كتب رشيد شعرير عن معرض مقامات الامتداد والوعي العميق بجماليات الخط المغربي.

مقامات الامتداد

  • من الأفق الى الضوء – يحيل عنوان المعرض، "مقامات الامتداد"، إلى حالات بصرية متعددة يتخذها الحرف وهو يتحول من عنصر خطي مضبوط إلى طاقة حركية تنسج علاقاتها داخل اللوحة. فكل عمل من هذه الأعمال يشكّل مقامًا خاصًا، حيث تتفاعل الكتلة والفراغ، الخط واللون، الثبات والحركة، في بناء إيقاع بصري متغير. تنطلق هذه التجربة من وعيٍ عميق بجماليات الخط المغربي، بما يحمله من خصائص في الامتداد الخطي والتوازن الإيقاعي. غير أنني لا أقف عند حدود التقاليد الخطية، بل اعيد تفكيك الحرف وإعادة صياغته داخل مجال تجريدي يسمح له بالانفتاح على إمكانات تشكيلية جديدة. في هذا السياق، يتحول الحرف إلى مسار بصري يقود العين عبر اللوحة، حيث تتولد توترات دقيقة بين الامتلاء والفراغ، وبين كثافة الأثر واتساع المجال. وتغدو اللوحة فضاءً تتردد فيه آثار الحركة، كما لو أن الحرف يواصل امتداده خارج حدوده الأولى.

الأفق والطبيعة

      الأفق فلسفي حينما يمثل حدود الرؤية والمعرفة، لكنه في الوقت نفسه دعوة للتمدد والتجاوز. هو مكان الالتقاء بين ما هو معلوم وما هو مجهول، بين الوعي والغياب. في الفلسفة الصوفية (مثل فكر ابن عربي) الأفق يشير إلى اللامتناهي والكوني، حيث كل امتداد بصري أو معرفي يوصلنا إلى فهم أعظم، حيث تتسع الروح وتتلاقى مع المطلق.

والأفق جمالي أحاول ان اعطي فيه عمقًا للطبيعة وادعو المشاهد للنظر إلى ما وراء الحدود الظاهرة. استخدمه في اللوحة أو التركيب ليجعل العمل يبدو متسعًا وحيويًا، ويعطي إحساسًا بالرحابة والانفتاح. يوحد الألوان والفراغات، ويخلق نغمة هادئة أو متصاعدة.

الامتداد

     الامتداد في تجربتي التشكيلية خط مستمر للوجود، حركة زمنية وروحية تربط الحاضر بالماضي والمستقبل يشير الى السير نحو الحقيقة في التصور الصوفي، حيث كل نقطة أو شكل هو جزء من رحلة كونية مستمرة. يعكس فكرة أن الأشياء ليست منعزلة، بل مرتبطة بسلسلة واسعة من العلاقات والطاقات.

     الامتداد في اللوحة أو العمل الحروفي اعطي إيقاعًا ديناميكيًا، وحوّل الحروف أو الأشكال إلى عناصر متحركة. بل جعل العمل يتجاوز حدود الإطار المادي ليصبح عنصرًا حيًا يتفاعل مع الفضاء. 

العلاقة بين الأفق والامتداد


   الأفق يعطي الإطار والحدود، بينما الامتداد يعطي الحركة والرحابة داخل هذا الإطار، ويخلقان معا إحساسا باللانهاية والعمق، سواء في اللوحة، الخط، او التركيب الفني في الحروفية، هذا يعني أن الحرف لا يقف عند حدود الورقة أو الخط، بل يتصل بروح اللوحة والفضاء المحيط.

الانتقال من اللوحة إلى النصب التركيبي ” أوتار من ضوء “

هو امتداد فني طبيعي. لا يتوقف مشروع “مقامات الامتداد” عند حدود اللوحة، بل يجد امتداده الطبيعي في العمل التركيبي “أوتار الضوء”، حيث ينتقل الحرف من المجال المسطح إلى الفضاء الحي. ففي هذا العمل “التنصيبي” يتحرر الأثر الحروفي من ثباته، ليغدو عنصرًا متحركًا داخل شبكة من الأشرطة والظلال والضوء. هنا يصبح الامتداد تجربة حسية شاملة، تتقاطع فيها الصورة مع الإيقاع الضوئي والموسيقي، فيتحول الحرف إلى طاقة بصرية تتردد في المكان كما لو أنه صدى لحركة أولى انطلقت من اللوحة. بهذا المعنى، لا يشكل “أوتار الضوء” عملًا منفصلًا عن المعرض، بل يمثل ذروة مسارٍ تشكيلي اسعى فيه إلى توسيع مجال الحرف من سطح اللوحة نحو فضاء مفتوح، حيث يغدو الامتداد نفسه تجربة جمالية تعبر حدود الشكل نحو أفقٍ من الضوء والحركة.

ظروف نشأة فكرة “أوتار من ضوء”


      _ مشروع " أوتار من ضوء " عمل فني تركيبي يقوم على تنصيب أشرطة ورقية طويلة ومعلقة في الفضاء، مرسومة عليها حروف وتجريدات خطية مستلهمة من جماليات الخط المغربي. تتفاعل هذه الأشرطة مع إسقاطات ضوئية وألوان مركّزة تُحدث ظلالًا وطبقات بصرية متحركة داخل فضاء العرض.

         تقنيًا يعتمد العمل على الرسم المباشر بالحبر والألوان على أسنده ممتدة، مع توظيف الإضاءة المسرحية و "الدياب راما " لخلق تفاعل بصري بين الحرف والضوء، حيث تتحول الأشرطة المعلّقة إلى مسارات بصرية تتغير مع تأثيرات الإنارة.

     _ في الذاكرة العربية القديمة ارتبطت المعلّقات بأسمى لحظات الشعر، حيث ارتفعت القصيدة إلى مقام التكريم، حتى تخيل الرواة أنها عُلقت على جدار الكعبة احتفاءً ببلاغتها وجمالها. كان ذلك تعليقا للمعنى في فضاء الذاكرة، واحتفاءً بالكلمة بوصفها ذروة التعبير العربي.

       في مشروع "أوتار من ضوء" ينتقل هذا المعنى من الكلمة إلى الحرف. فكما ارتفعت القصيدة يوما تكريما للشعر، ترتفع هنا الأشرطة الحروفية تكريما لجمال الخط المغربي. الحرف لم يعد أثرًا مكتوبًا على سطح، بل أصبح جسدًا بصريًا معلّقًا في الفضاء، يتنفس الضوء ويتحرك مع الظل والإيقاع.

       إن هذه المعلّقات الحروفية لا تستعيد الماضي بوصفه ذاكرة جامدة، بل تعيد إنصات الحاضر إلى نبض الحرف. فالحرف المغربي، بما يحمله من انسياب وامتداد، يتحول إلى وتر بصري مشدود بين الأرض والضوء، يعزف إيقاعاته داخل فضاء العمل التركيبي.

      هكذا تتحول الكتابة من نص يُقرأ إلى فضاء يُعاش؛ ومن قصيدة تُنشد إلى أثر بصري يتردد صداه في الضوء والحركة. إنها محاولة لتعليق الحرف من جديد، لا على جدار، بل في أفق الرؤية.

#الفنان التشكيلي رشيد شعرير #الفن والنقد النشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم