لماذا لا يفوز العرب بنوبل للاداب ٢
لماذا لا يسافر الأدب العربي؟
الجزء الثاني من سلسلة: نوبل التي لا تأتي… والأدب الذي لا يصل
لنفترض أن روائيًا عربيًا كتب رواية عظيمة.
رواية فيها من العمق الإنساني، وجمال اللغة، وبراعة السرد، ما يجعلها جديرة بأن توضع إلى جانب أعمال كبار الروائيين في العالم.
نشرها في بيروت أو القاهرة أو بغداد.
قرأها بضعة آلاف من الناس.
وأشاد بها النقاد.
وربما حصلت على جائزة أدبية عربية، واحتفى بها الأصدقاء، وامتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصور صاحبها وهو يتسلم درعًا تذكاريًا.
ثم ماذا؟
كيف ستصل هذه الرواية إلى قارئ في السويد؟
أو أستاذ أدب في ألمانيا؟
أو ناقد في فرنسا؟
أو دار نشر في الولايات المتحدة؟
هل نتوقع أن يتعلم هؤلاء العربية حتى يكتشفوا عبقرية صاحبنا؟
أم ننتظر أن يمر أحدهم بمكتبة عربية مصادفة، فيشتري الرواية، ثم يعود إلى بلاده ليقضي سنوات في تعلم اللغة حتى يتمكن من قراءتها؟
أخشى أننا نتصرف أحيانًا كما لو أن جودة العمل الأدبي تكفي وحدها لكي تمنحه أجنحة.
كأن الرواية، ما إن تبلغ درجة معينة من الجمال، حتى تنهض من فوق رفوف المكتبة وتطير إلى العالم.
لكن الكتب لا تسافر بهذه الطريقة.
إنها تحتاج إلى من يحملها.
وهنا نصل إلى السؤال الثاني في هذه السلسلة عن أسباب محدودية حضور الأدب العربي عالميًا، وعن غياب العرب النسبي عن جوائز أدبية كبرى، ومنها نوبل.
هل المشكلة أن العالم لا يريد قراءة أدبنا، أم أننا لم نبذل الجهد الكافي لكي نجعل قراءته ممكنة؟
⸻
الكاتب الذي ينتظر العالم عند باب بيته
تخيل مزارعًا يمتلك بستانًا ينتج أجود أنواع الفاكهة.
اعتنى بأشجاره سنوات طويلة، حتى أثمرت ثمارًا رائعة.
ثم جلس تحت شجرة ينتظر أن يأتي الناس من مختلف أنحاء العالم ليتذوقوها.
لم يوضب الفاكهة.
ولم ينقلها إلى الأسواق.
ولم يبحث عن تجار يوزعونها.
ولم يخبر أحدًا بمكان بستانه.
وحين لم يأتِ المشترون، غضب ولعن العالم
واتهم العالم بانه لا يعرف قيمة الفاكهة الجيدة!
ربما كان مصيباً فيما يدعيه .
لكنه نسي شيئًا بسيطًا.
أن جودة الفاكهة وحدها لا تكفي ، وينبغي ان تصل إلى السوق حتى يعرف الناس ما تعرفه عن جودة فاكهتك .
بل ربما ان هناك فاكهة اقل جودة وضبت بشكل جيد وعرضت في الأسواق وصلت إلى المستهلك قبل الجيدة.
وأظن أن شيئًا من هذا يحدث في عالمنا الأدبي.
فنحن نملك مواهب حقيقية.
ولدينا أعمال تستحق أن تُقرأ خارج حدود اللغة العربية.
لكننا نميل أحيانًا إلى الاعتقاد بأن الاعتراف العالمي ينبغي أن يأتي تلقائيًا، وكأن العالم مطالب بالبحث عن إبداعنا أينما اختبأ.
وحسب علمي ان عهد الاستشراق قد انتهى،
ولذلك لا احد يقدم كتبنا للقارئ الأجنبي .
والحقيقة أن القارئ الأجنبي لا يستطيع أن يقرأ كتابًا لا يعرف بوجوده.
ولا يستطيع أن يشتري رواية لا تصل إلى مكتباته.
ولا يستطيع أن يتأثر بعمل لم يُترجم إلى لغة يفهمها.
وهنا لا تكفي العبقرية وحدها.
⸻
الرواية ليست مجرد كاتب وكتاب
حين ينجح روائي عالميًا، فإننا نرى اسمه على الغلاف.
ونرى صورته في الصحف.
ونسمع أنه تُرجم إلى عشرين لغة، وأن رواياته تُدرّس في الجامعات.
فنعزو النجاح كله إلى موهبته.
ولا شك أن الموهبة هي الأساس.
لكن خلف هذا النجاح منظومة كاملة من العمل.
هناك مترجم بارع نقل الرواية إلى لغة أخرى.
ومحرر أدبي راجع الترجمة، وساعد على جعلها نصًا مقروءًا في لغتها الجديدة.
ووكيل أدبي تفاوض مع الناشرين على الحقوق.
ودار نشر قررت أن تستثمر في العمل.
وموزع أوصل النسخ إلى المكتبات.
وصحيفة نشرت مراجعة نقدية.
وجامعة أدرجت الرواية ضمن مقرر أدبي.
ومهرجان دعا صاحبها إلى لقاء القراء.
ثم جاء قارئ أحب الرواية، فأوصى بها صديقًا.
وصديق أوصى بها آخر.
وهكذا تبدأ الرواية حياة جديدة، قد تكون أطول وأوسع من حياتها في لغتها الأصلي.
إنها عملية تشبه صناعة أي منتج يصل إلى الأسواق العالمية، مع فارق مهم: أن القيمة الأدبية لا يمكن اختزالها في قيمة تجارية.
لكن الأدب، مهما بلغت قيمته، يحتاج إلى قنوات توصله إلى الناس.
وهنا أظن أننا نعاني مشكلة مؤسسية حقيقية.
فنحن نحتفي بالكاتب حين يفوز بجائزة.
ونحتفي بالرواية حين تُطبع.
ونحتفي بها مرة أخرى حين تُترجم.
لكننا لا نسأل دائمًا السؤال الأهم:
من سيقرأها بعد ذلك؟
⸻
الترجمة ليست نقل الأثاث من بيت إلى بيت
قد يبدو الحل بسيطًا.
لنترجم الروايات العربية إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية.
لكن الترجمة الأدبية ليست عملية ميكانيكية نستبدل فيها كلمة عربية بأخرى أجنبية.
إنها أشبه بنقل بيت كامل من مدينة إلى أخرى.
لا يكفي أن تحمل الأثاث.
عليك أن تعرف كيف تعيد ترتيبه في المكان الجديد، من دون أن تفقد روح البيت القديم.
فاللغة العربية تمتلك إيقاعها الخاص.
واستعاراتها.
ونكاتها.
وإيحاءاتها.
وعلاقات دقيقة بين الكلمات قد يصعب نقلها إلى لغة أخرى.
خذ مثلًا كلمة «العتب».
نحن نستطيع أن نضعها في جملة واحدة، فيفهم القارئ العربي أن الحديث ليس عن غضب كامل، ولا عن خصومة، بل عن نوع من اللوم لا يزال يحتفظ بشيء من المحبة.
كيف تنقل هذه الحمولة العاطفية إلى لغة لا تمتلك كلمة تؤدي المعنى نفسه تمامًا؟
وكيف تترجم نكتة تقوم على ازدواج معنى كلمة عربية؟
أو مثلًا شعبيًا يستدعي في ذهن القارئ تاريخًا كاملًا من التجارب الاجتماعية؟
أو حوارًا بين شخصيتين تتغير فيه درجة القرب والاحترام بمجرد الانتقال من الفصحى إلى العامية؟
قد تنقل الكلمات كلها، وتفقد نصف المشهد.
وقد تنقل المعنى العام، لكنك تفقد موسيقى الجملة.
وهنا تظهر قيمة المترجم الأدبي الحقيقي.
فهو ليس موظفًا يحمل الكلمات من ضفة إلى أخرى.
إنه كاتب يعيد خلق النص داخل لغة جديدة، مع المحافظة قدر الإمكان على روح الأصل.
ولهذا قد تنجح رواية في ترجمة وتفشل في أخرى.
وقد يكون المترجم شريكًا أساسيًا في وصول العمل إلى القراء.
بل إن بعض الأعمال الأدبية العالمية تدين بجزء كبير من انتشارها إلى مترجمين استطاعوا منحها حياة ثانية.
فإذا كنا نريد للأدب العربي أن يصل إلى العالم، فلا يكفي أن نمول ترجمة الكتب.
علينا أن نستثمر في صناعة المترجمين أنفسهم.
⸻
الكتاب الذي تُرجم ثم مات في المستودع
لكنني أريد أن أذهب أبعد من الترجمة.
فلنفترض أننا ترجمنا رواية عربية ترجمة ممتازة.
ثم طبعنا منها ألفي نسخة.
ووضعنا على الغلاف اسم الكاتب وصورته.
وأقمنا حفلًا حضره بعض المثقفين والمسؤولين.
والتقطنا الصور.
ونشرنا خبرًا يقول إن الرواية أصبحت متاحة باللغة الإنجليزية.
ثم ماذا؟
أين ستباع؟
هل يستطيع قارئ في فانكوفر أن يجدها في مكتبته المحلية؟
هل تظهر أمام من يبحث عن روايات مترجمة على مواقع بيع الكتب؟
هل تعرف بها الصحف والمجلات الأدبية؟
هل وصلت نسخة إلى النقاد؟
هل يستطيع أستاذ جامعي أن يطلبها بسهولة لطلابه؟
أم أنها انتهت في مستودع إحدى المؤسسات التي مولت ترجمتها؟
وهنا تكمن مفارقة أخرى.
قد نعتبر المشروع ناجحًا لأن الكتاب تُرجم.
بينما ينبغي أن يكون السؤال الحقيقي: هل قُرئ؟
فالترجمة ليست غاية في ذاتها.
إنها بداية الطريق.
والكتاب المترجم الذي لا يصل إلى القارئ يشبه رسالة كتبتها بعناية، ثم وضعتها في ظرف جميل، وألصقت عليها الطابع البريدي، واحتفظت بها في درج مكتبك.
قد تكون الرسالة رائعة.
لكن المرسل إليه لن يعرف ذلك أبدًا.
⸻
من يختار ما يستحق الترجمة؟
وهنا تظهر مشكلة لا تقل أهمية.
كيف نختار الأعمال التي نقدمها إلى العالم؟
هل نترجم الأفضل فعلًا؟
أم نترجم ما يرشحه أصحاب العلاقات والنفوذ؟
هل تقوم لجان مستقلة من النقاد والمترجمين والناشرين بقراءة الأعمال وتقييمها؟
أم تصبح الترجمة أحيانًا مكافأة تمنحها مؤسسة لكاتب قريب منها؟
وهل نختار الروايات بناء على قدرتها الفنية والإنسانية على مخاطبة قراء مختلفين، أم بناء على شهرة صاحبها المحلية؟
قد يكون الكاتب مشهورًا في بلده لأسباب سياسية أو إعلامية، من دون أن تكون روايته أفضل ما أنتجته تلك البيئة.
وقد يكون هناك روائي موهوب يعيش في مدينة صغيرة، لا يعرف أحد اسمه، لكنه كتب عملًا يستحق أن يُقرأ في العالم كله.
إذا كنا نريد أن نقدم الأدب العربي إلى الخارج، فلا ينبغي أن ننقل معه أمراض المحسوبيات التي تعاني منها بعض مؤسساتنا.
ولا أن نجعل الترجمة امتدادًا للعلاقات الشخصية.
فنحن لا نحتاج إلى ترجمة الأسماء التي نحبها.
بل إلى اكتشاف الأعمال التي تستحق أن تُقرأ.
وهذا يحتاج إلى لجان مهنية مستقلة، ومعايير معلنة، ومراجعة نقدية جادة.
ويحتاج كذلك إلى أن نتقبل احتمال أن يكون العمل الذي نفضله شخصيًا أقل قيمة فنية من عمل لا نتفق مع أفكاره.
فالأدب لا ينبغي أن يصبح مكافأة على حسن السلوك السياسي أو الاجتماعي.
⸻
لماذا يقرأ العربي الأدب الياباني ولا يقرأ الياباني الأدب العربي؟
هذا سؤال يستحق أن نتوقف عنده.
نحن نقرأ روايات يابانية مترجمة.
ونقرأ أدب أمريكا اللاتينية.
ونعرف أسماء روائيين روس وفرنسيين وألمان.
ونجد في مكتباتنا أعمالًا جاءت من بيئات بعيدة عنا في اللغة والتاريخ والعادات.
لكن ماذا يعرف القارئ الياباني العادي عن الرواية العربية المعاصرة؟
وماذا يعرف القارئ الكوري؟
أو البرازيلي؟
أو الألماني؟
لا أقصد أن هؤلاء لا يعرفون شيئًا عن أدبنا.
فهناك أعمال عربية مترجمة، وكتاب حققوا حضورًا دوليًا، وبرامج جامعية تدرس الأدب العربي.
لكن السؤال يتعلق بحجم الحضور واستمراره.
لماذا استطاعت بعض الآداب أن تبني جمهورًا عالميًا يتجاوز حدودها اللغوية، بينما بقي حضور كثير من أدبنا محدودًا؟
قد تكون هناك عوامل عديدة.
منها قوة صناعة النشر.
ومنها اهتمام الجامعات.
ومنها شبكات الترجمة.
ومنها القدرة الاقتصادية للمؤسسات الثقافية.
ومنها أيضًا الظروف السياسية والصورة التي يحملها القارئ عن البلد الذي يأتي منه الأدب.
فالقارئ لا يختار كتبه في فراغ.
إنه يتأثر بما يعرفه عن العالم.
وبما تعرضه عليه دور النشر.
وبما يقرأه في الصحف.
وبما يوصي به أصدقاؤه.
وبما تدرسه الجامعات.
وهكذا تصبح شهرة أدب ما نتيجة تراكم طويل، لا مجرد صدفة سعيدة.
⸻
اللغة الإنجليزية ليست العالم كله
وقد نرتكب خطأ آخر حين نختزل العالمية في الوصول إلى القارئ الإنجليزي.
لا شك أن الإنجليزية تحتل موقعًا محوريًا في النشر الدولي، وأن الوصول إليها قد يفتح أبوابًا واسعة للترجمة إلى لغات أخرى.
لكن العالم لا يتحدث الإنجليزية وحدها.
هناك جمهور ضخم يقرأ بالإسبانية.
وآخر بالفرنسية.
وآخر بالألمانية.
وهناك مئات الملايين من القراء بالصينية واليابانية والكورية والبرتغالية والتركية وغيرها.
فلماذا لا نبني علاقات مباشرة مع هذه الأسواق؟
ولماذا ينبغي أن تمر الرواية العربية دائمًا عبر لندن أو نيويورك حتى تصل إلى قارئ في الأرجنتين أو اليابان؟
ربما لأننا اعتدنا أن نرى العالم من خلال نافذة واحدة.
وقد تكون هذه النافذة واسعة ومهمة، لكنها ليست النافذة الوحيدة.
إن المشروع الجاد لترجمة الأدب العربي ينبغي أن يفكر في تعدد اللغات والأسواق.
وفي بناء علاقات طويلة الأمد مع ناشرين ومترجمين في بلدان مختلفة.
فليس كل قارئ يبحث عن النوع نفسه من الروايات.
ولا كل سوق أدبي يخضع للذائقة نفسها.
وقد تجد رواية عربية جمهورها في أمريكا اللاتينية قبل أن تجده في بريطانيا.
وقد يلقى عمل آخر اهتمامًا في اليابان أكثر مما يلقاه في فرنسا.
لكننا لن نعرف ذلك إذا لم نحاول.
⸻
هل نريد الترجمة أم نريد الاعتراف؟
أحيانًا أشعر أننا نخلط بين أمرين.
أن نترجم أدبنا كي يقرأه الآخرون.
وأن نترجمه كي نستطيع القول إنه تُرجم.
فقد تصبح عبارة «تُرجمت أعماله إلى عدة لغات» وسامًا نعلقه على صدر الكاتب.
حتى لو لم يقرأ تلك الترجمات إلا عدد محدود من الناس.
وقد نفرح حين تنشر دار أجنبية رواية عربية، من دون أن نسأل عن حجم انتشارها أو استقبالها النقدي.
كأن الترجمة شهادة تقدير يمنحها الخارج لنا.
لكنني أظن أننا ينبغي أن نعكس هذه النظرة.
فالترجمة ليست شهادة على عبقرية الكاتب.
إنها وسيلة لاختبار قدرة عمله على الوصول إلى قارئ جديد.
وقد ينجح العمل.
وقد يفشل.
وقد يحبه بعض القراء ويرفضه آخرون.
وهذا طبيعي.
فليس مطلوبًا من العالم أن يعجب بكل ما نكتبه.
كما أننا لا نعجب بكل ما يُترجم إلينا.
إنما المطلوب أن تتاح لأدبنا فرصة عادلة للوصول، وأن يمتلك القارئ حق الاختيار.
⸻
ماذا عن الجوائز العالمية؟
هنا نعود إلى جائزة نوبل.
هل يمكن أن تكون محدودية ترجمة الأدب العربي أحد أسباب قلة الفائزين العرب؟
من المعقول أن تؤثر الترجمة في مدى معرفة المؤسسات الأدبية العالمية بالأعمال، وفي تداولها نقديًا وأكاديميًا.
لكن علينا أن نكون دقيقين.
فالترجمة ليست شرطًا رسميًا عامًا للفوز بنوبل، ولا نستطيع أن نجزم بأن كاتبًا عربيًا معينًا لم يفز لأن رواياته لم تُترجم.
كما أن الجائزة نفسها ليست مقياسًا نهائيًا للقيمة الأدبية.
فقد كتب أدباء عظام أعمالًا بقيت حية في ذاكرة البشرية، من دون أن يحصلوا عليها.
لكننا نستطيع أن نقول شيئًا أبسط وأكثر أهمية.
إن الأدب الذي لا يصل إلى القراء والنقاد والمؤسسات خارج لغته الأصلية تقل فرصته في أن يصبح جزءًا من الحوار الأدبي العالمي.
وقد يكون هذا أهم من الجائزة نفسها.
فماذا ينفع أن يفوز كاتب عربي بنوبل، إذا ظلت آلاف الأعمال العربية الجيدة مجهولة خارج حدود لغتها؟
وماذا لو استطعنا أن نجعل عشرات الروائيين العرب مقروئين في أنحاء العالم، من دون أن يفوز أحدهم بنوبل؟
ألن يكون ذلك نجاحًا ثقافيًا أعظم من جائزة واحدة؟
⸻
من المسؤول عن إيصال أدبنا؟
قد يقول قائل إن هذه مسؤولية الحكومات.
ولا شك أن للدول دورًا مهمًا في دعم الترجمة والمؤسسات الثقافية.
لكن الاعتماد على الحكومات وحدها قد يجعل المشاريع عرضة لتغير السياسات والميزانيات والأولويات.
وقد يفتح الباب أمام اختيار الأعمال بناء على قرب أصحابها من السلطة.
ولذلك نحتاج إلى مشاركة القطاع الخاص.
ودور النشر.
والجامعات.
والمؤسسات الثقافية المستقلة.
والصناديق غير الربحية.
والمترجمين والوكلاء الأدبيين.
بل نحتاج إلى رجال أعمال عرب ينظرون إلى دعم الثقافة بوصفه استثمارًا طويل الأمد في حضور مجتمعاتهم، لا مجرد مناسبة لالتقاط الصور.
فقد ينفق رجل أعمال ملايين الدولارات على مبنى يحمل اسمه.
ولا يفكر في تخصيص جزء صغير من ذلك المال لإنشاء برنامج يترجم كل عام عددًا من الأعمال الأدبية العربية المختارة بعناية.
والمفارقة أن المبنى قد يحتاج إلى ترميم بعد عشرين عامًا.
أما رواية عظيمة تُرجمت جيدًا، فقد تبقى حية بعد مئة عام.
لا أقول إن بناء المكتبات والمسارح والمراكز الثقافية أمر غير مهم.
بل أقول إن الثقافة ليست مباني وحدها.
إنها أيضًا الكتب التي توضع داخل تلك المباني.
والأفكار التي تنتقل منها إلى الناس.
⸻
مشروع لا ينتهي بانتهاء الحفل
لو أردنا أن نفعل شيئًا جادًا، فلنبدأ بمشروع طويل النفس.
مشروع لا يتوقف عند ترجمة رواية أو عشر روايات.
بل يبني شبكة دائمة لاكتشاف الأعمال الجيدة، وترجمتها، وتسويقها، وإيصالها إلى القراء.
نحتاج إلى اختيار مهني مستقل للأعمال.
وإلى إعداد مترجمين متخصصين في الأدب.
وإلى التعاون مع دور نشر دولية تمتلك قنوات توزيع حقيقية.
وإلى حضور مستمر في معارض الكتب والمهرجانات الأدبية.
وإلى دعم الدراسات النقدية التي تتناول الأدب العربي في الجامعات الأجنبية.
وإلى متابعة ما يحدث بعد النشر.
كم نسخة بيعت؟
وأين؟
ومن قرأ؟
وكيف استقبل النقاد العمل؟
وهل طلب الناشر ترجمة رواية أخرى للكاتب نفسه؟
فالمشروع الثقافي الذي لا يقيس أثره قد يكتفي بقياس عدد الاحتفالات التي أقامها.
ولا أظن أننا نفتقر إلى المال وحده.
بل ربما نفتقر أحيانًا إلى الاستمرارية.
فنبدأ مشاريع بحماسة كبيرة.
ونعلن أهدافًا عظيمة.
ثم يتغير المسؤول، أو تنتهي الميزانية، أو ينصرف الاهتمام الإعلامي، فينتهي المشروع.
