كتب الناقد: د. عبدالرزاق كيلو.وقفة نقدية مع الدكتورة الشاعرة:عائشة لونا الخضر..نشرت بمجلة النيل و الفرات المصرية الورقية.

صدر للتو العدد 105 من مجلة النيل و الفرات المصرية الورقية و مقالنا النقدي الجديد …شكرا لأسرة التحرير

……………………….وقفة نقدية مع الدكتورة الشاعرة
عائشة الخضر
4
شيء جميل أن يكتب الشاعر أو الشاعرة وفق شبكة من العلائق الدلالية التي تحمل في طياتها دلائل وافرة المعاني متشعبة الاتجاهات و إذا كان علم التحليل النقدي الإجرائي وفق قواعده الخاصة ينظر إلى الدلالة القيمية للنص الشعري على أنها مجموعة من العلائق باعتبارها وحدات ثقافية منتظمة و متنوعة وفق تقابلات لا يمكن أن تدرك إلا من خلال استحضار سياق بعينه حتى تصبح المعاني مرئية و مدركة وفق سياقها في النسق المولد لها و هو النص الشعري الذي ترتكز فيه العلاقات على شبكة مركبة من العلامات الدلالية خارج إطار الهوية اللغوية داخل النص فالدال دائما يحيل على المدلول فمثلا الأم في حياة المرء لها دلالتها المشبعة بالعطف و الحنان و الرعاية و تقوم بمجموعة علاقات أساسية و ليست حصيلة علاقة عضوية و لهذا فإن تدليل الأم هو شبكة مدرجة في حياة المرء ينتج عنها علاقات تحدد نمط معنى الأم و بالتالي المدلول الذي هو الابن أو الابنة يحاول إعادة بناء هذه الشبكة العلائقية من منظور قيمي متشعب الدلالة و هنا نلاحظ أن الشاعرة عائشة تمكنت من توطيد هذا المعنى من خلال بناء قصيدتها “وصية ” التي تقول فيها :
كلمّا كتب َ قصيدة ،، يصعد ُ قلبي درجة ..
تلك َ الدرجات ،، التي تشبه جنان الله …
ذلك الحبر ُ ،،
أوصته أمّه :
عندما تعشق ،، لتكن أنثاك َ ،، ك اسمك ْ ..
واكتبها ك قصيدة ٍ بيضاء ،، لاشية َ فيها ..
و من هنا باعتبار المعنى العام الوصية يعبر عن شبكة علاقات متشعبة من علاقة المرء بأمه فالتدليل هنا جاء من التحليل الإجرائي الذي يقوم بإعادة تركيب و بناء هذه الوصية للأم بكونها من قبيل المقدس فتعيد الشاعرة إنتاج هذه العلاقة وفق علامات مركبة تخرج بها من الدائرة الضيقة التي تحيط علاقة الإنسان كل إنسان بأمه الحريصة على سعادته إلى ما يحيل التأويل عبر سلسلة من الإحالات المتتالية… فتكثيف علاقة المرء بأمه نجحت فيه الشاعرة بتصويره و تمكينه فلم تقف عند الحدود المباشرة لهذه العلاقة بل كثفتها إلى البنى و الأشكال الرمزية فالمرء لا يستطيع أن يعي ذاته و محيطه و علاقاته الأساسية دون الرجوع لما أوصته أمه به ….لتكن أنثاك كاسمك أكتب عليها قصيدة بيضاء لاشية فيها….فالعلاقة الأمومية خلقت رغبة نفعية للمرء و تشعبت منها دلالات رمزية معنوية نسميها محميات دلالية كانت مهدا لدلالات نطلق عليها الإيحاء أو المعاني الثانية تتعلق بالرموز و الإشارات لا بالرموز التعبيرية… فمعطى الأم في القصيدة معطى مكثف بذاته فتوسط الأم بين الإنسان و عالمه حالة مسلم بها لا يمكن تجاوزها أو إهمال وصاياها و كم شقي المرء من إعطاء ظهره و توليه عن وصايا أمه…و من ثم تتشعب في القصيدة الدلالة الاعتبارية للأم لتمنحنا تصورات سميائية عبر نظرية التأويل عارمة الصدى مباشرة خيوطها في كل اتجاه حيث تكون الدلالات ممكنة و السياقات محتملة تجسد من خلالها الشاعرة عائشة التمركز الذاتي و ميتافيزيقيا الحضور في الرغبة المتعالية نحو السماء فتركز على المعاني الصوفية غزيرة الدلالة فتقول في القصيدة ذاتها:
أما عصاك َ تلك ،،
فدع ْ المآرب لموسى …
وهش ّبها على حروف ٍ لا تتقن الغزل بها ..
وتعلّم ،،
كيف تكتب الشعر ،،
ك رقص ٍ نقري ْ …
وك نشر ِ غسيل ٍ في هواء ٍ بحري ّ ,,
ومنذ تلك الوصيّة ،،
وقلبي أتقن َ الصعود ،،
وحروفَه ُ قاربت ْ السماء …!
معاني إشراقية رائعة تجسد من خلالها الشاعرة وصية الأم المرتقبة رضاء الله لا رضا البشر أن تكون منعرجات و تداعيات الابن أو الابنة النفسية معاليه نحو السماء تتطلع إلى رضوان العلي الأعلى و قولها : أما عصاك تلك …. إلا ألفاظا تعبيرية جاءت بها على سبيل الإستعارة من لدن الذكر الحكيم من قصة كليم الله موسى عندما أتاه الله النبوة التي أتت بها الشاعرة لتنضد لوحة فنية تحقق انسجاما بين الوصية و بين النبوة مشكلة عقد متناسقة و إشارات و رموز متعددة تحمل مداليلا لعصا موسى الكليم و هي تعبر عن جملة من العلاقات النفسية و الاجتماعية تتميز بخاصيتها الشعرية و الرمزية و الجمالية و تحملها ما يمكن تحميله من خطاب إشكالي يبحث عن شرعية وجوده و تمثله كعصا موس لانها وصية منبعثة من أعماق قلبي الأم فسكنت في عمق إبداع الشاعرة…ثم تأتي بعد ذلك الوسائط التركيبية الأخرى في البناء الفني للقصيدة…الحروف…الغزل…. الشعر …. الرقص … الخ …منها مالها علاقة والقصيدة و منها ما لها علاقة بالشاعر لأنها تكتب لغيرها للقارئ كي تثير لذته للقراءة و الفهم و تحقيق متعة النظر و فرحة الفكر التي تتشكل على القراءة الممتعة و إذا الشعر لم يحمل قيمة لذة القراءة فإنه لا حقيقة بيانية له فما هذة العصا في البداية تجعل القارئ ينصت بلذة غير مباشرة إلى ما ستقوله الشاعرة بعدها و هنا لذة الوصية و امتثال القارئ لها فلأم ليست مجرد كائنا عضويا فحسب بل هي وجود روحي و سماوي في حياة المرء تهديه إلى طريق الثواب و الفلاح في الدنيا و الٱخرة و تحدو به حدوى الأنبياء المهتدين إلى قدرة القيوم في السماوات العلى…و لهذا تقول الشاعرة في نهاية القصيدة :
ومنذ تلك الوصيّة ،،
وقلبي أتقن َ الصعود ،،
وحروفَه ُ قاربت ْ السماء …!
فلولا وصية الأم لم تتقن قول الشعر و لم تفز حروفها ببركة المتاعب و العروج نحو معالي السماء و التمتع بلذة القرب من قيوم السماوات و الأرض و لهذا لن يحوز المرء عتبات الرضا و السلوك نحو فيض السماء إلا إذا سلم من بوابة وصية الأم و من ثم خطاب الشاعرة يحمل في تضاعيفة رسالة غير مباشرة للأمهات النبيهات من أجل سلوك هذا المسلك الروحاني المتطلع نحو سبيل الرضا من علام الغيوب مفادها ….احذري أيتها الأم من كينونة الحياة و سمومها المستعلية على الناس و الأيام من أن يحيق بك ما حاق ٱل فرعون و المفسدين في الأرض فالتربية ليست يسيرة بين يديك عليك أن تتحملي و تجاهدي و تخرجي من بين يدك جيلا يحمل طباع الخير و البركة واستنادا في دراستنا إلى هذه الملاحظة يمكن فهم الدلالة العميقة إلى الوصية و إشاراتها و رموزها و نمط تكونها و نستدل من خلالها على أحكام سلوكية و قيمية و من ثم إسقاطها على حياتنا المعاصرة لنرى الهوة السحيقة ما عليه الأم و أبنائها و بين ما تريده الأخلاق المطمئنة لندرك كم وقعنا في فخ الاستهلاك المرمز بهذا الزمن و صدوده و انحداره نحو الهاوية و الدرك الأسفل من الجاهلية الجهلاء متتابع مسترسل و ثابت للحظات بعدت فيها الأرض عن السماء.
د. عبدالرزاق كيلو

أخر المقالات

منكم وإليكم