كتب المهندس: محمد مصطفى الضو..حين لا تصعد المنصّة… هل تهبط قيمتك.

حين لا تصعد المنصّة… هل تهبط قيمتك؟

في هذه الأيام، تدور في المجالس والمجموعات أحاديث الفوز والخسارة في المسابقات الفنية والأدبية، كأنّ المنصّة التي يقف عليها فائز واحد قد صارت ميزاناً وحيداً يزن الناس به مواهبهم وأقدارهم. فإذا أُعلن اسم الفائز، تهلّل قوم كأنهم فتحوا الأندلس، وتجهّم آخرون كأنّ لجنة التحكيم قد نازعتهم حقّاً ثابتاً في الإرث!

والمسابقة، في أصلها، موعدٌ جميل بين الإبداع والفرصة؛ لكنها تتحول أحياناً إلى محكمة نفسية، يدخلها المرء حاملاً عمله بيد، وصورته عن نفسه باليد الأخرى. فإن فاز، ظنّ أنّ الكون قد عرف أخيراً قدره؛ وإن لم يفز، ظنّ أنّ الكون كله قد تآمر على موهبته، من رئيس اللجنة إلى آخر موظف في البريد الإلكتروني.

وأعجبُ الناس في هذا الباب من يدخل المسابقة وقد فرغ من كتابة خطاب التهنئة لنفسه قبل أن تُفتح المظاريف! يرى في عمله فتحاً فنياً لا يرقى إليه الشك، وفي نفسه موهبةً تأخّر الاعتراف بها لا أكثر. فإذا جاءت النتائج بخلاف ما اشتهى، خرج يبحث عن تفسير: هذه لجنة لا تفهم، وذاك تحكيم تحكمه العلاقات، والثالث لا يعرف في الفن إلا اسمه، والرابع لا يفرّق بين القصيدة وقائمة المشتريات.

ولا ريب أن في عالم الجوائز ما فيه من اختلاف الأذواق، وتباين المدارس، وتفاوت المعايير، وربما دخلت فيه حسابات لا تخلو منها أعمال البشر؛ لكن المشكلة ليست في أن يسأل الإنسان عن المعايير، بل في أن يجعل من خسارته برهاناً قاطعاً على فساد العالم، ومن فوزه وحده دليلاً وحيداً على عدالته.

ثمّة فرق شاسع بين من يناقش النتيجة بعقلٍ بارد، ومن يخاصمها بقلبٍ مشتعل. الأول يسأل: ما الذي يمكن أن أتعلمه؟ هل أصابت اللجنة شيئاً غاب عني؟ هل كان العمل جيداً لكنه لم يكن الأنسب لهذا المحور؟ وهل كانت المنافسة، ببساطة، أقوى مما توقعت؟ أما الثاني فيضع نفسه في موضع القاضي والمتهم والشاهد، ثم لا يبرّئ أحداً إلا نفسه.

وفي المقابل، هناك من يصعد الدرجات درجة درجة: يتجاوز المرحلة الأولى، ثم يبلغ القائمة الطويلة، ثم القصيرة، ثم يشعر أن الكأس باتت على مسافة خطوة. وهنا يكون الامتحان الحقيقي؛ لأن الاقتراب من خط النهاية لا يعني عبوره، وملامسة الباب لا تعني أن المفتاح في الجيب.

كم من عملٍ عظيم حلّ ثانياً، وكم من موهبة أصيلة توقفت عند القائمة النهائية، لا لنقصٍ فيها، بل لأن المسابقة لا تمنح في لحظة واحدة إلا عدداً محدوداً من المقاعد. فالفن ليس سباق مئة متر يُحسم بالساعة، ولا الأدب معادلة رياضية تُستخرج نتيجتها من آلة حاسبة. بين عمل وآخر، قد تقف زاوية نظر، أو حساسية جمالية، أو انسجام مع موضوع الموسم، أو تفصيل صغير رآه المحكّم حاسماً ولم يره صاحب العمل كذلك.

والعاقل لا يحتقر هذه التفاصيل، ولا يعبدها. يعرف أن التقييم الإنساني لا يخلو من المزاج، لكنّه يعلم أيضاً أن المزاج ليس شتيمة دائماً؛ ففي الفن، الذوق جزء من الحكاية، كما أن النغمة جزء من الغناء، والرائحة جزء من الورد. ولو اتفق الناس جميعاً على لوحة أو قصيدة أو صورة، لما بقي للفن ذلك المجال الرحب الذي يسمح لعينين أن تنظرا إلى المشهد نفسه فتريا عالمين مختلفين.

أما أجمل المتسابقين نفساً، فهو ذاك الذي لا تنكسر في داخله المحاولة إذا خسر. لا لأنه لا يتألم؛ فالألم حقّ طبيعي، ومن قال إن المبدع لا يحزن فقد طلب منه أن يكون حجراً لا إنساناً. لكنه يحزن بقدر، ثم يضع حزنه في مكانه الصحيح: درساً، لا إقامةً دائمة.

هذا الإنسان يدرك أن الفوز لا يساوي دائماً الكفاءة، كما أن الخسارة لا تعني غيابها. يعرف أن خلف النتائج خوارزميات في بعض المسابقات، وأذواقاً في أخرى، وتكراراً في الموضوعات، وضيقاً في عدد الجوائز، وظروفاً لا يعلمها إلا القائمون على العمل. لكنه لا يتخذ من ذلك وسادةً ينام عليها؛ بل يتخذ منه فهماً أوسع لطبيعة الطريق.

فالنجاح الحقيقي ليس أن تتكرر صورتك على منصة التكريم فحسب، بل أن تتكرر محاولتك على منصة العمل. الجائزة لحظة، مهما طال بريقها؛ أما التجربة فهي عمر. والجائزة شهادة تقدير، أما الاستمرار فهو شهادة حياة.

ثم إن في الفوز جانباً مادياً لا ينبغي أن نتجاهله؛ فالجائزة قد تفتح باباً، وتعين صاحبها على مشروع، وتمنحه انتشاراً أو مورداً أو فرصةً كان يحتاج إليها. وهذا حسنٌ محمود، ولا داعي للتظاهر بأن المال لا يعني المبدعين؛ فالفنان أيضاً يدفع الإيجار، والكاتب أيضاً يشتري الورق، والمصور لا يقتات من ضوء الشمس وحده. ولكن المشكلة تبدأ حين يصبح المال أو اللقب هو المقياس الوحيد لقيمة العمل، فيتحول الإبداع من رسالة إلى يانصيب، ومن سعيٍ طويل إلى انتظار رقمٍ يخرج من صندوق.

وما أحوجنا إلى تربية أنفسنا، وخاصة في زمن المنصات السريعة، على أدب النتيجة. أن نبارك للفائز بلا مرارة، وأن نراجع أنفسنا بلا إذلال، وأن نعترض حين يكون للاعتراض وجهٌ من الحق، لكن من غير أن نرمي في كل خسارة حجراً على الآخرين. فالخاسر النبيل لا يقل جمالاً عن الفائز المتواضع، وربما كان كلاهما أرفع من فائزٍ يظن أن الميدالية قد جعلته فوق النقد، أو من خاسرٍ يظن أن النتيجة قد جعلته دون القيمة.

ليست كل مسابقة مرآة كاملة، وليست كل نتيجة حكماً نهائياً، وليست كل فرصة باباً أخيراً. إنما هي محطة في طريق طويل، يقيس فيها الإنسان عمله، ويختبر صبره، ويعرف شيئاً من نفسه والناس.

فإن فزت، فاحمد الله ولا تُسرف في الزهو؛ فلعل بين من لم يفز اليوم من يحمل عملاً لا يقل عن عملك جمالاً، لكنه لم يلتقِ بعد باللحظة التي تناسبه. وإن خسرت، فلا تُسلم موهبتك إلى الحزن، ولا تجعل من لجنةٍ عابرة محكمةً أبدية على مستقبلك.

فالمنصّة، مهما علت، ليست السماء. والجائزة، مهما كبرت، ليست الفن.
وما يبقى في النهاية ليس الاسم الذي ناداه المذيع في ليلةٍ واحدة، بل الأثر الذي تركه المبدع في عيون الناس وقلوبهم، وفي نفسه قبل كل شيء.

أخر المقالات

منكم وإليكم