كتب : د.غسان القيم..حين يُسكَب الرمز في الذهب..قالب أوغاريتي لصبّ الحلي من القصر الملكي ودلالاته الفنية والطقسية.

حين يُسكَب الرمز في الذهب
قالب أوغاريتي لصبّ الحلي من القصر الملكي ودلالاته الفنية والطقسية
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
لم تكن الحِرَف في أوغاريت نشاطاً هامشياً يُمارَس في أطراف المدينة أو خارج بنية السلطة بل كانت جزءاً لا يتجزأ من نظامها السياسي والرمزي والمعرفي.
فحيث كان القصر الملكي مركز القرار كان أيضاً فضاء إنتاج المعنى.
وحيث تُدار شؤون الحكم كانت تُدار النار في الأتون ويُسكَب المعدن محمّلاً بدلالاته.
من هذا السياق يبرز قالب حجري صغير الحجم كبير القيمة يحمل الرقم RS 15.219 عُثر عليه في إحدى غرف القصر الملكي في أوغاريت وهو محفوظ اليوم ضمن مقتنيات متحف دمشق الوطني. قطعة من حجر الكلوريت–الستياتيت القاسي لا تتجاوز أبعادها 3.8 × 4.9 سم لكنها تختزن عالماً كاملاً من المعرفة التقنية والذائقة الجمالية والوعي الرمزي.
إن هذا القالب لا يُمثّل أداة عمل فحسب بل وثيقة مادية ناطقة تتيح لنا الاقتراب من فهم العلاقة العميقة التي نسجتها أوغاريت بين الفن والقداسة
وبين الحرفة والسلطة
وبين الجمال والعقيدة.
ومن هنا تأتي أهمية دراسته بوصفه شاهداً مباشراً على حضور صناعة الحلي في قلب المؤسسة الملكية لا كترف بل كفعل حضاري مقصود.
إن العثور على قالب لصبّ الحلي داخل القصر الملكي يضعنا أمام حقيقة دالّة: صناعة المعادن الثمينة كانت نشاطاً مؤسّسياً خاضعاً للإشراف المركزي ومرتبطاً مباشرة بالسلطة.
فالقصر في أوغاريت لم يكن مجرد مقر إقامة ملكية، بل مجمّعاً إدارياً واقتصادياً وطقسياً تُدار فيه الموارد وتُنتج فيه الرموز.
يشير استخدام حجر الكلوريت–الستياتيت إلى معرفة تقنية دقيقة بخصائص المواد إذ يتميّز هذا الحجر بقدرته على تحمّل درجات الحرارة المرتفعة وسهولة نحته ودقته في نقل التفاصيل الزخرفية.
وهو اختيار يعكس خبرة تراكمية طويلة في مجال السبك والصبّ.
ويؤكّد أن الحرفة كانت علماً متوارثاً لا تجربة عشوائية.
لم تكن الحلي في أوغاريت مجرّد مكمل جمالي للملبس بل كانت لغة بصرية مشحونة بالمعاني. فهي تُحدّد المكانة الاجتماعية وترافق الطقوس وتُستخدم كوسيط رمزي بين الإنسان والعالم غير المرئي.
ولذلك فإن وجود ورشة لصناعة الحلي داخل القصر الملكي يربط هذه القطع مباشرة بالسلطة والطقس والشرعية.
إن الحلي المصنوعة في هذا السياق لم تكن موجّهة لعامة الناس بالضرورة بل للنخبة وللمناسبات ذات البعد الديني أو السياسي حيث يتحوّل الذهب إلى حامل للرمز وإلى أداة خطاب صامت لكنه بالغ التأثير.
كما هو مبين بالصورة المرفقة يحمل القالب زخرفة تمثّل قرط أذن تتداخل في عناصره الوردة والرمانة.
وهما رمزان غنيّان في دلالاتهما ضمن ثقافات الشرق القديم.
فالوردة تحيل إلى الاكتمال والجمال والدورة الكونية وإلى التوازن بين الفناء والتجدّد. أما الرمانة فترمز إلى الخصوبة والوفرة والحياة المتكاثرة واستمرارية النسل.
إن جمع هذين الرمزين في قطعة حلي واحدة ليس خياراً زخرفياً بريئاً، بل فعل رمزي واعٍ، يُسكَب في المعدن كما تُسكَب العقيدة في الوجدان. وهنا، يصبح القالب أداة لصناعة المعنى قبل أن يكون أداة لصناعة الذهب.
يكشف هذا القالب عن صورة الحرفي الأوغاريتي بوصفه فاعلاً ثقافياً لا مجرّد منفّذ. لقد كان هذا الحرفي على دراية بخصائص المادة وبقواعد الجمال وبالدلالات الرمزية لما يصنعه.
كان يعرف أن الحلي تُلبَس على الجسد لكنها تُخاطَب بها الروح وتُحمَّل برسائل تتجاوز اللحظة العابرة.
إن هذا الوعي المركّب يضع الحرفة في مصاف المعرفة ويجعل من الفن شكلاً من أشكال التفكير المادي حيث تتحوّل اليد إلى أداة فلسفية والنحت إلى خطاب صامت.
يؤكّد قالب صبّ الحلي الأوغاريتي RS 15.219 أن أوغاريت لم تكن مدينة أتقنت الكتابة الأبجدية فحسب بل حضارة
كتبت الجمال في الحجر
وسكبت الرمز في الذهب
وربطت الفن بالقداسة
والحرفة بالمعرفة.
فهذا الأثر الصغير في حجمه العميق في دلالته يختصر رؤية حضارية سبقت زمانها وجعلت من المادة حاملة للمعنى ومن الجمال فعلاً مؤسِّساً للهوية.
وهكذا فإن الوقوف أمام هذا القالب ليس وقوفاً أمام قطعة أثرية صامتة بل مواجهة حيّة مع مدينةٍ عرفت كيف تحوّل الأشياء الصغيرة إلى شواهد كبرى وكيف تترك في الحجر والذهب أثراً لا يشيخ.
وهنا كما في أوغاريت دائماً لا تنتهي الفصول
بل تبدأ من جديد.
اوغاريت تحب من يقرأها بهدوء.
سرد تاريخي
“””””””””””””””””
عاشق اوغاريت.. غسان القيم
أولاً: المراجع العربية التي استند إليها البحث..
الرحّال محمد عادل.
صناعة الحلي في الشرق القديم: الحلي في مملكة أوغاريت نموذجاً.
بحث منشور ضمن قواعد بيانات المنظومة (Mandumah)، 2020.
موسى حيدر حميدي .. وموسى رويدة فيصل.
استخدام المعدن في صناعة الحلي في سوريا القديمة (الأدوات الزخرفية في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد والقوالب المستخدمة في صناعتها).
مجلة الأكاديمية العدد 110 جامعة بغداد، 2023.
المديرية العامة للآثار والمتاحف.
مقتنيات متحف دمشق الوطني: قوالب صبّ الحلي من أوغاريت (رأس شمرا).
دمشق: المديرية العامة للآثار والمتاحف
ـالمراجع العلمية الأجنبية مترجمة إلى العربية.
يون مارغريت.
مدينة أوغاريت في تلّ رأس شمرا.
وينونا ليك: دار آيزنبرونز للنشر 2006.
كوبِه، آني.
فنّ الشرق الأدنى القديم: دليل مرجعي للباحثين والمعلّمين.
نيويورك: متحف المتروبوليتان للفنون، 2012.
بريفاليه رومان.
“حُليّ الذهب في سورية خلال العصر البرونزي: الابتكار التقني والدلالة الرمزية”.
دفاتر المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (Les Carnets de l’Ifpo) 2013.
تايلكوت ر. ف.
تاريخ علم التعدين.
لندن: معهد المواد 1992.
أوغدن جاك.
الحُلي في العالم القديم.
لندن: دار تريفويل للنشر 1982.
.**************&********
– موقع الضحى
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم