التشكيلي الكردي رحيمو حسين
تجربة تتأرجح بين التعبيرية الرمزية والبنائية اللونية،
إبراهيم إبراهيم – الدنمارك
يقدّم الفنان الكردي رحيمو حسين تجربة تشكيلية تستند إلى اشتغال بصري كثيف على الذاكرة الجمعية والذات الفردية معاً، تجربة تتأرجح بين التعبيرية الرمزية والبنائية اللونية، وتستمد حيويتها من بيئة عامودا الشعبية بثرائها الإنساني، ومن نزيف المكان الذي يحمله الفنان معه إلى منفاه الأوروبي.هذه التجربة، بما فيها من صدق روحي وامتداد سردي، تجعل من رحيمو حسين اسماً تشكيلياً متفرداً في قدرته على تحويل الحكاية الشعبية إلى بنية تشكيلية ذات أبعاد تركيبية معاصرة.
- البنية الأسلوبية — ازدواجية السرد والتكوين
1- في لوحاته تتعدد الوجوه والاشتغال على “الحضور المتلاشي” (لوحة الوجوه المتناثرة في نسيج لوني كثيف)، إذ يعتمد رحيمو تقنية التراكب الطبقي Layering التي تمنح العمل عمقاً بصرياً، وتحرّض العين على التنقّل بين مستويات دلالية متعدّدة.
تبدو النساء هنا أشبه بظلال ذاكرية؛ حضورها يتوزّع في مساحات ضبابية، ما يخلق ما يمكن وصفه بـ الحضور المتلاشي— حضور موجود وغائب في آن. تُذكّر هذه التقنية بما يُعرف بـ الكتلة اللونية المموّهة Diffused Color Mass، حيث يتحول اللون ذاته إلى وسيط سردي، لا إلى عنصر تزييني.
لقارئ اللوحة المجاور لتنهدات الفنان يرى في هذه اللوحة بعض الارتباك في التشريح الوجهـي Facial Anatomy، إذ تميل بعض الوجوه إلى استطالة غير منطقية في الرقبة، إضافة إلى خلل في زوايا الميلان بين محور العين والكتف. ورغم أنّ هذا الخلل قد يخدم البعد التعبيري، فإنه يظل نقطة يجب التوقف عندها من منظور الضبط البنائي للشخصية.
2- الإيقاع البنائي وانزياح اللون
ينتقل الفنان في بعض لوحاته إلى اشتغال بصري قائم على البنية الشبكية Grid Structure، وهي تقنية قريبة من تجارب ما بعد التعبيرية التجريدية. هنا تتحول اللوحة إلى فضاء من “النوافذ” أو “الخلايا البصرية” التي تحبس داخلها شذرات من الوجوه، ونتفاً من الحركة اللونية، في إيقاع بصري يشكل ما يمكن تسميته بـ الإيقاع البنائي المتكرر Structural Repetition.
في هذه الأعمال تبرز قدرته على بناء كثافة لونية Chromatic Density شديدة الغنى، لكن كثافتها العالية تؤدي أحياناً إلى إغلاق مسارات الرؤية، ما يجعل العين غير قادرة على التنفس داخل اللوحة.
أن الإفراط في التراكم اللوني في بعض المساحات يؤدي إلى تشتّت المركز البصري Visual Focus، ما يخفف من قدرة العمل على توليد مجال بصري واضح الاتجاه.
- المرأة – مركز الثقل البصري والرمزي
إن حضور المرأة كجسد ورمز وخاصة في اللوحة المرافقة ، تبرز المرأة بوصفها محوراً دلالياً، لا جمالياً فقط. فالجسد الأنثوي هنا
يبدو كـ حامل للذاكرة الجمعية.تعمل الخلفية الطبيعية — الحقول، الضوء، النبات — على محاصرة الجسد داخل فضاء من الرموز الأمومية.
التشريح والانسجام العضوي
رغم أن ملامح الوجه مرسومة بثقة، إلا أنّ العلاقة بين الكتف والصدر تظهر فيها فجوة تشريحية، مما يضعّف ترابط الكتلة الجسدية.
هذا الخلل، خصوصاً عند ملاحظة ميلان الخصر وثبات الوجه، يكشف عن فجوة بين حيوية الجسد وثبات المركز الوجهي.
مع ذلك، فإنّ العلاقة بين اللون البرتقالي للثوب، والفاكهة المنتشرة أمام الجسد، تمنح العمل ما يسمى بـ التناغم الرمزي Symbolic Harmony، وتحوّل اللوحة إلى طقس احتفالي صغير.
- البنية الدلالية — الذاكرة كمحرّض تصويري
يتعامل رحيمو مع الذاكرة ليس كمخزون سردي، بل كـ محرّك بصري تظهر الأم، الفتاة، الجديلة، الثوب المطرّز، والفاكهة الحقلية كعناصر أيقونية Iconic Elements تُعيد تشكيل الذات الكردية داخل اللوحة بما يشبه الترميز الإثنوغرافي. هو لا يؤرشف الذاكرة بل يعيد تشغيلها عبر اللون. - التقنية اللونية — بين المدرسة النقطية والاشتغال الغريزي
الحركية اللونية يقترب الفنان في بعض أعماله من المدرسة النقطية Pointillism، لكن بطريقة أكثر غريزية، وأقل انضباطاً من الناحية العلمية.الألوان لا تتجاور وفق قانون الانشطار الضوئي، بل وفق غريزة سردية، ما يمنح العمل حرارة عاطفية، وإن كان يفقده أحياناً دقة المعالجة. - الهجرة بوصفها إعادة كتابة للصورة
الهجرة لم تنقل رحيمو إلى عالم جديد، بل نقلت عامودا معه إلى لوحات أكثر كثافة، وأشدّ حاجة إلى التعبير. تظهر هذه التحولات بوضوح في اللوحة التي يظهر فيها الفنان داخل مرسمه؛ حيث تتجاور أعماله كأنها كولاج بصري لذاكرة لا تستسلم. - اللون أداة سردية
إنّ تجربة رحيمو حسين تشكّل مساراً بصرياً يقوم على حركية اللون كأداة سردية. إذ ليس اللون عند رحيمو حسين مجرد وسيط جمالي، بل هو لغة سردية لها قواعدها ومفرداتها. اللون عنده يحكي، يروي، يقترح، ويستدعي الذاكرة.
فاللون يعمل ساعة حائط لقياس الزمن الراحل والقادم، ففي لوحة (الوجوه المتعددة ضمن ضباب لوني)، يضع رحيمو طبقات من الأزرق، البنفسجي ، والأصفر بطريقة تجعل اللون يتحرك ، أو يبدو وكأنه يتحرك.
هذه الحركية البصرية ليست صدفة، بل تُنتج شعوراً بأن اللوحة تتنفس ما يتيح للون يسكن أيضاً مسافة الروح، حتى تبدو بعض الوجوه وكأنها قريبة، وبعضها بعيدة… لكن الفارق ليس في الحجم، بل في كثافة اللون.
الوجه المغطّى بطبقة لونية كثيفة يبدو أبعد، كأنه ينتمي للماضي. يتابع اللون في أحلام الرسم لدى رحيمو ليكون الصوت الداخلي في اللوحتين الشبكيتين أدناه :
يستخدم الفنان التدرج بين الأزرق الغامق والبقع اللامعة داخل النوافذ ليخلق إيقاعاً يشبه الهمس البصري… شيء يذكّر بالصوت الذي لا يُسمع، لكنه حاضر. ورغم وجود هنّات تشريحية في بعض الأعمال، وتكدّس بصري في أجزاء من لوحاته الشبكية، فإنّ هذه النقاط لا تقلّل من قيمة تجربته، بل تكشف عن فنان يعمل بروح حرة، خارج الحسابات المدرسية، وداخل مختبر اللون الإنساني.
إنه فنان يُعيد تعريف اللوحة بوصفها سيرة ذاتية جمعية، وبوصفها أيضاً مقاومة ناعمة ضد النسيان والقبح، إن رحيمو ببساطته وعمق رؤيته، يثبت أن اللون يمكن أن يكون ذاكرة، والجسد يمكن أن يكون تاريخاً، وأن اللوحة ليست غاية، بل طريقة أخرى للوجود اللون عند رحيمو ليس أداة تلوين، بل أداة رواية، إنه يكتب عبر اللون أكثر مما يكتب عبر الخطّ، وكأن كل لوحة قصيدة غير مرئية.
- الذاكرة كمركز للتكوين
لا يمكن قراءة أي لوحة لرحيمو حسين دون أن نشعر أن هناك ذاكرة ما تُستدعى.الوجوه التي تظهر وتغيب النساء في اللوحة الأولى، أو الوجوه المتناثرة داخل مربعات اللوحات الشبكية، ليست شخصيات حقيقية، بل بقايا ذاكرة. إنها ليست نماذج مرسومة من الواقع، بل صور تستيقظ من الداخل.
المكان كحضور غائب … أو عامودا القمح والبراري و لون التراب تقتحم بنعومة حاضرة معظم اللوحات—even حين لا تُرسَم مباشرة. فعامودا تظهر في، الجدائل، الثياب، الألوان الفلكلورية، الفواكه الريفية، البساتين المنتشرة في محيطها…حتى حين يرسم في بروكسل، فخلفية اللوحة ليست بروكسل بل يبدو الارتباك بعامودا والحنين لها واضح.
التكوين الذي يشبه فسيفساء الذاكرة
اللوحات الشبكية (الثانية والثالثة) ذات البنية المربعة ليست مجرد شكل، بل هي محاولة لتجميع ذاكرة مبعثرة. الذاكرة هنا ليست مستقيمة… إنها مكسّرة، متداخلة، غير خطّية— تماماً كما يعيشها إنسان هاجر قسراً.
- المرأة كمحور رمزي وجمالي
لماذا المرأة بهذا الحضور؟ هل المرأة كذاكرة أولى ربما عند رحيمو تكمن الرواية الحقيقية لأهمية المراة، فهي الأم، الجدة، الحكاية، حافظة التراث الشفوي. وجودها ليس جمالياً فقط، بل وجود وظيفي داخل النص البصري. المرأة كصورة للخصوبة والاستمرار.
في العديد من اللحظات تتباهي الفاكهة —التفاح، الخوخ، الكمثرى—في لوحات حسين وهي تجلس قرب نساء رحيمو، هذا الربط ليس عفوياً، بل يعكس رمزية ” الخصب، الحياة، الديمومة “.
المرأة كواجهة للهوية الكردية
الثياب في اللوحة الرابعة مثلاً، بزخارفها البرتقالية والصفراء والخضراء، ليست ثياباً نسائية فقط، بل هي:
سجل ثقافي، ذاكرة شعب، رمز للمكان، والمرأة مرآة للحنين حتى حين تظهر النساء بملامح غير واقعية أو بنسب غير مثالية في التشريح، الشعور العام أنها حالات روحية وليست بورتريهات.
أخيراً ورغم وجود هنّات تشريحية في بعض الأعمال، وتكدّس بصري في أجزاء من لوحاته الشبكية، فإنّ هذه النقاط لا تقلّل من قيمة تجربته، بل تكشف عن فنان يعمل بروح حرة، خارج الحسابات المدرسية، وداخل مختبر اللون الإنساني.إنه فنان يُعيد تعريف اللوحة بوصفها سيرة ذاتية جمعية، وبوصفها أيضاً مقاومة ناعمة ضد النسيان والقبح.
رحيمو حسين، ببساطته وعمق رؤيته، يثبت أن اللون يمكن أن يكون ذاكرة، والجسد يمكن أن يكون تاريخاً، وأن اللوحة ليست غاية، بل طريقة أخرى للوجود
******
المصادر:
– الدانمارك
– مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– موقع المصرى اليوم – موقع عكاظ
– مجلة فن التصوير
– إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
****************


