السفتجة
حكاية صغيرة تروي ذكاء التجار السوريين
حين كانت القوافلُ تمضي بطيئةً عبر الصحارى والجبال، محمَّلةً بالحرير والتوابل، كان هناك ما هو أثقلُ من البضاعةِ وأخطرُ من الطريق: المالُ نفسه. ذهبٌ وفضةٌ يحملُها التاجرُ معه، فيصيرُ في كلِّ خطوةٍ هدفاً للصوص، وعرضةً للضياع، وعبئاً يُثقِلُ الرِّحال.
وهنا، ومن قلبِ الأسواقِ القديمة في بلاد الشام والعالم الإسلامي، وُلدت فكرةٌ في غايةِ البساطةِ والعمق: ألّا يسافرَ المالُ مع صاحبِه، بل يسبقَه أن تدفعَ في دمشق، وتقبضَ في بغداد. أن تتركَ الذهبَ في أمانٍ خلفَك، وتحملَ بدلاً منه ورقةً، أو كتاباً، أو وعداً مكتوباً. هذه هي السفتجة، التي اختصرت أجملَ ما في ذكاءِ التجارة: تحويلُ الثقةِ إلى أداةٍ تُغني عن حملِ النقود.
والسفتجةُ في تعريفِها أداةٌ ماليةٌ تقومُ على أن يدفعَ الشخصُ مالاً في مدينةٍ، ثم يستوفيَ المبلغَ نفسَه في مدينةٍ أخرى بواسطةِ شخصٍ أو وكيلٍ أو شريك، فيتخلَّصُ بذلك من مشقَّةِ حملِ النقودِ ومخاطرِ الطريقِ وتكاليفِه. أما كلمةُ “سفتجة” فهي فارسيةُ الأصل، من “sefte” بمعنى المحكَمِ أو المتين، و”çîz” بمعنى الشيء، فكأنَّ الاسمَ ارتبطَ بفكرةِ توثيقِ الحقِّ في وثيقةٍ مكتوبة، أي إحكامِه وتثبيتِه كتابةً.
لم تكن السفتجةُ مجرَّدَ حيلةِ تاجرٍ ذكي، بل صارت جزءاً من نسيجٍ اقتصاديٍّ واسع. تذكُرُ المصادرُ أنَّ العصرَ العباسيَّ شهدَ استخدامَها في تحويلِ أموالِ الضرائب من سوريا ومصر وخوزستان إلى بغداد، فكانت المبالغُ الكبيرةُ تنتقلُ عبر الأوراقِ والوعود، وكأنَّ لها أجنحةً خفيَّة. وهكذا لم تكن سوريا مجرَّدَ ممرٍّ للقوافل، بل كانت طرفاً أصيلاً في شبكةٍ ماليةٍ عابرةٍ للمدنِ والأقاليم، سبقت عصرَ المصارفِ الحديثةِ بقرون.
ولأنَّ التجارةَ لا تعرفُ الحدود، التقى العالمان: الإسلاميُّ والأوروبي. وفي موانئ شرق المتوسط وأسواقِه، كان التجارُ الإيطاليون في القرنين الحادي عشر والثاني عشر يراقبون ويَسمعون، فتعرفوا إلى أدواتٍ ماليةٍ ابتكرها المسلمون، وكانت السفتجةُ من أبرزِها. صحيحٌ أنَّ المؤرخين يتحفظون عن القولِ بخطٍّ مباشرٍ واحدٍ يربطُ السفتجةَ وحدَها بنشوءِ الكمبيالة الأوروبية، لكنَّ الفكرةَ الجوهريةَ كانت واحدة: نقلُ القيمةِ من مكانٍ إلى آخرَ من دونِ نقلِ النقودِ نفسِها.
وهنا تكمنُ المفارقةُ الجميلة: بينما كانت السفتجةُ في العالم الإسلامي أداةً أمينةً لنقلِ المالِ وتجنُّبِ مخاطرِ الطريق، تطوَّرت في أوروبا إلى الكمبيالة، وأخذت وظائفَ أوسع، فصارت مرتبطةً بتبادلِ العملاتِ والائتمان، وهو ما منح التجربةَ الأوروبيةَ زخماً مختلفاً. وهكذا، فإنَّ النظامَ الماليَّ الأوروبيَّ لم يُبنَ في فراغ، بل نشأ في حوارٍ طويلٍ مع عالمٍ إسلاميٍّ خبيرٍ في الصيرفةِ والتحويلات، عالمٍ كانت دمشقُ وحلبُ وبيروتُ من مناراتِه.
وفي سوريا، لم تمتِ الحكاية. بل استمرت السفتجةُ حيَّةً في الذاكرة، ثم دخلت العصرَ الحديثَ من بابِ القانون. حين صدرَ قانونُ التجارةِ السوريُّ بالمرسوم التشريعي رقم 149 لعام 1949، صارت السفتجةُ، أو سندُ السحب، إحدى الأسنادِ التجاريةِ الأساسية، إلى جانبِ السندِ لأمرٍ والشيك، وأصبح لها تعريفٌ وشروطٌ وبياناتٌ محدَّدة، فأخذت مكانَها في دفترِ التشريعِ بعد أن كانت تعيشُ في دفاترِ الصيارفة.
ومع الزمن، شاعَ اسمُ الكمبيالة، القادمِ من الكلمةِ الإيطالية cambio، حتى صارَ في لهجتِنا السوريةِ مرادفاً شبهَ يوميٍّ للسفتجة. وهكذا اجتمعَ في الكلمةِ الواحدةِ عالمان: شرقيٌّ قديمٌ أوجَدَ الفكرة، وغربيٌّ حديثٌ طوَّرَها، وبقيت سوريا حاضرةً في الحكايةِ من أولِها إلى آخرِها.
حين نسمعُ اليومَ كلمةَ “سفتجة”، فنحن لا نسمعُ مصطلحاً قانونياً جافاً، بل نسمعُ صدى قوافلَ قديمة، وهمسَ تجارٍ في أسواقِ دمشق، وصوتَ صيارفةٍ يعدُّون الذهبَ في ضوءِ المساء. نسمعُ حكايةَ رجلٍ كان يسألُ نفسَه: كيف أُرسلُ مالي إلى مدينةٍ بعيدةٍ من دونِ أن أحمِلَه على ظهري؟ فجاءت الإجابةُ من ذكاءِ التجربةِ الإنسانية: لا تحملِ المال، بل احملْ ما يثبتُه.
وهكذا، بقيت السفتجةُ أثراً من عالمٍ اقتصاديٍّ قديمٍ عرفَ كيف يحلُّ مشكلةً كانت تبدو شاقة، وعاشت في أسواقِ سوريا وبلادِ الشام، ثم دخلت في حوارٍ طويلٍ مع التجربةِ الأوروبية، قبل أن تتخذَ الكمبيالةُ شكلَها الحديث. حكايةٌ صغيرة، لكنها تختصرُ جانباً جميلاً من ذكاءِ التجارة، وذاكرةً طويلةً من الثقةِ بين البشر.
سوريات_souriat
سمر عزيز
رابط المقال في موقع سوريات


