كرونولوجيا الصورة: من الفيلم الكيميائي بالأبيض والأسود إلى الملون والفيديو والرقمنة والتصوير الحاسوبي والذكاء الاصطناعي.موسوعة «كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة»-ج٣-إعداد: فريد ظفور.

نتابع الموسوعة من النقطة التي انتهى عندها الجزء السابق، مع الحفاظ على بنيتها الكرونولوجية والفلسفية، بحيث يكون الجزء الثالث هو الجسر التاريخي والتقني بين الصورة الفوتوكيميائية والصورة الخوارزمية.
موسوعة «كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة»
الجزء الثالث
كرونولوجيا الصورة: من الفيلم الكيميائي بالأبيض والأسود إلى الملون والفيديو والرقمنة والتصوير الحاسوبي والذكاء الاصطناعي
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
تمهيد: عندما بدأت الصورة تتحول من مادة إلى معلومة
إذا كان الجزء الأول من هذه الموسوعة قد تتبّع الجذور البعيدة للصورة، من الرسم في الكهوف وقمرة ابن الهيثم إلى نشوء الفكرة البصرية التي ستقود في النهاية إلى الكاميرا، وإذا كان الجزء الثاني قد انتقل إلى اللحظة التي أصبحت فيها الصورة الفوتوغرافية ممكنة بفضل نييبس وداغير وتالبوت وتطور العدسات والمواد الحساسة للضوء، فإن الجزء الثالث يدخل إلى مرحلة مختلفة جذريًا.
هنا لم تعد القضية مجرد اختراع وسيلة جديدة لتثبيت الضوء، بل بدأت ماهية الصورة نفسها بالتغير.
كانت الصورة في بدايات التصوير الفوتوغرافي شيئًا ماديًا:
ضوء يدخل من العدسة،
ثم يترك أثرًا كيميائيًا على مادة حساسة،
فتنشأ صورة يمكن لمسها وحفظها وطباعتها.
لكن القرن العشرين أخذ الصورة في رحلة طويلة:
من الفضة إلى الصبغات،
ومن الأبيض والأسود إلى اللون،
ومن اللقطة الثابتة إلى الصورة المتحركة،
ومن الفيلم إلى الشريط المغناطيسي،
ومن المادة إلى الإشارة الإلكترونية،
ومن الإشارة إلى البيانات الرقمية،
ومن البيانات إلى الحسابات والخوارزميات.
ثم وصل الإنسان إلى اللحظة التي لم تعد فيها الكاميرا تسجل العالم فقط، بل أصبحت تحسبه وتعيد بناءه.
ومن هنا يظهر السؤال المركزي لهذا الجزء:
ماذا يحدث للصورة عندما لا يعود الضوء وحده هو الذي يصنعها؟