بينما يحتاج بناء الحضور الأدبي العالمي إلى سنوات، وربما عقود.
فالأدب لا ينتشر بقرار إداري.
ولا تصبح الرواية عالمية بمرسوم.
⸻
هل العالم مدين لنا بالقراءة؟
وهنا أريد أن أطرح سؤالًا قد يبدو مستفزًا.
هل العالم مدين لنا بقراءة أدبنا؟
لا أعتقد ذلك.
كما أننا لسنا مدينين بقراءة كل ما يكتبه العالم.
لكننا مدينون لأنفسنا بأن نتيح لأفضل ما ننتجه فرصة الوصول إليه.
فإذا كتب روائي عربي عملًا عظيمًا، ثم بقي حبيس لغته لأننا لم نترجمه، فإننا لم نظلم القارئ الأجنبي وحده.
لقد ظلمنا الكاتب أيضًا.
وربما ظلمنا ثقافتنا.
وحرمنا أنفسنا من فرصة أن نرى كيف يقرأ الآخرون تجاربنا، وكيف يفهمونها، وكيف يختلفون معنا بشأنها.
فالأدب لا يسافر لكي يثبت أن أصحابه أفضل من غيرهم.
بل لكي يدخل في حوار معهم.
وقد تكون إحدى أجمل نتائج الترجمة أن يكتشف الكاتب العربي أن قارئًا في بلد بعيد فهم شخصيته بطريقة لم تخطر له على بال.
أو أن امرأة في مدينة لا يعرف موقعها وجدت شيئًا من حياتها في رواية كتبها عن امرأة تعيش في قرية عربية.
عندها نكتشف أن الأدب يستطيع عبور الحدود التي تعجز السياسة أحيانًا عن عبورها.
⸻
الرواية التي تنتظر في الميناء
أعود إلى روائينا الذي بدأنا به.
لقد كتب رواية عظيمة.
ونشرها.
واحتفى بها أصدقاؤه.
ثم وضعها على الرف، وانتظر أن يأتي العالم.
لكن العالم لم يأتِ.
فهل كان ذلك دليلًا على أن العالم لا يريد الاعتراف بموهبته؟
ربما.
وقد تكون هناك تحيزات فعلية تعيق وصول بعض الآداب إلى مؤسسات النشر والاعتراف العالمي.
لكن ربما كان التفسير أبسط من ذلك.
ربما لم يعرف العالم أصلًا أن الرواية موجودة.
وربما كانت موجودة في ترجمة رديئة.
أو في طبعة لا تصل إلى المكتبات.
أو لدى ناشر لا يمتلك القدرة على توزيعها.
أو في مستودع امتلأ بالكتب التي احتفلنا بترجمتها، ثم نسينا أن نبحث لها عن قراء.
وهنا أجد نفسي أعود إلى المزارع الذي جلس تحت شجرته ينتظر المشترين.
لقد كان محصوله جيدًا.
وربما كان أفضل من محاصيل كثيرة وصلت إلى الأسواق.
لكن الآخرين لم يكونوا مطالبين بالسفر إلى بستانه كي يكتشفوا ذلك.
كان عليه أن يرسل إليهم شيئًا من محصوله.
وهذا ما ينبغي أن نفعله بأدبنا.
أن نختار أفضل ما نكتب.
ونترجمه بأفضل ما نستطيع.
ونمنحه فرصة حقيقية للوصول.
ثم نترك للقارئ أن يحكم.
فليس المطلوب أن ننتزع من العالم اعترافًا بعظمتنا.
بل أن نتيح له أن يقرأنا، وأن يختلف معنا، وأن يعجب ببعض ما نكتب ويرفض بعضه الآخر.
وإذا فعلنا ذلك، فقد لا نفوز بنوبل.
لكننا سنكون قد ربحنا شيئًا لا يقل عنها أهمية.
قارئًا لم يكن يعرفنا، فأصبح يعرفنا من خلال ما كتبناه، لا من خلال ما قيل عنا.
وربما كان السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا أقل تعلقًا بسبب غياب اسم عربي عن قائمة الفائزين بنوبل، وأكثر تعلقًا بأسماء الكتّاب العرب الذين لم تتح لأعمالهم فرصة أن تُقرأ أصلًا.
ففي النهاية، ليست مأساة الكتاب الجيد دائمًا أن يقرأه الناس فلا يعجبهم.
قد تكون مأساته الكبرى ألا يجد أحدًا يفتح صفحته الأولى.
#حسين مرعي#مجلة ايليت فوتو ارت.

