” رماد فينيق” / صلاح الدين بَشَر
أو
الإنتماء إلى غد القصيدة
——————————–
* محمد علوط – ناقد من المغرب .
على الرغم من أن تاريخ إصدار ديوان ” رماد فينيق” للمبدع الشاعر صلاح الدين بَشَرهويناير 2016، إلا أن تاريخ الصدورليس مؤشرا مرجعيا على الزمن الإبداعي للديوان ، فاللغة الشعرية ، والبصمة الرمزية، والمناخات البلاغية التخييلية تشكل ومستوياتٍ من الإنبناء والإشتغال تمنح القارئ إحساسا مُفعَمَ الإدراكِ بأننا إزاء تجربة في الكتابة الشعرية حبل مشيمتها موصول برحم الزمن الإبداعيِّ الشعري المغربي لجيل رؤيا الحداثة وجيل الأسطوريات الرؤيوية الميلادية ، وجيل الصوت الملحمي الحالم ببناء الغد ، الصوت الأعمق انتساباً إلى شعر القضية والموقف .
يتحدث النقد الجديد عن ” العنوان” بما هو أحد مواثيق القراءة (contrat de lecture )، وجلي للقارئ أن الشاعر قد بَوْصَلَ هذا الميثاق وشَغَّلَهُ كسندٍ قِراءَاتِي ، وذلك حين جعل نَصَّانِية الديوان تقوم على الإختراقات التناصية المتوالية للرمز الأسطوري (الفينيق) ، هذا الرمز الذي لا يحضر في الديوان كحلية بلاغية او تنميق(ornement) ، بل ارتقى وعي الشعر والشاعر لدى صلاح الدين بشرإلى مستوى مُتَراكِبِ الإشتغال ، حيث الرمز الأسطوري (الفينيق) صار مثل قائد الأركسترا الأوبرالية يؤثث المعجم ، وينسج الأنساق الرمزية البلاغية ، ويشيد التركيبات التخييلية الشعرية ، إلى جانب الدينامية الملحمية – الدرامية للإيقاع .
بالتأكيد ..إن قصيدة ( رماد فينيق ) / ص48 – 55 تتجوهرفي بنائها عاكسة مجموع الإستخلاصات الدالة أعلاه.
فهي القصيدة الرحم – المنجب (texte matrice)، إذ نجدها على المستوى المعجمي استجلبت فيض قاموسٍ من التشاكلات التضادية كلها تصب في رمزية (الموت والميلاد) :
(أ) مكابدات المحو والغياب والفقدان :
وتشمل : ” الصلب – الموت – السراب – الرماد – الشنق – الطيف – الجرح – الفجيعة – الإحتراق – الوعتاء – النعش – الرحيل – الجذب – الدمع – الهم – الكمد- الدفن – الكفن – النصل – المقابر – الدماء – الصدأ – الثكل – الإندحار – الحريق – التشرد – الليل – الحزن “.
(ب) رؤيا الميلاد والإنبعاث :
وتشمل : ” النجمة – الغيمة – الشوق – الوجد – العشق – الفجر – أريج المسك – الأعراس- الأيقونة – الجدائل – الأنوار – البوارق – الحلم – المزن – انبثاق – الجنون — الأماني – النشيد – النضارة – ضياء الفجر “.
إن النسق الدرامي لبناء قصيدة (رماد فينيق) شأنه في ذلك شأن باقي قصائد الديوان تقوم على بنية المفارقة بين الواقع والحلم ، وهي البنية التي من خلالها تتناسل مستويات التعارض الضدي بين مكابدات المحو والغياب والفقدان ورؤيا الميلاد والبعث .
في أسطورة الفينيق – وكما يُنَصِّصُ على ذلك ” معجم الرموز” لشوفاليه تكسب النارصورة الرمز الميلادي ، وهي كذلك حتى في الرمزيات الأسطورية العرفانية الإشراقية الكونية.
وإذا كان هذا الأمر من الإنبناءات الجذرية لرمزية المتخيل الشعري في الديوان ، فإن القراءة اليقظة لن يعزب عن بالها أن الوعي الشعري لدى صلاح الدين بَشَر شديد الإنتباه إلى تلك المماثلة القائمة بين رمزية النار ورمزية الماء في الدلالة على نفس معنى التطهر والإخصاب والولادة المتجددة .
وهكذا نشهد انبثاق سياقات شعرية عبرمختلف القصائد تأتي فيها الإستعارة المائية كإبدال رمزي للإستعارة النارية كما في الصوغ التالي :
“- يا أيها البوذي !
ما طول ليلك إلا من توهج المطر
كم ندبت بدمعك النبع الغزير ” (54).
” – بين أشجاننا الذُّلْقُ
سار الزمان
يبث الفاجعة ،
وسار يشدو بإرهاص مزن عاصفة ،
في واحة من سراب ،
فناحت هنالك ، بعد فوات الأوان ، غيمة عابرة ” (ص65).
“- ومضيت صوب مدائن الفجع الجميل
وصوب قبري
يا لقدسه طقس الجليد !
لأحتمي برعونة الأماني القديمة
واحتمال بوارق تنساب عبر نهر الريح
موتا في نضار آتي
ومروج نخل سامق” (ص51).
إلى جانب ما وقفنا عنده من خصائص جمالية ، أود الآن العبور إلى عتبة استطيقية تتعلق هذه المرة ب ( شعرية التناص ) في الديوان ، وذلك من خلال بعدين ، وهما :
– التناص الرمزي .
– التناص مع الذاكرة الشعرية .