  1. الصورة الكيميائية: حين كان الضوء يكتب على المادة
    كانت الفوتوغرافيا التقليدية تقوم على علاقة مباشرة بين الضوء والمادة الكيميائية.
    الفوتون يصل إلى المادة الحساسة، فتحدث تغيرات كيميائية دقيقة، ويُثبَّت الأثر لاحقًا بعمليات التحميض والغسل والتثبيت.
    وهكذا كانت الصورة الفوتوغرافية في عصر الفيلم نتيجة سلسلة مترابطة:
    ضوء → عدسة → مستحلب حساس → تعريض → تحميض → تثبيت → غسل → تجفيف → طباعة.
    الصورة هنا ليست مجرد منظر مرئي، بل أثر مادي لحدث ضوئي.
    ولهذا كان للفيلم الفوتوغرافي حضور خاص في تاريخ الصورة.
    فالمصور لا يرى النتيجة النهائية فورًا، بل يضع ثقته في الفيلم، وفي التعريض، وفي الكيمياء، وفي خبرته التقنية.
    كانت هناك دائمًا مسافة بين:
    لحظة التقاط الصورة
    و
    لحظة اكتشافها.
    وهذه المسافة صنعت جزءًا من جمال التصوير الفيلمي.
  2. الأبيض والأسود: ولادة اللغة الفوتوغرافية
    لم يكن الأبيض والأسود مجرد مرحلة ناقصة قبل ظهور اللون.
    لقد أصبح لغة فنية مستقلة.
    فالواقع مليء بالألوان، لكن الفيلم الأبيض والأسود يعيد بناء العالم عبر:
    الضوء والظل.
    الأبيض والأسود.
    الدرجات الرمادية.
    التباين.
    الملمس.
    الخطوط.
    الشكل.
    الكتلة.
    الإيقاع.
    المساحات السالبة.
    وهنا تحولت الفوتوغرافيا إلى فن قادر على اختزال الواقع دون إلغائه.
    فالوجه لم يعد مجرد لون بشرة، بل أصبح مجموعة من الظلال والأنوار.
    والشارع لم يعد مجرد مكان، بل أصبح هندسة من الضوء.
    والجبل لم يعد كتلة طبيعية، بل أصبح تركيبًا من:
    Texture + Tone + Contrast + Form
    أي:
    الملمس + الدرجة اللونية + التباين + الشكل.
  3. عصر الفيلم: المصور بين العين والكيمياء
    مع تطور الأفلام أصبح المصور يمتلك أدوات أكثر دقة للتحكم بالصورة.
    ظهرت أفلام مختلفة في:
    الحساسية.
    حجم الحبيبات.
    التباين.
    الاستجابة اللونية.
    مجال التعريض.
    سرعة الفيلم.
    وهكذا أصبح اختيار الفيلم نفسه جزءًا من اللغة الفنية للصورة.
    لم يكن المصور يختار الكاميرا وحدها، بل كان يختار أيضًا:
    أي فيلم؟
    أي حساسية؟
    أي تحميض؟
    أي ورق؟
    أي طريقة طباعة؟
    ومن هنا ظهرت أهمية المختبر الفوتوغرافي.
    فالصورة لم تكن تُلتقط فقط أمام الكاميرا؛ بل كانت تُبنى أيضًا داخل غرفة التحميض والطباعة.
  4. نظام المناطق: عندما أصبحت الصورة حسابًا للضوء
    مع أعمال أنسل آدامز ورفاقه تطورت فكرة التحكم في النطاقات الضوئية، وأصبح التعريض أكثر ارتباطًا بفهم العلاقة بين:
    الضوء – القياس – الفيلم – التحميض – الطباعة.
    وهنا تحولت الفوتوغرافيا إلى نظام يجمع بين الفن والعلم.
    فالمصور لم يعد يقول فقط:
    «أرى مشهدًا جميلًا.»
    بل أصبح يسأل:
    أين ستكون أعلى إضاءة؟
    أين سيكون الظل؟
    ماذا أريد أن يظهر؟
    ماذا أريد أن يختفي؟
    كيف سأحوّل ما أراه إلى درجات قابلة للطباعة؟
    وهكذا أصبحت الكاميرا أداة قياس بقدر ما هي أداة رؤية.
  5. ثورة اللون: عندما عاد الواقع إلى ألوانه
    كان ظهور التصوير الملون نقطة تحول كبرى.
    فبعد عقود طويلة من هيمنة الأبيض والأسود، بدأت الصورة الفوتوغرافية تقترب من التجربة البصرية اليومية للإنسان.
    لم يعد العالم:
    أبيض + أسود + رمادي
    بل أصبح:
    أحمر + أخضر + أزرق + ملايين التدرجات.
    لكن اللون لم يكن مجرد إضافة جمالية.
    إنه نظام معقد من:
    الضوء + الطول الموجي + الحساسية الطيفية + المواد الكيميائية + الرؤية البشرية.
    وهنا دخلت الفوتوغرافيا إلى عالم جديد من العلم.
    فاللون الفوتوغرافي ليس «لون الشيء» فقط، وإنما نتيجة تفاعل بين:
    مصدر الضوء، والسطح، والعين، والفيلم أو المستشعر، والمعالجة.
  6. اللون بوصفه ذاكرة
    مع انتشار الفيلم الملون تغيرت علاقتنا بالذاكرة.
    أصبحت صور:
    الأسرة،
    المدرسة،
    الرحلات،
    الأعياد،
    المدن،
    الأزياء،
    الشارع،
    تُحفظ بألوانها.
    وأصبح اللون نفسه جزءًا من الذاكرة.
    فالإنسان لا يتذكر الحدث فقط، بل قد يتذكر:
    لون الجدار،
    لون الثوب،
    لون السيارة،
    لون السماء،
    لون غرفة الطفولة.
    وهكذا أصبحت الصورة الفوتوغرافية لا تحفظ المكان والزمن فحسب، بل تحفظ الإحساس اللوني للعصر.
  7. من الصورة الثابتة إلى الصورة المتحركة
    لكن الصورة لم تتوقف عند حدود اللقطة.
    عندما توالت الصور بسرعة، ظهرت إمكانية جديدة:
    الحركة.
    الصورة الثابتة أصبحت إطارًا.
    والإطارات المتتالية أصبحت:
    فيلمًا.
    وهنا انتقلت الصورة من:
    اللحظة
    إلى:
    الزمن.
    وهذه من أهم التحولات في تاريخ الصورة.
    فالفوتوغرافيا تقول:
    «هذا حدث.»
    أما الصورة المتحركة فتقول:
    «هذا حدث، ثم حدث، ثم حدث.»
    وبذلك أصبحت الصورة قادرة على سرد الزمن نفسه.
  8. السينما: الصورة التي تتنفس في الزمن
    مع السينما أصبحت الصورة لغة سردية.
    ظهرت مفاهيم جديدة:
    اللقطة.
    المشهد.
    المونتاج.
    القطع.
    الحركة.
    الإيقاع.
    زاوية التصوير.
    حركة الكاميرا.
    عمق المجال.
    السيناريو البصري.
    وأصبح المصور السينمائي لا يسجل الواقع فقط، بل يشارك في تشكيل الزمن البصري.
    فالانتقال من لقطة إلى أخرى يمكن أن يغير معنى المشهد.
    وهنا أصبحت الصورة مرتبطة بالأدب والموسيقى والمسرح.
    الصورة لم تعد وحدها.
    أصبحت جزءًا من:
    لغة مركبة: الصورة + الحركة + الصوت + الزمن + السرد.
  9. الفيديو: حين أصبحت الصورة إشارة
    مع ظهور الفيديو حدث تحول مهم.
    لم تعد الصورة مرتبطة بالفيلم الكيميائي وحده.
    أصبح بالإمكان تحويل الصورة إلى إشارة إلكترونية.
    وهذا التغيير كان عميقًا.
    ففي الفيلم:
    الضوء → تفاعل كيميائي.
    أما في الفيديو:
    الضوء → إشارة كهربائية/إلكترونية → تسجيل.
    وأصبح بالإمكان:
    التصوير.
    التسجيل.
    المشاهدة.
    النسخ.
    البث.
    التحرير.
    بسرعة أكبر بكثير.
  10. التلفزيون: الصورة تدخل الحياة اليومية
    مع التلفزيون دخلت الصورة المتحركة إلى المنزل بصورة غير مسبوقة.
    لم يعد الإنسان يذهب إلى السينما فقط لكي يشاهد الصورة.
    بل أصبحت الصورة تأتي إليه.
    وهنا حدث تحول ثقافي هائل:
    الصورة أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.
    الأخبار، الرياضة، السياسة، الإعلانات، المسلسلات، البرامج، الأحداث العالمية…
    كلها أصبحت تُرى عبر الصورة.
    وأصبح الإنسان يعيش في بيئة بصرية متزايدة الكثافة.
  11. بداية الرقمنة: عندما أصبحت الصورة أرقامًا
    ثم جاءت الثورة الكبرى:
    الرقمنة.
    هنا لم تعد الصورة مجرد مادة كيميائية أو إشارة إلكترونية.
    أصبحت:
    بيانات.
    يمكن تمثيل الصورة الرقمية في أبسط صورة باعتبارها شبكة من العناصر:
    Pixels
    وكل بكسل يحمل قيمة رقمية.
    وفي الصورة الرمادية يمكن أن تمثل القيمة شدة الإضاءة.
    أما الصورة الملونة الرقمية فتُبنى عادة على قنوات لونية، من أشهرها:
    RGB
    أي:
    Red – Green – Blue
    ومن خلال مزج هذه القيم يمكن تمثيل عدد هائل من الألوان.
    وهنا حدث انقلاب فلسفي:
    الصورة لم تعد شيئًا فقط؛ أصبحت معلومات عن شيء.
  12. من الفيلم إلى المستشعر
    في الكاميرا الرقمية حلّ المستشعر الإلكتروني محل الفيلم في استقبال الضوء.
    فالضوء يسقط على شبكة من العناصر الحساسة، ثم تتحول الإشارة إلى بيانات رقمية.
    وهنا يمكن تبسيط السلسلة الجديدة هكذا:
    فوتون → مستشعر → شحنة كهربائية → إشارة → محول رقمي → بيانات → بكسلات → صورة.
    وهذه اللحظة تمثل انتقالًا تاريخيًا:
    من الفوتوكيمياء
    إلى
    الفوتوالإلكترونيات.
  13. الصورة الرقمية: لا يوجد «نيغاتيف» بالمعنى القديم
    في التصوير الفيلمي كان هناك:
    Negative
    أي السالب الفيلمي الذي يمثل مرحلة أساسية في إنتاج الصورة.
    أما في التصوير الرقمي، فالصورة تصبح ملفًا من البيانات.
    يمكن نسخ الملف مرات لا نهائية تقريبًا دون أن يحدث له التدهور الكيميائي نفسه الذي يصيب النسخ المادية.
    وأصبحت الصورة:
    قابلة للنسخ، والنقل، والتخزين، والتحرير، والضغط، والنشر الفوري.
    وهنا تغير مفهوم «الأصل».
    فما هو أصل الصورة الرقمية؟
    هل هو الملف؟
    أم المستشعر الذي التقطها؟
    أم البيانات الخام؟
    أم النسخة المعالجة؟
    أم الصورة المطبوعة؟
    هذا السؤال سيصبح أكثر تعقيدًا مع الذكاء الاصطناعي.
  14. RAW: عندما يحتفظ الملف بمزيد من المعلومات
    مع تطور التصوير الرقمي ظهرت أهمية ملفات RAW.
    وهي ليست مجرد «صورة نهائية» بالمعنى المعتاد، بل بيانات أقرب إلى المعلومات التي يلتقطها المستشعر قبل كثير من مراحل المعالجة النهائية.
    وهنا أصبح المصور يمتلك مجالًا أوسع لمعالجة:
    التعريض.
    الظلال.
    الإضاءات.
    توازن اللون الأبيض.
    الألوان.
    التفاصيل.
    وأصبح جزء من عملية التصوير ينتقل:
    من الكاميرا إلى الحاسوب.
  15. الفوتوشوب: غرفة التحميض الرقمية
    إذا كانت غرفة التحميض والطباعة هي مختبر المصور الفيلمي، فقد أصبح برنامج معالجة الصور بالنسبة إلى المصور الرقمي نوعًا من:
    المختبر الرقمي.
    هنا يمكن:
    قص الصورة.
    تصحيح اللون.
    زيادة التباين.
    إزالة عناصر.
    دمج صور.
    تغيير الإضاءة.
    بناء تركيب بصري جديد.
    وهنا بدأ سؤال قديم يعود بصورة جديدة:
    أين تنتهي الفوتوغرافيا وتبدأ الصورة المركبة؟
    وهو سؤال سيصبح أكثر حدة مع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي.
  16. الموبايل: الكاميرا في جيب الإنسان
    ثم حدث تحول آخر.
    لم تعد الكاميرا جهازًا منفصلًا بالضرورة.
    أصبحت داخل:
    الهاتف المحمول.
    وهكذا أصبح الإنسان يحمل كاميرا معه طوال الوقت.
    تحولت الصورة إلى ممارسة يومية:
    صورة الطعام،
    صورة العائلة،
    السيلفي،
    الشارع،
    السفر،
    الحدث،
    المظاهرة،
    الخبر،
    الحياة الخاصة.
    وأصبحت الفوتوغرافيا جزءًا من التواصل الاجتماعي، لا مجرد ممارسة فنية أو مهنية.
  17. التصوير الحاسوبي: الكاميرا التي لا تكتفي بالتسجيل
    وهنا نصل إلى واحدة من أهم نقاط التحول في الموسوعة:
    Computational Photography
    أي:
    التصوير الحاسوبي.
    في الكاميرا التقليدية يمكن تصور الكاميرا بوصفها جهازًا يستقبل الضوء ويسجل أثره.
    أما في التصوير الحاسوبي، فالصورة النهائية تكون نتيجة تعاون بين:
    العدسة + المستشعر + المعالج + البرمجيات + الخوارزمية.
    فالهاتف الحديث قد يلتقط عدة إطارات، ويحللها، ويجمعها، ويقلل الضجيج، ويحسن المجال الديناميكي، ويعيد بناء تفاصيل الصورة.
    إذن:
    الصورة التي نراها ليست بالضرورة صورة إطار واحد التقطه المستشعر.
    إنها قد تكون نتيجة حسابية.
  18. HDR: أكثر من لقطة لصناعة صورة واحدة
    في تقنيات مثل HDR يمكن استخدام معلومات من مستويات تعرض مختلفة لإنتاج صورة ذات نطاق ديناميكي أوسع.
    وبذلك أصبحت الصورة نتيجة:
    التقاط + تحليل + دمج + معالجة.
    وهنا يتغير دور المصور.
    فهو لا يتحكم فقط في:
    سرعة الغالق وفتحة العدسة والحساسية.
    بل أصبح يتعامل أيضًا مع:
    الخوارزمية.
  19. الوضع الليلي: عندما تحسب الكاميرا الضوء
    في التصوير الليلي الحديث تستطيع الهواتف والكاميرات الرقمية الحديثة دمج عدة لقطات وتحليل الحركة وتقليل الضجيج وتحسين التفاصيل.
    وهنا تظهر مفارقة جميلة:
    كان المصور القديم ينتظر الضوء.
    أما الكاميرا الحاسوبية فتستطيع أن:
    تجمع معلومات الضوء المتاحة وتعيد تركيب المشهد.
    أي أن الصورة لم تعد مجرد نتيجة كمية الضوء التي وصلت في لحظة واحدة.
    بل قد تكون نتيجة عملية حسابية تمتد عبر عدة لقطات وزمن ومعالجة رقمية.
  20. الذكاء الاصطناعي: عندما تبدأ الصورة بالتوليد
    وهنا نصل إلى الحد الفاصل الذي يغيّر تاريخ الصورة مرة أخرى.
    في التصوير التقليدي:
    العالم → الضوء → العدسة → الفيلم/المستشعر → الصورة.
    وفي التصوير الحاسوبي:
    العالم → الضوء → المستشعر → البيانات → الخوارزمية → الصورة.
    أما في الصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي فيمكن أن تصبح السلسلة:
    فكرة/نص → نموذج حسابي → توليد → صورة.
    وهنا لا يكون الضوء الواقعي بالضرورة نقطة البداية.
    وهذه هي الثورة الفلسفية الكبرى.
  21. من «تسجيل العالم» إلى «اقتراح عالم»
    في التصوير الفوتوغرافي التقليدي كان السؤال:
    ماذا كان أمام الكاميرا؟
    وفي التصوير الرقمي أصبح السؤال:
    كيف عالجت الكاميرا ما كان أمامها؟
    وفي التصوير الحاسوبي:
    كيف أعادت الخوارزمية بناء ما التقطه المستشعر؟
    أما في الصورة المولدة:
    هل كان هناك أصلًا شيء أمام العدسة؟
    وهنا يتغير مفهوم المرجع الفوتوغرافي.
    فالصورة الفوتوغرافية التقليدية كانت مرتبطة بحدث أو جسم أو شخص أو مكان أمام الكاميرا.
    أما الصورة المولدة فقد تكون بلا مرجع مادي مباشر.
  22. الصورة بين الوثيقة والخيال
    وهنا تستعيد الموسوعة سؤالًا قديمًا:
    هل الصورة حقيقة؟
    لكن السؤال أصبح أكثر تعقيدًا.
    فالصورة قد تكون:
    وثيقة.
    وقد تكون:
    تفسيرًا للوثيقة.
    وقد تكون:
    تركيبًا.
    وقد تكون:
    محاكاة.
    وقد تكون:
    توليدًا خوارزميًا.
    ومن هنا تصبح الحاجة أكبر إلى التمييز بين:
    الصورة التي تسجل،
    والصورة التي تعالج،
    والصورة التي تركب،
    والصورة التي تحاكي،
    والصورة التي تولد.
  23. الكرونولوجيا الجديدة للصورة
    يمكن تلخيص المسار التاريخي الذي قطعناه حتى الآن في هذا الخط:
    الكهف

    قمرة ابن الهيثم

    نييبس

    داغير

    تالبوت

    الفيلم الكيميائي

    الأبيض والأسود

    التصوير الملون

    السينما

    الفيديو

    التصوير الإلكتروني

    الكاميرا الرقمية

    الموبايل

    التصوير الحاسوبي

    الذكاء الاصطناعي

    الصورة المولدة
    وهذه ليست مجرد سلسلة من الاختراعات.
    إنها سلسلة من التحولات في معنى الصورة.
  24. من الأثر إلى البيانات
    يمكن النظر إلى تاريخ الصورة في خمس حالات كبرى:
    المرحلة
    طبيعة الصورة
    الرسم
    صورة يصنعها الإنسان بيده
    الفوتوغرافيا الكيميائية
    صورة يسجلها الضوء على مادة
    الفيديو والإلكترونيات
    صورة تتحول إلى إشارة
    التصوير الرقمي
    صورة تتحول إلى بيانات
    التصوير الحاسوبي والذكاء الاصطناعي
    صورة تُحسب أو تُولّد
    وهكذا يمكن صياغة المعادلة التاريخية:
    الصورة المرسومة → الصورة المسجلة → الصورة المنسوخة → الصورة المرقمنة → الصورة المحسوبة → الصورة المولدة.
  25. ماذا حدث للذاكرة؟
    مع كل تحول تقني تغيرت الذاكرة أيضًا.
    الصورة الورقية كانت:
    شيئًا ماديًا يمكن الاحتفاظ به في ألبوم.
    الفيلم كان:
    أرشيفًا فوتوكيميائيًا.
    الفيديو أصبح:
    ذاكرة متحركة.
    الصورة الرقمية أصبحت:
    ملفًا.
    الهاتف أصبح:
    أرشيفًا شخصيًا متنقلًا.
    والسحابة أصبحت:
    ذاكرة موزعة خارج الجهاز.
    أما الذكاء الاصطناعي فيفتح بابًا جديدًا:
    ذاكرة يمكن إعادة تركيبها أو تخيلها أو توليدها.
    وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة وأهمية:
    إذا أمكن توليد صورة لم تحدث، فكيف سنميز مستقبلًا بين ذاكرة الحدث وصورة الذاكرة؟
  26. الصورة لم تعد نهاية الرحلة
    في عصر الفيلم كان المصور يلتقط الصورة ثم ينتظر ظهورها.
    في عصر الرقمنة أصبح يرى الصورة فورًا.
    في عصر الهاتف أصبحت الصورة تُنشر في اللحظة نفسها.
    في عصر التصوير الحاسوبي أصبحت الكاميرا تعالج الصورة قبل أن يراها الإنسان.
    وفي عصر الذكاء الاصطناعي أصبح الإنسان قادرًا على إنتاج صورة لشيء لم يكن أمام الكاميرا أصلًا.
    وبذلك انتقلت الصورة عبر مراحل متتابعة:
    الانتظار → الفورية → المعالجة → الحساب → التوليد.
    خاتمة الجزء الثالث: حين أصبحت الصورة تفكر في الضوء
    لم يكن تاريخ التصوير مجرد تاريخ للكاميرات.
    كان تاريخًا للتحول المستمر في العلاقة بين:
    الإنسان والضوء والواقع والذاكرة.
    في البداية رسم الإنسان العالم على جدران الكهوف.
    ثم دخل الضوء إلى قمرة ابن الهيثم.
    ثم أصبح الضوء أثرًا كيميائيًا على الفيلم.
    ثم أصبح لونًا.
    ثم أصبح حركة وصوتًا.
    ثم أصبح إشارة إلكترونية.
    ثم أصبح بيانات رقمية.
    ثم دخل إلى الخوارزمية.
    واليوم يمكن للخوارزمية أن تنتج صورة لا يكون لها بالضرورة أصل مادي أمام العدسة.
    وهنا تصل كرونولوجيا الصورة إلى واحدة من أكثر لحظاتها إثارة:
    لم تعد الكاميرا وحدها هي التي ترى.
    ولم يعد المصور وحده هو الذي يقرر ما نراه.
    لقد دخلت الخوارزمية إلى قلب الصورة.
    وهكذا يصبح السؤال الذي سيقودنا إلى الجزء التالي:
    إذا كانت الصورة الفوتوغرافية قد بدأت عندما استطاع الإنسان أن يثبت الضوء، فماذا يحدث عندما يصبح قادرًا على إنتاج الصورة من دون أن يحتاج إلى مشهد أمام العدسة؟
    من هنا تبدأ مرحلة جديدة من الموسوعة:
    الجزء الرابع
    «الصورة الخوارزمية: من الكاميرا الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي — هل ما زالت الصورة فوتوغرافيا؟»
    وفيه يمكن أن ننتقل من تاريخ التقنية إلى فلسفة الصورة المعاصرة: الحقيقة، الوثيقة، التزييف، الذاكرة، الهوية، المؤلف، الأصل، الواقع الافتراضي، الصورة الاصطناعية، والحدود الجديدة بين الفوتوغرافيا والفن والخوارزمية.

أخر المقالات

منكم وإليكم