مستقبل كليات تعليم
الفنون في مصر
الجزء الثالث
( ضجيج بلا طحين)
في هذا الجزء سأتكلم عن إشكالية منظومة التعليم عندنا في العموم .. بنظرة فوقية .
(١) أولا :-
دائمًا تذهب تحليلاتنا في تعليل سبب زيادة عدد الكليات الفنية ، بترجيح علة زيادة عدد السكان ، وأن ضعف الكيفية بسبب فائض الكمية .. فتم زيادة عدد الكليات لتحتوي اكبر كمية منهم فيها، إلا انها احتوت على ملتحقين لها بأعداد زيادة عن قدرتها .. !
وأنا مازلت على رأيي .. إن ( العدد في الليمون) .. لأن الوضع في الفن يختلف تمامًا .. وسأشرح ذلك بالتفصيل فيما بعد .
وعمومًا ..
كما نرى أن الجميع يعاني من التدهور البشع الذي أصاب منظومة التعليم كلها في مصر .. الجامعي والتأسيسي قبل الجامعي .. على المستوى المعرفي والمهاري والثقافي والتربوي لجميع الخريجين عندنا .
منظومة يعتريها الفشل من كل الجوانب بشكل تصاعدي ، وكل مانعود بذاكرتنا للوراء لحال التعليم نكتشف انه كان الأفضل والأكفأ عن اليوم .. والتدهور مستمر ..!؟
مثل مانرى اليوم .. كيانات وقيادات لا تملك استراتيجية ولا فلسفة ولا منهج ولا قدرات ولا امكانيات ولا هدف واضح يناسب واقع حياتنا وتطورات العصر.
من رغم استنزاف الأسر المصرية المتوسطة والفقيرة ماليًا ، تصرف كل ما تملك من نقود وبذل أقصى جهدها على تعليم أبنائهم، فمازالت هي الجبهة الوحيدة التي تملكها هذه الطبقة الهامة ألا و هو الاستثمار والأمل في أبنائها .
واقع عبثي ..
كل عام أعداد غفيرة من الخريجين دون أي مؤشرات على الجودة .. إمكانيات وقدرات ومهارات ضعيفة، وبدلًا من أن تقوم الحكومة بتجهيزهم وتحصينهم بالعلم والطاقة والحيوية والتربية الواعية التي تدفع بهم لتطور المجتمع، ودفع عجلة الإنتاج والعطاء، حتى يصبح فرد عامل مفيد لنفسه وللمجتمع .
على العكس نراهم يتحولون إلى جيش من العاطلين، يشكلون عبأ كبير على أنفسهم وعلى أسرهم وعلى المجتمع .
واقع يدل على مدى إهدارنا لقدراتنا وأموالنا ووقتنا وأهم طاقة نملكها وهم شبابنا بسبب إدارة فاشلة لاتعي لأهمية القيمة والحفاظ عليها .
واقع أرغم هؤلاء الشباب أن يضعون نقطة بعد تخرجهم .. ويبدأون من اول وجديد ومن أول السطر في صفحة جديدة .
وليذهب كل ما تعلمه، وكل ما بذله من جهد وما صرفه من مال يملكه ومامر من عمره في مهب الريح ..!
ويبدأون رحلة عذاب أخرى من اول وجديد للبحث عن أي عمل آخر، ليس له علاقة بتخصصه حتى يستطيعون أن يعيشون حياة آدمية مثل كل البشر .
وهنا ..
يحضرني سؤال مباشر وبسيط ومهم يفرض نفسه :-
هل هذا الواقع الفاشل في التعليم الذي نعيشه قدر محسوم مستعصي حله ..؟
أم هو بفعل فاعل مقصود من سلطة فاشلة في إدارة مؤسسات الدولة ..؟
اعتقد عندما نتذكر أحدى الحلول التي طرحتها هذه السلطة في يومًا ما لحل هذه المشكلة .. وقالت :-
نحن من الممكن توفير عربة خضار وفاكهة أو تروكسل لبيع أنابيب بوتجاز .. لهؤلاء الشباب الخريجين حتى يعملون عمل مشرف لهم ..!؟
ماذا نفهم من هذا الطرح ..؟
أعتقد أن هذه السلطة لا تملك أي فكر استراتيجي ناضج لإدارة شئون البلاد .. و الحفاظ على أهم شريحة فيها، الشباب القوة الحقيقية داخل المجتمع ..
وتخريب التعليم وإفقار وإذلال الشعب وهذيان صحته بهذا الشكل المتدني .. هدف مقصود من السلطة المستبدة، بل هو ضرورة هامة لا بقائهم في الحكم .