التناص الرمزي ، والذي يأخذ شكل تناص ُمعْلَنٍ ، وهو المتمثل في في توظيف رمزية الفينيق ، وهذا النوع يمنح للقصيدة كثافة تناصية تستدعي لحظة القراءة الإنصات من داخل القصيدة إلى مجموع النصوص الغائبة التي اشتغلت على رمزية الفينيق ( وأخص بالذكر ، السياب ، وصلاح عبد الصبور ، وأحمد عبد المعطي حجازي ، وأدونيس ، من المشرق ومحمد الكنوني ، ومحمد السرغيني ، وأحمد المجاطي ، وعبد الله راجع ، ومحمد بنطلحة من المغرب) . فبالنسبة لي كل الأسماء المذكورة هم عشيرة رمزية للشاعر، وهذا ما دعانا أساسا إلى وصف هذا النوع من التناص بالتناص الرمزي، أو انعكاس مرايا الرمز.
ومثلما يفتح التناص الرمزي تجربة الشاعر على جغرافية انتساباتها العليا ، فإن التناص معه الذاكرة الشعرية ، والذي يشتغل كمحايثة ضمنية ، هو الآخر يمكن النظر إليه كاحد مواثيق القراءة في ديوان ” رماد فينيق ” .
وقيمته الجوهرية تتحسد في كونه يبرز كثافة الأرشيف الرمزي لمقروء الشاعر ، فالعملية الإبداعية الشعرية ليست تنزيل وحي ، بل تنشأ من مسافة التقاطع والتفاعل بين ذاكرة الشاعر كخيمياء إدراك واختزال وأفق انتظار الكتابة المفتوح على رحابة التخييل الشعري اللانهائية .
الحديث عن أغمات ومأساة المعتمد بن عباد، سجن بولمهارز وسنوات الرصاص، مخيم مرج الزهور ، بابل ، عبد الكريم الطبال ، سيزيف ، محمد بنطلحة ، مراكش ، طوفان نوح ، محمد الفيتوري ، افريقيا ، سدوم ، المسيح والصلب ، البوذي ، باب القصبة ، أحمد الجوماري ، بغداد …
كل هذا الرقيم التَّنامِّي الزاخم بالإحالات الشعرية الراسبة في مكنون ذاكرة الشاعرسواء كانت محلية أو قارية أو كونية تنهض من رماد الذكرى وتتجوهر كعلامات سيميائية تناصية تندغم بالنسيج الشعري للقصائد ، مسهمة في إغناء الدلالة الأسطورية لرمزية الخصب ، والتجدد ، والميلاد الآتي. والشاعر نساج حاذق بصنعته يعرف كيف يطوع إبرته للحم السدى بين الذاكرة الشعرية للنص ورؤى الأزمنة الآتية .
نستدل هنا على هذا الشان بالشواهد التالية :
(أ) جذور :
جذوري هنا في منبت العشق والكروم
أنا
سدرة وارفة
بظل القطر والسجوم
أنثر من رماد سدوم … (ص 47) .
(ب) غيمة أغمات :
سلالات من صلب المعتمد
ترتشف الحروف المرة
قيظا في ظهيرة أغمات
وكم من ميمونة في نخوة السنتير
لم تلق احتفاء يشفي غليل اللهاث !
ستنجبن زيادا من وشم السنابل
من رنين المهاريس
ومن نثار الأشعار(15).
النص الأول بعنوان (جذور) ينهض على سيمياء التعارض الضدي بين الإحالة على النص الصوفي ( السدرة الوارفة ،ومنبت العشق والكروم) وهو ترميز يضع منظومة تحيل على التسامي في مواجهة منظومة دلالية ضدية تحيل على الخطيئة ( le peche de sodome ( ، وجمالية التشكيل واضحة في خلق الشاعرلصدام رمزي بين (المقدس والدنيوي).
ومن قلب هذا التعارض خلق الشاعر بنية صدامية بين منظومة الإسراء المعراجي الصوفي ومنظومة السقوط الأرضي كخطيئة رامزة لفقدان العالم بكارته وطهرانيته وقيمه الأصلية . كل هذا ضمن سؤال البحث عن ” جذور ” الهوية الشعرية.
النص الثاني ينهض على تشكل موازاتي بين بنية إخفاق حاضر متجسد في في استحضار الطقس التطهيري ” الكناوي ” :
” كم من ميمونة في نخوة السنتير/ لم تلق احتفاء يشفي غليل اللهاث ” ، وبنية إخفاق من الماضي ( سقوط الأندلس ) ، وكأن الشاعر يعكس مرايا الماضي على الحاضر ، برؤيا تراجيدية ، لكن مع الحفاظ على مساحة لتشرنق فراشة الحلم متجسدة في الميلاد الثاني ل( طارق بن زياد ) من وضع الماء والسنبلة وإرهاص الميلاد المتجدد .
” رماد فينيق ” للشاعر المبدع صلاح الدين بشر ، هو بكل اعتبار منجز إبداعي له مكانته الإستثنائية في الخرائطية الفسيفسائية للشعر المغربي ، يتعلق الأمر بكتابة شعرية يقظة وواعية مدركة لمقاصدها كما حاولنا تشخيصها نقديا في هذه القراءة . لكن دعونا نضيف أمرا بالغ الأهمية ، إن صلاح الدين بشر مبدع بأجنحة عالية التحليق ، ولا يمكن اختزاله حصريا في ديوانه ” رماد فينيق ” ، من سنة 2016 لحد اللحظة ، لقد كتب من الشعر إسنادات إضافية جديدة تنبئ أننا بصدد شاعر ينتمي إلى أبدية الشعر ، ومن ضيق القراءة النقدية إختزاله في قراءة أحادية ، إنه شاعر رؤيوي ينتمي إلى غد القصيدة .
محمد علوط
الدار البيضاء 08/11/2019
*************************
– المصادر:
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة الفيس : خفايا الزوايا
– موقع القدس
– مسرح العبث
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية


