لم تكن منفصلة عن الحس الأدبي والروحي.
1957:
الانتقال إلى برلين. هنا يبدأ التحول من الفنان الدمشقي الشاب إلى الفنان الذي سيبني جزءاً كبيراً من تجربته في قلب المشهد الفني الألماني.
الستينيات:
مرحلة الشخصيات والأجساد والوجوه المشحونة بالتوتر. ارتبط اسمه في برلين بجيل جديد من الفنانين الذين أعادوا الاعتبار إلى الشكل الإنساني بعد هيمنة التجريد في أوروبا ما بعد الحرب.

منذ السبعينيات:
يبدأ الوجه بالتحول إلى الموضوع المركزي. لم يعد الوجه عند مروان مجرد بورتريه لشخص محدد، بل أصبح أرضاً نفسية وذاكرةً داخلية.
ومن هنا ظهر مفهوم «وجه-منظر» Face-Landscape، الذي ارتبط بتجربته ووصف به عالمه التشكيلي.

الثمانينيات وما بعدها:
تتضخم الرؤوس والوجوه في أعماله، وتصبح الكتلة اللونية والملمس والخطوط المتراكمة وسائل لبناء الإنسان من الداخل، لا مجرد تصوير ملامحه الخارجية.
1980:
تعيينه أستاذاً في جامعة الفنون في برلين، واستمر حضوره الأكاديمي والفني حتى تقاعده. وانتُخب لاحقاً عضواً في أكاديمية الفنون في برلين.

2016:
رحل مروان في برلين، بعد مسيرة جعلت من تجربته جسراً بين دمشق وأوروبا، وبين الذاكرة العربية والحداثة الغربية.
مروان والذاكرة
يمكن النظر إلى تجربة مروان باعتبارها فلسفة للوجه.
فالوجه عنده ليس ملامح شخص؛ إنه أثر الزمن على الإنسان، والخوف، والوحدة، والاغتراب، والوجود. وكل وجه يبدو كأنه يحمل وراء طبقاته اللونية وجوهاً أخرى
وهنا تصبح اللوحة أشبه بـ أرشيف للإنسان.
ثانياً: إلياس زيات
الأيقونة… حين تستعيد الذاكرة السورية صورتها القديمة
إذا كان مروان قد ذهب بالذاكرة إلى أعماق الوجه الإنساني، فإن إلياس زيات اتجه بها إلى أعماق الحضارة السورية، وإلى الأيقونة والمنمنمة والرمز والأسطورة.
ولد زيات في دمشق عام 1935. درس الرياضيات في جامعة دمشق، لكنه واصل دراسة الفن والرسم، قبل أن يحصل عام 1956 على منحة لدراسة الفنون الجميلة في صوفيا ببلغاريا، ثم تابع دراسته في القاهرة، ودرس لاحقاً تقنيات الترميم في بودابست.

كرونولوجيا الذاكرة عند إلياس زيات
1935:
الميلاد في دمشق، المدينة التي ستصبح جزءاً أساسياً من الذاكرة البصرية والثقافية التي تتحرك داخل تجربته.
1956:
الانتقال إلى بلغاريا لدراسة الفن أكاديمياً، والتعرف إلى الأسس التقنية والمنهج الأكاديمي الأوروبي.
1960:
الالتحاق بجامعة القاهرة لدراسة الفنون.
مرحلة الستينيات:
مرحلة غنية بالتجريب، تحرك فيها بين الواقعية والتعبيرية والرمزية والتجريد، مع حضور واضح للموضوعات التاريخية والأسطورية والرموز.

1975–2000:
عمل مدرساً للتصوير الزيتي في كلية الفنون، وأسهم في تكوين أجيال من الفنانين السوريين. كما عمل خبيراً في العمارة والفنون في هيئة الموسوعة العربية، وشارك في أعمال مرتبطة بالترميم والفن التاريخي.

الأيقونة بوصفها ذاكرة
تكمن أهمية إلياس زيات في أنه لم يتعامل مع التراث باعتباره متحفاً للماضي، وإنما بوصفه مادة قابلة لإعادة القراءة.
فالخط، والوجه، واللون، والفراغ، والرمز الديني والتاريخي، كلها تتحول في أعماله إلى لغة معاصرة.
ولهذا تصفه الموسوعة العربية بأنه يقف في مقدمة الفنانين الذين استعادوا فلسفة الفن القديم في لوحة معاصرة، مع امتداد هذا الاهتمام إلى الأيقونة السورية وتاريخها.

