كتب: د. عصام عسيري..عن ناقد خوارزمي خفيّ..قراءة في كتاب: AI Art and the Stakes for Art Criticism للقيّمة والناقدة: Nora N. Khan.

ناقد خوارزمي خفيّ

د. عصام عسيري

قراءة في كتاب AI Art and the Stakes for Art Criticism للقيّمة والناقدة Nora N. Khan

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تساعد الفنان على إنتاج الصور، بل تحوّل إلى أحد أكثر الأسئلة الفلسفية والجمالية إرباكًا في تاريخ الفن المعاصر. فمع الانتشار الهائل للصور المولّدة خوارزميًا، لم يعد السؤال: هل تستطيع الآلة أن ترسم؟، بل أصبح: كيف يمكن للنقد الفني نفسه أن يفهم ما يحدث؟

في هذا السياق يأتي كتاب AI Art and the Stakes for Art Criticism بوصفه محاولة فكرية جادة لإعادة التفكير في وظيفة النقد الفني في عصر الخوارزميات. فالكتاب لا يناقش الذكاء الاصطناعي باعتباره موضة تقنية عابرة، بل بوصفه تحوّلًا عميقًا في مفهوم الصورة والإبداع والخيال البصري ذاته.

ترى Nora N. Khan أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في قدرة الآلة على إنتاج صور مدهشة، بل في عجز اللغة النقدية التقليدية عن استيعاب هذا التحول. فالمناهج التي نشأت لتحليل اللوحة الزيتية أو النحت أو حتى فنون ما بعد الحداثة، تجد نفسها اليوم أمام أعمال لا تمتلك يدًا واضحة، ولا ذاتًا مبدعة بالمعنى الكلاسيكي، بل تتشكل عبر شبكات بيانات ونماذج احتمالية وتدفقات حسابية معقدة.

ومن هنا يطرح الكتاب أحد أهم أسئلته: هل ما يزال مفهوم الفنان صالحًا كما عرفناه طوال قرون؟

فالعمل الفني المولّد بالذكاء الاصطناعي لا ينبع دائمًا من مهارة يدوية أو تجربة حسية مباشرة، بل من القدرة على توجيه الأنظمة الخوارزمية وصياغة الأوامر وتنظيم الاحتمالات. وهنا يتحول الفنان تدريجيًا من صانع صورة إلى محرّر احتمالات بصرية.

هذه الفكرة تمثل انقلابًا عميقًا على تاريخ الفن الغربي كله، الذي قام طويلًا على تمجيد الأثر اليدوي والعبقرية الفردية وبصمة الفنان الخاصة. لذلك فإن الكتاب لا يناقش التكنولوجيا فقط، بل يناقش انهيار نموذج ثقافي كامل تأسست عليه الحداثة الفنية.

تؤكد الكاتبة أن أخطر ما في فن الذكاء الاصطناعي ليس قدرته على التقليد، بل قدرته على امتصاص الأرشيف البصري الإنساني بأكمله ثم إعادة إنتاجه في صور هجينة يصعب تحديد أصلها أو مرجعيتها. وهكذا تصبح الصورة المعاصرة كيانًا بلا ذاكرة واضحة، لكنها محمّلة بآلاف الذاكرات المخفية داخل البيانات.

ولهذا تستعيد المؤلفة أفكار الناقد والفيلسوف Walter Benjamin حول الاستنساخ الميكانيكي، لكن في صيغة أكثر راديكالية. فبينما كان بنيامين يتحدث عن فقدان هالة العمل الفني بسبب التصوير والطباعة، فإن الذكاء الاصطناعي يذهب أبعد من ذلك؛ إذ لا يكتفي باستنساخ الصورة، بل يعيد تركيب الخيال نفسه.

إننا لا نواجه هنا مجرد أدوات جديدة، بل نشهد تحوّلًا في طبيعة الرؤية الإنسانية ذاتها.

ومن أكثر الأفكار عمقًا في الكتاب، رفضها للثنائية السطحية التي تقسم المشهد إلى مؤيدين ومعارضين للذكاء الاصطناعي. فالكاتبة لا تدعو إلى الاحتفاء الساذج بالتكنولوجيا، كما لا تتبنى خطابًا رومانسيًا يرفضها باسم نقاء الفن. بل تدعو إلى تطوير لغة نقدية جديدة قادرة على فهم الصورة الخوارزمية دون الانبهار بها أو الشيطنة الأخلاقية لها.

كتبت في إحدى العبارات المفتاحية القريبة من روح الكتاب: نحتاج إلى كفاءات نقدية جديدة مناسبة لعصر الخوارزميات.
وهي عبارة تكشف جوهر المشروع الفكري للكتاب كله؛ إذ إن الرهان الحقيقي لم يعد على إنتاج الصور، بل على إنتاج أدوات جديدة لقراءتها.

فالناقد الفني اليوم لم يعد يواجه لوحة فقط، بل يواجه بنية تقنية كاملة: بيانات تدريب، شركات تقنية، سياسات ملكية فكرية، خوارزميات، تحيزات رقمية، واقتصادًا عالميًا للصورة.

ومن هنا تتقاطع أفكار الكتاب مع أطروحات Marshall McLuhan الذي رأى أن الوسيط هو الرسالة، ومع أفكار Jean Baudrillard حول المحاكاة والنسخ الفائقة، وكذلك مع مفهوم موت المؤلف لدى Roland Barthes.

فالذكاء الاصطناعي يدفع هذه الأفكار إلى أقصى حدودها؛ إذ تصبح الصورة بلا أصل ثابت، وبلا ذات مبدعة واحدة، وبلا مرجعية نهائية يمكن الإمساك بها.

ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في العالم العربي، حيث ما تزال كثير من المؤسسات الفنية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية هامشية، بينما تشير التحولات العالمية إلى أنه يعيد صياغة مفاهيم الإبداع والنقد وسوق الفن معًا.

لقد بدأت المتاحف والمعارض الدولية بالفعل في عرض أعمال مولدة خوارزميًا، كما دخلت هذه الأعمال إلى المزادات الفنية والأسواق الرقمية، وظهرت احتجاجات واسعة من الفنانين ضد استخدام أعمالهم لتدريب النماذج الذكية دون إذن أو تعويض.

وهكذا يتحول السؤال الجمالي إلى سؤال أخلاقي واقتصادي أيضًا: من يملك الصورة؟ ومن يملك الأسلوب؟ وهل يمكن للخوارزمية أن تسرق الحساسية الفنية لفنان ما؟

لكن ربما تكمن القيمة الأهم لهذا الكتاب في أنه لا يقدّم إجابات نهائية، بل يكشف أن الفن نفسه دخل مرحلة تاريخية جديدة لم تعد الحدود القديمة قادرة على تفسيرها.

إن الصورة المعاصرة لم تعد مجرد انعكاس للعالم، بل أصبحت ناتجًا لتفاوض معقّد بين الإنسان والآلة والبيانات والسوق والخيال الجمعي.

ولهذا فإن الرهان الحقيقي للنقد الفني اليوم ليس الدفاع عن الماضي، بل امتلاك الشجاعة الفكرية لفهم ما يحدث قبل أن تتحول الخوارزميات إلى الوعي البصري السائد للعالم.

***&***
المصادر:
– موقع VietNamNet
– موقع عمان
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية.

أخر المقالات

منكم وإليكم