#مقالي اليوم في جريدة المدى: لوحة غيَّرَت الدستور
كنت
في زيارة لمتحف رايكس بمدينة أمستردام، وهي عادة أقوم بها كلما سنحت الفرصة لذلك، كي أغسل روحي من غبار الفن السطحي والعابر الذي ملأ الكثير من الأماكن. وكعادة الأشياء العظيمة، تأخذ لوحات ريمبرانت الخالدة مكانها الدائم في المتحف، كما أخذتْ مكانها الثابت فى تاريخ الفن. ريمبرانت الذي يعتبر أعظم رسام كلاسيكي أنجبه تاريخ الفن، وحتى بعد أن مضى على رحيله أربعة قرون تقريباً، لكنه مازال يشغل هذه المكانة العالية في فن الرسم، ولم يكتف بذلك فقط، بل جعل مهمة الاقتراب من مستوى إبداعه صعبة جداً وربما مستحيلة. هكذا يُنظر في هولندا اليه كفنان مقدس يعتبر مرآة هولندا وأحد رموزها على مرِّ التاريخ. حيث يرى كل من يقف أمام إبداعه، القيمة الحقيقية الملموسة لهذا الفنان الذي يحرك الفرشاة من الظلمة الى النور كأنه يعبر من الموت الى الحياة. شخصياً، أنظر الى أعمال ريمبرانت ليس يإعتبارها أعمال فنية فقط، بل كونها تُرينا كيف يمكن لفنان أن يعبرَ الامكانات المتعارف عليها ويصل الى ناصية جديدة للتعبير، ولم يكتفِ بتجاوز التقنيات المعروفة والمواهب السائدة، بل ذهبَ بعيداً صحبة أسرار اللون وتوصَّلَ الى اعمال صارت العتمة فيها تقول أكثر مما يفصح عنه الضوء، وهذا بحد ذاته إلتفاف جمالي على ماهية الرسم نفسه. انه ابتكار من نوع جديد، حين يكون للعتمة كل هذا الحضور الآسر والساحر. وللإحساس بذلك، ما عليك سوى أن تتمسك ببعض رباطة الجأش وأنت تتأمل الظلام في لوحاته، ومع بعض الهدوء الذي ستحتاجه لحظتها، ستشعر بأن أحداً ما سيخرج من تلك العتمة العميقة، شخصاً ما سيكسر هذا الصمت الداكن ويتقدم نحو مقدمة اللوحة، ربما تكون زوجته ساسكيا أو إبنه تيتوس. ستشعر بذاك حقاً وما عليك سوى أن تتجلد قليلاً أمام سحر وغموض هذه العتمة. كان ريمبرانت يعكس فرشاته ويستعمل طرفها الخلفي ليتركَ شخطات وحزوز في بعض جوانب لوحاته، وهذا حده ابتكار سبق من خلاله الفن الحديث بمئات السنين. هكذا لم يتوان هذا الفنان من أن يُديرَ فرشاته ويمرر جهتها الأخرى على قماشة الرسم ليترك هذه الخطوط الحادة التي تجعل اللوحة متحركة وفيها حياة. أو يستعمل أصابعه أحياناً لدعكِ اللون هنا وهناك كما فى بورتريت صديقه يان سيكيس الذي رسمه بسرعة كبيرة، حيث بدتْ آثار أصبع ريمبرانت على حافة المعطف الأحمر قرب الأزرار. وبذلك يعتبر من اوائل الفنانين التجريبيين في التاريخ. أجول ببصري بين لوحات ريمبرانت فأتبين إبتعاده غالباً عن رسم نساء مثاليات وخياليات كما فعل معاصريه، بل أختار أن يرسم نساء حقيقيات من الواقع، دون مبالغات أو تعديل أو تجميل. فهو لا يتوانى عن رسم نساء بوضعيات عارية وبهيئات بدينة أو غير مشذبة. حتى البورتريهات التي رسمها لنفسه، لم يهتم فيها بتعالي الرسام ووضعه المثالي، بل رسم نفسه كما هو، في حالات الحب والقوة والمرض والعجز، وبمختلف التساؤلات التي تظهر على ملامحه. وهذه البورتريهات جذبت جمهوراً كبيراً لإقتناءها حتى في ذلك الوقت. فمن لا يحب أن تُعلَّق في بيته لوحة لريمبرانت وفيها ريمبرانت ذاته؟ كان تأثير هذا الفنان عظيماً على فناني القرن السابع عشر الذين عاصروه بشكل مباشر، وقد تتلمذ على يديه خمسة وعشرون فناناً يعتبرون من أعظم مبدعي هولندا، حيث كانوا يحضرون الى مرسمه وسط أمستردام لتعلم تقنيات الرسم. وقسم من هؤلاء التلاميذ كانوا يهيؤون له غرفة صغيرة في الطابق الأعلى من ذات المرسم لينجز المئات من أعمال الليثوغراف الطباعية. وبسبب تعدد هذه الطبعات إنتشرت أعماله بين الناس بشكل كبير جداً. وما لا يعرفه الكثيرن، هو أن الدستور الهولندي قد تغير بسبب ريمبرانت، حيث أُضيفتْ قبل سنوات قليلة فقرة جديدة لهذا الدستور، تقضي بإلزام تلاميذ المدارس الابتدائية في كل هولندا على زيارة متحف رايكس في امستردام، ليطلعوا عن قرب على لوحات العصر الذهبي وخاصة لوحة الحراسة الليلية لريمبرانت، والتي تعتبر أعظم لوحة كلاسيكية في تاريخ الفن كله، وهي رمز من رموز هولندا وتاريخها، وعلى كل هولندي أن يقف أمامها ليعرف قيمة بلده وما قدم للبشرية من إبداع وجمال. هذه اللوحة التي مازالت تجذب ملايين الناس الذين يأتون من بلدان بعيدة للوقوف طوابير أمام المتحف من أجل مشاهدتها عن قرب. هذا ما يمكن أن يُطلق عليه تسمية الفن العظيم، وهذا ما يمكن وصفه بالابداع الذي تجاوز الزمن وإستحقَ أن يكون في المقدمة.