وهنا تصبح الذاكرة عند زيات:
ليست تذكراً للماضي، بل إعادة اكتشاف للماضي من خلال الحاضر.
ثالثاً: ليلى نصير
الإنسان والمرأة والحرب… ذاكرة الألم والجمال
تمثل ليلى نصير (1941–2023) مساراً بالغ الخصوصية في تاريخ الفن التشكيلي السوري، لأنها جعلت الإنسان وقضاياه الاجتماعية والسياسية والحياتية جزءاً أساسياً من مشروعها التشكيلي.
ولدت في اللاذقية، وتخرجت من كلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 1963، ثم عادت إلى سوريا، وعملت في التعليم، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى دمشق وتعمل في تدريس الرسم.

كرونولوجيا الذاكرة عند ليلى نصير
1963:
مشروع التخرج في القاهرة تناول أطفالاً من ذوي الإعاقات الذهنية، في بداية تكشف مبكراً عن انشغالها بالإنسان الهش والمهمش.

منتصف الستينيات:
تطور الحس الإنساني والسياسي في أعمالها، وظهرت موضوعات الحرب والظلم، ومنها أعمال تناولت العنصرية وفيتنام.

1969–1972:
مرحلة شديدة الأهمية في أرشيفها الشخصي؛ فقد سجلت يومياتها في «دفتر الشعر والنحت»، الذي جمع الشعر والكتابة والرسوم التخطيطية والأفكار النحتية.

وهنا تتحول الذاكرة إلى وثيقة مزدوجة:
ذاكرة مكتوبة + ذاكرة مرسومة.
السبعينيات:
انتقال إلى دمشق وتطور التجربة الفنية والتعليمية.
الثمانينيات:
توجهت إلى موضوعات مرتبطة بالحرب الأهلية اللبنانية، إلى جانب استمرار اهتمامها بالمرأة والحضارة والأسطورة.
1989:
حصلت على جائزة الدولة التقديرية للآداب والفنون تقديراً لمسيرتها الفنية.

المرأة عند ليلى نصير
المرأة في أعمال نصير ليست مجرد موضوع تشكيلي؛ إنها ذاكرة اجتماعية.
الجسد، الوجه، العينان، الألم، الصمت والانكسار، كلها تصبح إشارات إلى علاقة الإنسان بالمجتمع والظروف التاريخية.
وتشير الدراسات الخاصة بتجربتها إلى انتقالها بين الواقعية والتعبيرية والتعبيرية التجريدية والسريالية والتجريد، مع استمرار حضور الإنسان بوصفه محوراً أساسياً.

ولذلك فإن مشروعها يمكن قراءته باعتباره أرشيفاً بصرياً للإنسان السوري والعربي في النصف الثاني من القرن العشرين.
رابعاً: أسعد عرابي
دمشق… حين تتحول المدينة إلى ذاكرة روحية
ولد أسعد عرابي في دمشق عام 1941، وتوفي في باريس في 29 أغسطس 2025. نشأ في بيئة دمشقية تركت آثاراً واضحة في تكوينه، وكان لجدته الصوفية ومخطوطاتها القديمة ومنمنماتها تأثير مبكر في رؤيته الفنية.

كرونولوجيا الذاكرة عند أسعد عرابي
1941:
الميلاد في دمشق.
منتصف الخمسينيات:
بدأ الرسم في سن مبكرة، وتتلمذ في المرحلة الثانوية على الفنان ناظم الجعفري.
1962:
التحق بكلية الفنون الجميلة في دمشق، قسم الرسم الزيتي.

1966:
تخرج بمشروع فني تناول المدينة القديمة في دمشق، وهو ما يكشف منذ البداية عن مركزية المكان في تجربته.
1975:
غادر إلى فرنسا والتحق بالمدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس.
1987:
نال الدكتوراه من السوربون في مجال الدراسات النظرية وعلم الجمال.

وهنا حدث التحول المهم: لم يعد عرابي فناناً يرسم فقط، بل أصبح فناناً ومفكراً وناقداً وباحثاً في الجماليات.
المدينة والذاكرة
في بداياته رسم عرابي البيوت الدمشقية المتلاصقة والشخصيات النسائية والعمارة والأبواب والنوافذ والسلالم. ولم تكن هذه العناصر مجرد تفاصيل معمارية؛ فقد حملت عنده دلالات مرتبطة بتحولات المدينة والإنسان.

ثم أخذت تجربته تتحرك بين التشخيص والتعبيرية والتجريد، مع استخدام اللون والخط والمساحة باعتبارها عناصر لبناء الحالة الشعورية.
كما ظل أثر المنمنمة والمخطوط العربي والحس الصوفي حاضراً في الخلفية الثقافية لتجربته.

وهكذا أصبحت دمشق عند عرابي ليست مجرد مكان مرسوم، وإنما:
مدينة الذاكرة، ومدينة الروح، ومدينة الزمن المتراكم.
أربعة فنانين… أربعة أشكال للذاكرة
يمكن تلخيص المسارات الأربعة في خريطة بصرية وفكرية:
الفنان
مركز التجربة
شكل الذاكرة
مروان قصاب باشي
الوجه والإنسان
الذاكرة النفسية والوجودية
إلياس زيات
الأيقونة والتراث والحضارة
الذاكرة التاريخية والروحية
ليلى نصير
الإنسان والمرأة والحرب
الذاكرة الاجتماعية والإنسانية
أسعد عرابي
دمشق والمنمنمة والروح
الذاكرة المكانية والجمالية
لكن الأهم أن هذه المسارات لا تعيش منفصلة.
فـالوجه عند مروان يمكن أن يُقرأ بوصفه أثراً للمدينة والإنسان، والأيقونة عند زيات تحمل ذاكرة الحضارة، والمرأة عند نصير تحمل ذاكرة المجتمع، بينما دمشق عند عرابي تختزن ذاكرة المكان والروح.
وهنا تتشكل صورة أكبر:
الفن التشكيلي السوري ليس تاريخاً للوحة فقط؛ إنه تاريخ لما أراد الإنسان السوري ألا ينساه.
من الكرونولوجيا إلى «أرشيف الذاكرة»
إذا نظرنا إلى هؤلاء الأربعة ضمن مشروع «كرونولوجيا الفن والذاكرة»، فإننا نكتشف انتقالاً من مفهوم التاريخ باعتباره سلسلة من السنوات، إلى التاريخ باعتباره طبقات من الذاكرة البصرية.
مروان يأخذنا من دمشق إلى برلين، ومن الجغرافيا إلى الوجه.
زيات يأخذنا من الحاضر إلى الأيقونة، ومن اللوحة الحديثة إلى جذور الحضارة السورية.
نصير تأخذنا من الجسد إلى المجتمع، ومن المرأة إلى سؤال الإنسان والحرب والعدالة.
عرابي يأخذنا من دمشق إلى باريس، ومن العمارة والمنمنمة إلى علم الجمال والفكر.
وبذلك يصبح هؤلاء الأربعة أشبه بأربعة أبواب لقراءة القرن السوري التشكيلي:
باب الوجه، باب الحضارة، باب الإنسان، باب المدينة.
خاتمة:
حين تصبح اللوحة ذاكرةً لا تموت
ربما تكمن قوة الفن التشكيلي في أنه يستطيع أن يحفظ ما تعجز الوثائق وحدها عن حفظه.
فالوثيقة تخبرنا ماذا حدث، أما اللوحة فقد تخبرنا كيف شعر الإنسان بما حدث.
ولهذا فإن استعادة تجارب مروان قصاب باشي، وإلياس زيات، وليلى نصير، وأسعد عرابي، ليست مجرد استعادة لأسماء كبيرة في تاريخ الفن السوري؛ إنها محاولة لقراءة الذاكرة السورية من خلال العين الفنية.
أربعة فنانين، أربعة أزمنة، أربعة مسارات؛ لكن خلفها جميعاً سؤال واحد:
كيف يستطيع الفن أن يحول الزمن إلى أثر، والأثر إلى ذاكرة، والذاكرة إلى صورة تبقى بعد غياب صاحبها؟
وهنا تحديداً تبدأ «كرونولوجيا الفن والذاكرة»:
حين لا تعود اللوحة شيئاً نراه فقط، بل شيئاً نتذكر من خلاله.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم