هل أدباء المهجر سوريون ؟
Farouk Khaddaj
كتب فاروق خداج* في موقع ” بيروت تايمز ” مقالة قال فيها :
في زاويةٍ صغيرة من نيويورك، بدا الأمر للوهلة الأولى مجرّد لوحةٍ تعريفية داخل حديقة ثقافية. لكنّ الكلمات القليلة المكتوبة هناك كانت كافية لإشعال نقاشٍ يتجاوز الأدب إلى التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية. فقد جرى توصيف عدد من أعلام أدب المهجر، وفي مقدّمهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وإيليا أبو ماضي، بوصفهم “أدباء سوريين”، الأمر الذي أثار اعتراضات لبنانية واسعة، كان أبرزها موقف المؤرخ والنقابي الدكتور عصام خليفة، الذي اعتبر أنّ ما جرى يمسّ بالهوية الثقافية اللبنانية ويشوّه حقيقة تاريخية راسخة.
الاعتراض اللبناني مفهوم ومشروع، لأنّ المسألة لا تتعلّق بأسماء عابرة، بل برموزٍ أدبية ساهمت في صناعة صورة لبنان الثقافية في العالم. فجبران، على سبيل المثال، لم يكن كاتبًا مهاجرًا بلا جذور، بل حمل لبنان معه في اللغة والروح والخيال. يكفي قوله الشهير: «لو لم يكن لبنان وطني لاخترته وطنًا لي»، أو عبارته التي تحوّلت إلى جزءٍ من الوجدان اللبناني: «لكم لبنانكم ولي لبناني». هذه ليست إشارات عابرة، بل إعلان انتماء واضح لا يحتمل التأويل.
كذلك فإنّ ميخائيل نعيمة ظلّ مرتبطًا ببلدته بسكنتا حتى آخر أيامه، بينما كتب أمين الريحاني عن جبل لبنان والانفتاح الفكري والتعددية الشرقية بوصفها جزءًا من تجربته الفكرية. أما إيليا أبو ماضي، فحمل في شعره ذلك الحنين اللبناني الشفيف الذي ميّز أدب المهجر كله تقريبًا.
لكن، في المقابل، فإنّ القراءة التاريخية الدقيقة تفرض شيئًا من التوازن. فالتوصيف الذي استُعمل في اللوحة لا يأتي من فراغٍ كامل، بل من إرثٍ اصطلاحي قديم في الأدبيات الغربية، حيث كان يُستخدم مصطلح “سوري” للإشارة إلى مهاجري بلاد الشام عمومًا، قبل قيام الحدود الحديثة بين لبنان وسوريا وفلسطين والأردن. فكثير من المهاجرين الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة الأميركية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانوا يُسجَّلون رسميًا تحت هذا التصنيف، رغم أنّ هوياتهم المحلية كانت أكثر تعقيدًا وتنوعًا
أنّ معظم أدباء المهجر غادروا المنطقة قبل إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، وكانوا يحملون وثائق عثمانية تشير إلى مناطق مثل “جبل لبنان” أو “بيروت” أو “طرابلس الشام”، لا إلى دولة قومية حديثة بالمعنى الحالي. لذلك، فإنّ إسقاط التصنيفات السياسية المعاصرة على تلك المرحلة يبقى مسألة شديدة الحساسية تاريخيًا.
غير أنّ هذا التفسير لا يُلغي حقيقة أخرى أكثر وضوحًا: هؤلاء الأدباء أنفسهم عبّروا في كتاباتهم عن هويات محلية محددة، وخصوصًا الهوية اللبنانية. وهنا تكمن المشكلة الأساسية في اللوحة: لا في الاعتراف بسياق بلاد الشام التاريخي، بل في اختزال الجميع داخل توصيفٍ واحد يُلغي الفوارق والهويات الثقافية الخاصة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا تبدو المعركة “وهمية” كما يعتقد بعض الحياديين. فالأمم الصغيرة تعيش غالبًا في حالة استنفار دائم حول رموزها الثقافية، خوفًا من الذوبان داخل سرديات أكبر منها. والأمر لا يخص لبنان وحده، بل يظهر في تجارب شعوب كثيرة تعتبر الثقافة خط دفاعها الأخير عن وجودها المعنوي.
ومن هنا، يبدو الحلّ الأكثر عقلانية ليس في تحويل القضية إلى نزاع قومي عقيم، بل في تقديم رواية أكثر دقة واتزانًا. فالرابطة القلمية، التي تأسست عام 1920 في نيويورك، ضمّت بالفعل كتّابًا من خلفيات شامية متعددة، من لبنان وسوريا وفلسطين، وكان من بين أعضائها أيضًا نسيب عريضة ورشيد أيوب وغيرهما من رموز المهجر. لذلك، فإنّ اللوحة الأكثر عدالة ليست تلك التي “تلبنن” الجميع بالقوة، ولا تلك التي تذيبهم داخل سردية شامية عامة، بل لوحة تعترف بالتعددية نفسها: كتّاب من بلاد الشام حمل كلٌّ منهم هويته الخاصة إلى المهجر.
وقد يكون الحل الأنسب فعلًا هو إضافة لوحة تفسيرية مكمّلة توضّح السياق التاريخي، فتشير إلى أنّ هؤلاء الأدباء غادروا المنطقة قبل ترسيم الحدود الحديثة، لكنهم عبّروا بوضوح في نتاجهم الأدبي عن انتماءات ثقافية ووطنية متمايزة، وفي مقدمتها الانتماء اللبناني لدى جبران ونعيمة والريحاني وأبي ماضي.
في النهاية، ليست القضية مجرّد سطور محفورة على جدار حديقة. إنها سؤال أعمق عن حق الشعوب في حماية ذاكرتها الثقافية، وعن الطريقة التي يُعاد بها سرد تاريخ المشرق في العالم. لكن مهما اختلفت المصطلحات السياسية أو القراءات التاريخية، يبقى ثابتًا أنّ جبران خليل جبران لم يكن يومًا بلا وطن، وأنّ لبنان لم يكن بالنسبة إليه تفصيلًا جغرافيًا، بل جزءًا من روحه نفسها.
- كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
( في الصورة الكاتب فاروق خداج )


