كتب الناقد :ناصر ابوعون..عن الاديبة: دلال الساحليّ شاعرة مُخضرمة وقعت في المسافة الشائكة.

دَلال الساحِلي تقاوم القهر باللغة
ناصر ابوعون Dalal Sahly
دلال الساحليّ شاعرة مُخضرمة وقعت في المسافة الشائكة والمنفلتة من وعي الذات الشعرية العربية أنا أسميها بشاطيء (الأعراف)، الأَرَقِّ من الشَّعرة والأَحَدُّ من شَفْرة السيف، الفاصل ما بين جنّة الموروث من أوزان الخليل الفراهيدي وميراث البلاغة القديمة، وبين نار الحداثة والتمرّد التي أشعلتها جماعة شعر البيروتيّة، وإضاءة القاهريّة، وما انسلّ منهما معًا من جماعات وقعت في شَرَك المُجايلة، وانحرفت عن مسار الثورة على لغة الكتابة والتجديد؛ وتلك المسافة التي لا تُدرك إلا بنبض القلب، مسافة تلعن سكونية المشهد، وتصبّ جام غضبها شعرًا في (فم القصيدة) بتعبير ريما سلمان حمزة.
إنّ قراءة هذا النصّ (أُطارِدُ ديدونَ الأنا وأَغْتَرُّ) في إهاب منهج (النقد النِّسْوِيّ التقاطعي (Intersectional Feminism) ليست إلا محاولة لاكتشاف (الهشاشة الوجودية)، التي وَسَمَت الذات الأنثوية والكشف عن مسارات أخرى للتربية القمعية المتدولة عربيا العربية والتي كانت إرثًا تسرّبت من الثقافتنين اليونانية والرومانية والقرون الوسطى الأوربيّة إلى الثقافة العربية والإسلامية، التي كانت تعتدّ بالمرأة وترى فيها محاضن طبيعية للتربية وصناعة الرجال.
في هذا النصّ اكتشفنا أنّ قمع المرأة ليس من خلال (الجندر)؛ بل عبر تقاطعات شتى ومسارات أخرى:(الذاكرة الجمعية/ الجسد/ الزمن/ الجندر/ الخطاب الأسطوري/ السلطة الرمزية/ الفقر/ الهشاشة الوجودية)؛ لنصل في آخر المطاف أنّ دلال الساحليّ تكشف لنا عن ذات مركّبة ومحطّمة، ومضطهدة، وتعيش طقس الاضطهاد على مدار الساعة بوصفه تجربة وجودية ولغوية وزمنية لا تنتهي.
ومع ذلك لدى هذه الذات المضطهدة رغبة عارمة ومحمومة في الحياة، وسعيٌّ دؤوب لكسر القيود، ومقاومة متواصلة ضد خطابات الإقصاء المتداولة.. (بلى، أريد أن أحيا يا كاهن الحكايات) وهذا الكاهن غالبًا (ذُكوريّ)، و(صانع المعنى)، وصاحب (سُلطة سرديّة) يمارس من خلالها قهر (الذات الأنثوية)؛ تلك الذات لا تطالب بالخلاص، بل تطالب بحق الوجود داخل السَّردية الإبداعيّة والحياتيّة المعاشة. وهذه الرغبة ليست تمردًا رومانسيًّا؛ إنها حق مشروع ومطالبة بحق (السرد الذاتي) خارج الوصاية..[بَلى، أُريدُ أَنْ أَحْيا يا كاهِنَ الحِكاياتِ/ بَيْنَ مَجْمُوعَتَيْنِ مِنْ أَغْنامِ الغُيومِ/ وَجُدَيْلاتِ النُّجومِ…أُريدُ أَنْ أَلُوذَ بِطَنينِ الأَوْهامِ/ وَأَزْدَحِمَ بِزَفَراتِ كُلِّ أَعْراسٍ مِنْ أَنْفِ العاصِفَةِ]…
وأما على صعيد (الجسد) فهو يظهر في قول دلال الساحلي مختزلًا في هذين السطرين: (نَسيتُ أَنِّي تُرابٌ يَتَوَرَّمُ بالحَضيض) (كسيحةُ الأنا… كزاحفٍ يلدغ العشب) نكتشف هنا جسدًا أثويًّا يُقرأ كموقع للسلطة، والوصم، والهشاشة الطبقية والوجودية،؟ جسد انتقل من (الرمز إلى العطب) (تراب متورّم زاحف وكسيح)، إنه جسد لايناسب البطولة الذكورية، ولا يحتفي بالرومانسية وغير معترف به ولا ممجّد، وجسد أنثويّ منهك زمنيا وفقير رمزيًّا [لا يَنْتَظِرُني الوَقْتُ عِندَ بابِ الحَديقَةِ، نَسيتُ أَنِّي تُرابٌ يَتَوَرَّمُ بِالحَضيضِ…وَأَنِّي بَعْضُ غُبارٍ يَنْقَشِعُ على رَقائقِ الطِّينِ،/ فَيا ذاهِبًا في النَّدى مِثلي/ لا تَفْتَحِ الدَّقائقَ على لَحَظاتِ المَدى،/ لِأَرْمي أَيْقونَةً على عَتَباتِ أَوْراقي،/ وَأَحْشُدَ قِراميدَ على زَلّاجَةِ الصَّدى،/ فَغِزْلانُ الرَّنَّةِ راكِضَةٌ نَحْوَ العيدِ،/ وَأَنا المُزَمَّلَةُ بِقَميصِ أُغْنِيّاتٍ تَسْرُدُ أَزْرارَ قِفاري…]
وعلى مقلب آخر نعثر على الزمن في نصّ دلال الساحليّ ومكتنزًا (بوصفه سلطة ذكورية/كونية.. في هذين السطرين:(لاينتظرني الوقت عند باب الحديقة)
(الوقت وأمواج البحر لا ينتظرون أحدًا)؛ فعلى الصعيد النِّسْويّ نجد المرأة تمّ إقصاؤها عمدا مع سبق الإصرار رغم ما يجتره الإنسان العربي المعاصر من مصطلحات حول المساواة؛ فنجد الزمن متحيز للذكورة(الانتظار، التكرار، الاستهلاك)، وتاريخيا نجد في الزمن تحيزًّا للذكورة (الإنتاج – الإنجاز)، ويتم تقديمه كقوة قاهرة (لا تفاوضي، ولا رحيم)، ومن ثَمَّ نراه تقاطعيًا(الزمن× الجندر× الجسد = إقصاء مركّب)، والذات الأنثوية (متأخرة دائمًا عن الموعد الكوني)، ولذا نرى دلال الساحلي توظف التناصّ في نهاية النص عندما تستدعي مقولة جِيفْرِي تْشَوْسَر:  (الوَقْتُ وَأَمْواجُ البَحْرِ لا يَنْتَظِرونَ أَحَدًا).
فإذا ما حاولنا: (تفكيك الذات الأنثويّة) نجد (الأنا الأنثوية) مطاردة ومقهورة ومكسورة من خلال هذين السطرين المكثفين (أُطارِدُ ديدونَ الأنا وأَغْتَرُّ) (ولكنّي كسيحةُ الأنا) وجاء توظيف الرمز الأنثوي الأسطوريّ (ديدونَ الأنا) المهزوم والمنتحر تعبيرًا عن (الاستهلاك السرديّ) في الخطاب الذكوريّ، ومطاردة (ديدونَ الأنا) تشير إلى الصراع مع التّمثُل الأنثوي الجاهز(منتحرة/عاشقة/ ضحية)، وصورة مفروضة ومطاردة تاريخيًا. ومن ثَمَّ فإنّ القمع الممارس ضد المرأة ليس جندريا فحسبُ، بل تاريخيّ وثقافي وأسطوري. [وَلَكِنِّي كَسيحَةُ الأَنا،/ كَزاحِفٍ يَلْدَغُ العُشْبَ،/ وَبِيَدِهِ مِفْتاحُ ظِلٍّ صَدِئٍ،/ كَعُمْرٍ عارِيَ القَدَمَيْنِ/ يَعْتَنِقُ مَشيئَةَ الشَّواطِئِ/ وَبَديهيَّةَ تَقاطُعِ الفَراغِ…/ مَشْروخَةٌ بَيْنَ شُروقٍ وَغُروبٍ… وَما الأُفُقُ سِوَى خَيْطٍ زاهِدٍ يَجُرُّني/ إِلَى المَعْقودِ في تينِ الأَزَلِ،/ إِلَى تِبْنٍ وَزَوالٍ يَحْفُو بَعْضَ فَقْرٍ/ وَيَشْحَذُ سِكِّينَ البَقاءِ،/ يَهَبُني مِساحَةَ جِلْدِ ثَوْرِ إِلِيسارَ / يَمْخُرُ لِمَدٍّ كَعُبابٍ،/ فَالغَدُ قارِبٌ مُعَدٌّ لِلسَّرابِ…]
لكن دلال الساحلي رفعت سلاح اللغة بوصفها أحد حقول المقاومة الشارسة ضد إقصاء المرأة وقهرها وتهميشها، ونعثر على هذا السلاح في سطرين اثنين مكثفين أيضا: (أرمي أيقونة على عتبات أوراقي)(أحشد قراميد على زلاجة الصدى)؛ فاللغة هنا( ليست انسيابية بل شاقة وبنائية)، وهذا متناسب مُهم نِسْويًّا حيث نجد تقاطعات في (تصادم الأسطورة × اليومي × الجسد × الوعي)، ورفض اللغة الذكورية السلسة، وتفكيك للبلاغة الجاهزة، ويخلق لغة أنثوية متكسّرة وهجينة ومتعثرة.

*****************
المصادر:
– صفحة الآتحاد العربي للثقافة
موقع : بيت الشعر بالمغرب
– موقع: https://www.bbc.com
– موقع : سبق
– موقع الشرق الأوسط
— موقع:اليوم السابع
– مواقع: العربية .نت
– موقع : مدارات الثقافية
– موقع: صحيفة النهار
– إتحاد المصورين العرب فرع مصر
المصدر: مواقع إلكترونية
– مواقع: الجزيرة .نت
– موقع: عكاظ
– موقع : المصرى اليوم
– مواقع :تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– موقع: مجلة فن التصوير
-موقع:  إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
***********

أخر المقالات

منكم وإليكم