العين ترى والعقل يؤوّل والفؤاد يتعلّق
د. عصام عسيري
حين نقف أمام عمل فني، يبدو لنا للوهلة الأولى أننا نراه بأعيننا فقط. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فنحن لا نرى العمل الفني بالعين وحدها فيزيائيًا فقط، وإنما تشترك في الرؤية منظومة كاملة من الإدراك والانتباه والذاكرة والمعرفة والانفعال والتوقع والحوار. ولذلك فإن مشاهدة اللوحة ليست عملية بصرية خالصة، بل تجربة إدراكية ومعرفية ونفسية متكاملة.
العين تستقبل الصور بضوئها وألوانها وخطوطها وأشكالها، لكن الدماغ هو الذي ينظم هذه المعلومات ويمنحها صيغة يمكن فهمها. وهنا تظهر أهمية مبادئ علم النفس الإدراكي، وخاصة مبادئ الجشطالت “التصميم أو الشكل” التي تشير إلى أن العقل لا يميل إلى رؤية العناصر منفصلة، بل يسعى إلى تنظيمها في علاقات وكلّيات ذات معنى.
فالتقارب يجعل العناصر المتجاورة تبدو وكأنها مجموعة واحدة، والتشابه يربط الأشكال والألوان المتقاربة، والإغلاق يدفع العقل إلى إكمال الأشكال الناقصة، والاستمرارية تجعل العين تتبع الخطوط والمسارات. ولذلك يستطيع الفنان أحيانًا أن يرسم جزءًا من الشكل، ويترك للمتلقي مهمة إكماله. إن ما لم ترسمه اليد يمكن أن تستكمله العين.
لكن العين لا ترى كل شيء بالدرجة نفسها، فالانتباه انتقائي، والعمل الفني الناجح يستطيع أن يصنع هرميته البصرية من خلال التباين والحجم واللون والموضع والحركة والفراغ. قد تكون نقطة صغيرة في اللوحة أكثر جذبًا من مساحة كبيرة، إذا امتلكت ما يكفي من الاختلاف أو التباين. ومن هنا يصبح توزيع العناصر ليس مجرد مسألة جمالية، بل وسيلة لتوجيه رحلة العين داخل العمل.
غير أن الإدراك لا يتحرك دائمًا من الصورة إلى المعنى في اتجاه واحد. فنحن نستخدم ما يسمى في علم الإدراك بالمعالجة من أسفل إلى أعلى؛ أي الانطلاق من الخصائص البصرية نفسها، كاللون والخط والشكل، كما نستخدم في الوقت ذاته المعالجة من أعلى إلى أسفل، حيث تتدخل المعرفة السابقة والذاكرة والتوقعات في تفسير ما نراه. ولهذا قد يقف شخصان أمام اللوحة نفسها، فيشاهدان العمل ذاته، لكنهما لا يخرجان بالضرورة بالمعنى نفسه.
إن الذاكرة شريك خفي في عملية التلقي، فقد يستدعي لون معين ذكرى شخصية، أو يعيد شكل هندسي إلى الذاكرة صورة معمارية أو زخرفة شعبية، وقد يقرأ المتخصص في الفن في تركيب تجريدي بأثر مذهبي هندسي أو روحي أو موسيقى، بينما يراه متلقٍ آخر مجرد علاقات بين الأشكال والألوان. لا يعني ذلك أن أحدهما يرى بصورة صحيحة والآخر بصورة خاطئة؛ وإنما يعني أن كل عين تحمل معها تاريخًا من الخبرات.
وهنا تبرز أهمية الفروق الفردية في التذوق والفهم، فالعمر والثقافة والتعليم والخبرة الفنية والبيئة الاجتماعية والذاكرة الشخصية والحالة النفسية، كلها تدخل في تشكيل الاستجابة للعمل الفني. ولذلك فإن العمل الذي يثير الدهشة لدى متلقٍ قد يترك متلقيًا آخر محايدًا، والعمل الذي يبدو غامضًا لشخص قد يكون شديد الوضوح لشخص آخر.
كما أن المتلقي لا يدخل إلى العمل بعين خالية من التوقعات. إنه يحمل ما يمكن تسميته أفق التوقع؛ معرفة سابقة بالفنان أو الموضوع أو المدرسة أو العصر معتمدًا على ثقافته البصرية. وقد ينجح العمل الفني في تأكيد هذا الأفق، أو يرفضه، أو يوسعه، أو يفاجئ المتلقي بكسره. وهنا تكمن قوة الفن الحقيقي؛ فهو لا يكتفي بأن يُرى، بل يجعلنا نعيد النظر.
ومع ذلك، فإن تعدد التأويلات لا يعني أن العمل الفني بلا حدود دلالية. فهناك دائمًا بنية داخلية للعمل: تكوينه، ألوانه، رموزه، مادته، عنوانه، وسياقه الثقافي والتاريخي. لذلك ينبغي التمييز بين قصد الفنان، وما تقوله بنية العمل، وما يستنتجه المتلقي.
إن العين، في نهاية المطاف، ليست نافذة محايدة تستقبل الصورة، بل هي شريك في إنتاج التجربة الجمالية. فالعين ترى، والعقل ينظم، والذاكرة تربط، والمعرفة تفسر، والانفعال يستجيب، ويمنح التأويل التجربة معناها والفؤاد قيمتها.
ومن هنا فإن العين الثاقبة ليست عينًا ترى أكثر، وإنما عينًا تسبر الأغواو؛ تميز العلاقات، وتكتشف النظام خلف الفوضى، وتقرأ الصمت والفراغ كما تقرأ الخط واللون، وتنتقل من السؤال: ماذا أرى؟ إلى السؤال الأعمق: لماذا أراه بهذه الطريقة؟ وهل يمكنني أقرأ واستوعب وأفهم وأستمتع أكثر؟ كيف أرى من زوايا مختلفة ومن نقاط أبعد ومستويات أعمق وآفاق أوسع؟
وربما يكون هذا هو جوهر تذوق وتقدير الفن: أن نتعلم ليس فقط كيف ننظر إلى العمل الإبداعي، بل كيف نفهم الطريقة التي تنظر بها أعيننا إليه ومستوى تقديرنا له.
الصور من جميل إبداعات #الفنانين_العرب #مقتنيات_خاصة
#د. عصام عسبري#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