ولا أريد أن أسمع أحدًا أن يقول هذا الخلل حدث بسبب ندرة المال واحنا (فقراء قوي) لانستطيع الصرف عليه لإصلاح حاله .. بدليل أننا نراهم أنهم يصرفون المليارات من الدولارات على مشاريع ليس لها أي مخرجات مفيدة وواضحة على الشعب، ولا الحكومة نفسها .. فالنقود موجودة حتى ولو بالاقتراض أو التسول أو بيع ممتلكات الدولة .. نعم بالفعل هناك استخسارًا وبخلًا واضحًا بالصرف على الخدمات التي تساهم في بناء المواطن بشكل سليم وصحي حقيقي .
أي هناك تعمد وإصرار على تخلف وتدهور حال المواطن ..؟! كانه عدو ..!
(٢) ثانيًا :-
من المعروف أن هناك مايسمى الدور المرسوم والدور الحقيقي للفرد في أي مجتمع .
الدور الحقيقي هو الذي يعبر عن مواهب ورغبات وقدرات الفرد .. المعتمد على احترام حرية اختياراته في تحديد اتجاهاته .
والدور المرسوم هو الذي يرسم للفرد بناء على ظروف المجتمع .. والدول المتقدمة تراعي و تحترم فيه تطابقه مع الدور الحقيقي للفرد .. و منذ نشأة الفرد ، باكتشاف مواهبه وقدراته منذ الطفولة… تصعد بها بشكل تصاعدي تراكمي معه .
حتى يعطي أفضل ماعنده عندما يصبح جاهز لسوق العمل .. دون الاعتبار إلى درجات المجموع ولا توافر المال، حتى يعمل و ينتج ويعطي أقصى ما عنده بسعادة ونجاح وفائدة .. حتى يفيد نفسه ويستفيد منه المجتمع بجدية .
دون نظرة طبقية متخلفة .. من هو الأعلى والأدنى من هذه الوظائف، وتفضيل وظائف وتخصصات بعضها عن الأخرى ..
على عكس مايتم في هذه الدول المتحضرة والديمقراطية التي تتعامل مع كل الوظائف بمسواه وتقدير واحترام .. كله مهم .. الأهم بالنسبة لهم .. وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.. حتى يثمر عمله وعطاءه .
فلا مكان عندهم لما يسمى بكليات القمة ..!
مثل مانرى عندنا هذا الوصف المتخلف .. كل الكليات والمعاهد تتعامل بنفس الأهمية والتقدير والاحترام .. التقدير الوحيد للوظائف يعود على مدى اجادتك للعمل الذي تقوم به .. القمة هي في مدى توافق قدرة الفرد مع عمله، والعطاء الجاد ، وهذا لن يتم إلا عندما يختار التخصص الذي يتناسب مع قدراته ومواهبه ورغباته بكل حرية واحترام .
دون هدر سنين من عمره ولا إهدار ماله .
هذا هو النظام المستنير التي تعمل به البلاد المتقدمة الديمقراطية على أرض الواقع .
دول عينها على المضمون والمحتوى والفائدة والإفادة الحقيقية بصدق .. ليست دول عينها على كرسي الحكم والسلطات السيادية دون اعتبار للشعب .. والنظر له أنه خصم في معادلة التنمية…!؟
دولة ترسخ مفهوم كأن .. ونقول كأن لدينا تعليم ..!!
ومازال لدينا نظام متخلف في تنسيق الجامعات والكليات في مصر .. يحدد مصير واتجاهات أجيال وراء أجيال غصب عنهم .. دون احترام واعتبار لرغباتهم وقدراتهم الحقيقية .. خاضعين لسلطة وهمية وهي( سلطة المجموع) المبنية على طبقية التخصصات و الوظائف اتجاه معتمد على مفهوم استبدادي .. تحديده يتوقف على مدى ولائك وانتمائك إلى السلطات السيادية ومدى قدرتك على امتلاك الكثير من الأموال .
هذا الاستبداد الحياتي الذي يعيشه الشعب ويمارس عليه كل انواع الاستبداد، ومنذ أن يولد حتى رحيله إلى مقبرته .. عبارة عن سلسلة من المفروضات و المحظورات والممنوعات .. وعلينا تنفيذها والطاعة لها ..!
وتتوالى الأجيال المقهورة المظلومة ظُلْمٌ بَيِّنٌ.
الشاب .. في بلادنا أصبح مجرد رقم .
وليس فرد إنسان .. يفكر ويحلم ويعيش حر سعيد بكرامته.
و غالبيتنا أصبحوا أرقام أحياء .. مشاريع جثث أموات .. دون هدف ولا حلم ولا ذكرى مفيدة تخلد ذكراهم ..
فتتبخر .. ( كأنك لم تكن)
—————-
انتهى
إلى اللقاء في الجزء الرابع .. سنعود الحديث عن كليات تعليم الفنون .. وأزمتها .
ملحوظة :-
الصور لبعض مشاريع التخرج لكلية الفنون الجميلة الزمالك قسم التصوير الجداري ..
عام 2026
أيمن أبوزيد 16/6/2026
ناقد مستقل


